
هل عام 2026 عام الوحدة أم عام الفدرالية والتقسيم في سورية؟
لم يكن العام 2025 في سورية كالأعوام التي سبقته، بل كان عاماً مليئاً بالمتغيرات السياسية والاقتصادية والتحولات والأحداث التي لم تشهدها سورية من قبل.
فقد استمر انبهار العالم بسقوط نظام بشار الأسد وبقية الحدث السوري مكشوفاً للرأي العام العالمي، وبقيت سورية تحت المجهر العالمي والإقليمي، بينما كانت حكومة الثورة الجديدة برئاسة أحمد الشرع تعمل على محورين: الأول يتركز على تثبيت الشرعية في الداخل من خلال إجراءات ومراسيم وأنشطة كإصدار إعلان دستوري، وتشكيل جيش جديد بعد حل وتسريح الجيش السابق، وتشكيل جهاز أمني جديد أيضاً وتحديد مسؤولياته وفق القانون، وتعيين محافظين جدد، وانتخاب مجلس الشعب، وعقد مؤتمر الحوار الوطني، وتعيين محافظين ومسؤولين للمحافظات، وتوسيع صلاحيات البلديات وفق نظام اللامركزية الإدارية، ومتابعة عمل الحكومة الجديدة، وإجراء تغيير جذري في عمل الوزارات من خلال تنقية العناصر القادرة على التعاطي بإيجابية مع الوضع الجديد، وتغيير بيئة العمل وطريقة التوظيف، ومحاربة الفساد الإداري، والمسارعة إلى إصدار عملة سورية جديدة بعد إزالة صفرين من قيمة العملة القديمة، في إشارة إيجابية على تصميم الحكومة على النهوض بالبلاد من جديد وفي أسس وقيم وظروف مختلفة عما كان عليه الوضع خلال السنوات الماضية.
أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد كان العام 2025 عاماً حافلاً بالأحداث ذات الطابع التاريخي، ومن أهم هذه الأحداث تحسين العلاقات السورية الأمريكية لأول مرة منذ سنوات، بالتوازي مع إعادة فتح الأبواب السورية أمام العالم أجمع، من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه. وقد نجحت حكومة الشرع في هذا المجال في إبقاء علاقاتها الجيدة مع روسيا وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، وعادت عشرات الدول وفتحت سفاراتها في دمشق بعد قرار الولايات المتحدة بإعادة علاقاتها مع سورية. وكان قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع العقوبات المفروضة على سورية، ورفع اسم رئيس الجمهورية أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب عن لوائح الإرهاب في مجلس الأمن، ورفع الكونغرس الأمريكي العقوبات المفروضة على سورية بمقتضى قانون قيصر، وتوقيع ترامب مرسوم إلغاء هذا القانون الذي كان يشكل كابوساً على كاهل الشعب السوري، بالإضافة إلى انضمام سورية إلى التحالف الدولي لتكون الدولة رقم تسعين، بمثابة إعلان عن دخول سورية مرحلة جديدة ومختلفة، رغم استمرار التحديات جراء تراكمات الحرب الطويلة والتدخلات الإقليمية والدولية…
ومع هذا النجاح الخارجي على صعيد فتح آفاق العلاقات السياسية مع أوروبا وأمريكا والدول العربية وتركيا والدول الآسيوية، والمحافظة على زخم العلاقات المتميزة بين سورية وروسيا التي وعدت بإعادة تسليح الجيش ومد سورية بما تحتاجه من القمح، فقد تحسن المناخ الاقتصادي، وبخاصة إمدادات الطاقة، وتحسن وضع الكهرباء في سورية خلال العام 2025 بعد أن كانت الكهرباء شبه مقطوعة عن ملايين السوريين طوال الوقت. كما شهدت البلاد انفراجات في الأسواق التي باتت تحتوي كل الضروريات وكل المتطلبات، وأدى هذا التحسن في الوضع الاقتصادي والخدمات وفي العلاقات الدولية إلى إشاعة أجواء من الأمل والتفاؤل في الشارع السوري، وقد عاد مئات الآلاف من المهجرين إلى سورية من خارج البلاد وبخاصة من دول الجوار تركيا ولبنان والأردن، وتحسنت العلاقات بشكل لافت مع لبنان والأردن.
فيما كانت العلاقات السورية التركية تشهد نقلة كبيرة، حيث تشابكت المصالح السياسية والاقتصادية بين حكومة الشرع وتركيا، وتبادل الجانبان الزيارات، وبات التنسيق على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية بين دمشق وأنقرة على قدم وساق… كما استعادت دمشق علاقاتها المتميزة مع السعودية وقطر والإمارات، وقام الرئيس الشرع بزيارات إلى هذه البلدان، ولعبت السعودية دوراً أساسياً في دعم وشرعنة حكومة الشرع على الساحة الدولية، وبخاصة لدى زيارة الرئيس الأمريكي إلى الرياض حيث التقى خلال الزيارة بالرئيس السوري أحمد الشرع لأول مرة، ومنذ ذلك اللقاء لم تغلق أي دولة الباب أمام الجانب السوري، بما فيها الدول التي لديها هواجس من الخلفية الجهادية لحكومة الشرع وهيئة تحرير الشام التي استأثرت بالسلطة، وأكد الرئيس الشرع أن المرحلة الانتقالية تستوجب وجود كيان واحد بالحكم، وهذا الاستئثار بالحكم خلق هوة عميقة بين مكونات الشعب السوري وبين قوى المعارضة نفسها.
ورغم كل الخطوات التي اتخذتها الحكومة على صعيد إعادة علاقاتها مع الخارج وتحسين البيئة الاقتصادية والطاقوية في البلاد، فقد جاءت أحداث الساحل والسويداء وفشل تطبيق اتفاق العاشر من آذار والتدخل الإسرائيلي في الجنوب السوري ليعيد خلط الأوراق ويظهر الحكومة السورية عاجزة عن العمل السياسي والحوار مع السوريين رغم نجاحاتها في الحوار وفتح الأبواب مع الخارج… وهذا الوضع مع الحملات الإعلامية والتجييش الإعلامي والطائفي بعد أحداث الساحل في السادس والسابع من آذار من عام 2025 والتي أدت إلى مئات القتلى في عمليات قتل طائفية موصوفة، وتم تحميل المسؤولية الكاملة لحكومة الشرع والقوى الأمنية، وتكرر المشهد في السويداء التي سارعت لطلب الحماية من إسرائيل التي قدمت الحماية، وتم عملياً منذ تموز فصل السويداء فشلاً كاملاً عن الوطن السوري وانقطع الحوار بين السلطة الحاكمة في دمشق وبين الإدارة الجديدة في السويداء والتي يتزعمها الشيخ حكمت الهجري الذي شكل الحرس الوطني، وطالب بتقرير المصير والاستقلال التام، وأعلن أن الدروز لا يستطيعون العيش مع هذه الحكومة المتطرفة برئاسة الشرع.
وهذا المنطق نفسه بدأ الأكراد يعملون به، وفشل تطبيق اتفاق العاشر من آذار بين الشرع ومظلوم عبدي، ولم يتم دمج أي عنصر من قوات سورية الديمقراطية مع الجيش، ولسان حال قيادات قسد يتعلّق باختلاف عقيدة الجيش عن عقيدة قسد، ورفض قسد الانضمام إلى الجيش إلا ككتلة واحدة والبقاء في شرق الفرات، وهذا ما ترفضه حكومة دمشق وتطالب بأن تتم عملية الدمج فردياً بعد أن يتم حل قوات سورية الديمقراطية، وهذا ما تطالب به تركيا التي تضغط على الحكومة السورية وتمارس نفوذاً قوياً عليها.
وإذا كان العام 2025 بالنسبة للحكومة السورية هو عام الانفتاح على الخارج ونجاح الدبلوماسية السورية، فإن العام 2026 يحمل معه تحديات كبيرة تتعلق بالداخل السوري، ومن المنتظر أن يكون العام الجديد هو عام الحوار الداخلي واستعادة اللحمة الوطنية وإعادة السويداء وشرق الفرات إلى كنف الدولة السورية، لأنه في حال استمرار الانقسام والتشظي والفرقة فإن الساحل السوري سيحذو حذو السويداء وشرق الفرات، وهذا سيقوض جذرياً حكومة الشرع التي تحرص على عدم الوصول إلى هذه النقطة رغم كل التدخلات الإسرائيلية الداعمة لتقسيم سورية إلى دويلات طائفية. ولكن الشعب السوري لا يزال يمتلك قراره وإرادته، ولا يزال رغم كل ما يمر به من ضغوط ومعاناة وسفك الدماء وإرهاب، لا يزال مصمماً على المحافظة على وحدته وعلى سيادته، وقد وجد في الدعم الروسي والأمريكي في هذا المجال ما يشجعه على المضي في إنجاز مشروعه الوطني واستعادة الأمن والاستقرار، رغم تعاظم التحديات ومهما كانت التضحيات. ففي نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح، وإسرائيل لن تتمكن من تحقيق مشروعها التقسيمي لأن الشعب السوري بكل مكوناته لا يريد تقسيم سورية أبداً…

