
بينما كان العالم منشغلاً بالأزمات في فنزويلا وجرينلاند، كانت آلة صناعة الفوضى الأمريكية تعمل بلا كلل في قلب منطقة أكثر حيوية: إيران. إن ما تسميه وسائل الإعلام الغربية “احتجاجات شعبية عارمة” و”انتفاضة ضد الاستبداد” ليس سوى الفصل الأخير من سيناريو طويل تمت كتابته في أروقة البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية. الحرب الهجينة التي تشنها واشنطن ضد طهران تهدف إلى تحقيق ما فشلت فيه العقوبات والتهديدات العسكرية المباشرة: إسقاط النظام الإيراني وإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، عبر إشعال فتيل انقلاب داخلي قد يكون الأكثر دموية وتعقيداً في تاريخ المنطقة الحديث.
السبب الجوهري لا يختلف عن منطق التدخل في فنزويلا: السيطرة على الموارد الاستراتيجية وإسقاط محور المقاومة. تمتلك إيران رابع أكبر احتياطي نفط في العالم وثاني أكبر احتياطي غاز، وهي تقع في موقع جيوسياسي يتحكم في مضيق هرمز، شريان الطاقة العالمي. غير أن الثروة الحقيقية لإيران في نظر واشنطن هي مشروعها السياسي المستقل الذي يهدد الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، من خلال شبكة من الحلفاء تمتد من لبنان والعراق إلى سوريا واليمن. سقوط طهران يعني انهيار هذا المحور وفتح الباب أمام السيطرة الكاملة على منابع الطاقة والطرق التجارية، وهو الحلم الاستراتيجي القديم لأي إمبراطورية تسعى للهيمنة العالمية.
تعلم واشنطن جيداً أن المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران ستكون مكلفة وغير محسوبة النتائج. لذلك، اعتمدت على ترسانة متطورة من أدوات الحرب الهجينة أبرزها العقوبات الاقتصادية الخانقة تشكل هذه العقوبات، التي فرضت منذ عقود وتصاعدت إلى حد الحصار الشامل، سلاح الإبادة الاقتصادية. هدفها شل قدرة الدولة على توفير أبسط الخدمات، ودفع المواطن الإيراني إلى حافة اليأس عبر تضخم جامح وندرة في السلع الأساسية. هذه المعاناة المصطنعة هي الوقود المطلوب للاحتجاجات. الحرب الإعلامية والنفسية عبر شبكة معقدة من المنصات الإعلامية الناطقة بالفارسية (مثل “إيران إنترناشيونال” و”من وتو” الممولتين من السعودية وبريطانيا)، ووكالات الأنباء العالمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، تُشن حملة منهجية لتضخيم الأخطاء، ونشر الشائعات، وخلق واقع بديل من “الانتفاضة الشاملة”. يتم اختيار اللقطات الدراماتيكية بعناية وتعميمها، بينما يُتجاهل السياق الأوسع والتعقيدات الداخلية. دعم وتجنيد العناصر الانفصالية والمناهضة للنظام: تشير تقارير استخباراتية إلى تمويل وتدريب مجموعات انفصالية إثنية (مثل بعض العناصر في كردستان إيران أو بلوشستان) بهدف إضعاف تماسك الدولة من الداخل وخلق بؤر توتر متعددة تصعب السيطرة عليها.
اندلعت الاحتجاجات الأخيرة بعد حادثة وفاة الشابة مهسا أميني، وهو حدث مأساوي بلا شك. لكن تحويل حادثة فردية (ولو كانت مأساوية) إلى حركة إسقاط شاملة للنظام لا يمكن تفسيره دون وجود جهة تعمل على تأجيجه وتوجيهه. السمات المميزة لهذه الاحتجاجات تشبه إلى حد كبير “الثورات الملونة” التي شهدتها دول عديدة منها سرعة التنظيم والتوسع الانتقال السريع من احتجاج عفوي إلى مواجهات منظمة في عشرات المدن.
شعارات التغيير الجذري تحول المطالب من الإصلاح إلى المطالبة بإسقاط النظام برمته (“الموت للديكتاتور”).
دور الناشطين الخارجيين كان نشاط مكثف للمعارضة الإيرانية في الخارج (مثل مجاهدي خلق) على وسائل التواصل، يدعو صراحة للتمرد والعنف.
إن توقيت هذه الاحتجاجات، في خضم أزمة اقتصادية خانقة ناتجة عن الحصار، ووسط مفاوضات متعثرة حول الملف النووي، يشير إلى محاولة لخلق واقع جديد على الأرض يفرض نتائجه على طاولة المفاوضات، أو يفتح الباب لسيناريو التدخل.
واجهت الدولة الإيرانية الأحداث بمنطق الحفاظ على الأمن القومي باعتباره الأولوية القصوى. تصاعدت حدة المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن، مع اتهامات متبادلة باستخدام العنف. يضع النظام المسؤولية مباشرة على عاتق “أعداء الخارج” وداعميهم المحليين، ويرى في الأحداث محاولة انقلابية. هذا يخلق مأزقاً عميقاً: أي قمع للاحتجاجات (حتى لو هدف لحماية مؤسسات الدولة) يتم تصويره عالمياً على أنه “وحشية النظام”، بينما أي تراخٍ قد يُفهم على أنه ضعف يشجع على التصعيد. وفي خلفية المشهد، تتسارع وتيرة العمليات الاستخباراتية والاغتيالات (كما في حالة قائد فيلق القدس قاسم سليماني سابقاً والعلماء النوويين)، مما يؤجج حالة من التوتر والرغبة في الرد.
يتكرر المشهد المألوف تنديد غربي سريع وحاد بإيران، ودعوات في مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لإدانة طهران، بينما يُغض الطرف تماماً عن الدور المحوري للعقوبات الأمريكية في خلق الأزمة الإنسانية.
لا أحد يسأل: كيف من الممكن لدولة محاصرة أن توفر حياة كريمة لشعبها؟ الأكثر إثارة للسخرية هو دور بعض الأنظمة العربية التي لا تتورع عن قمع أي صوت معارض داخلياً، بينما تعلن دعمها “لحقوق الشعب الإيراني في الحرية”! إنه انحدار أخلاقي كامل، حيث تُستخدم المعاناة الإنسانية كسلاح في معركة جيوسياسية، ثم يتم استغلال النتائج المتوقعة لتلك المعاناة كذريعة لمزيد من الضغط.
لا يمكن فصل الأزمة الداخلية في إيران عن الحرب الباردة الإقليمية التي تشتعل بين محور المقاومة (إيران، سوريا، حزب الله، الحوثيون) ومحور الاعتدال (بقيادة السعودية والإمارات وإسرائيل بدعم أمريكي). أي ضعف في طهران سيترجم فورياً إلى تغيير في موازين القوى في اليمن وسوريا ولبنان والعراق. إسرائيل، التي تعلن صراحة عن هدفها بمنع إيران من امتلاك قدرة نووية وإضعاف نفوذها، ترى في الاضطرابات الداخلية فرصة تاريخية قد لا تتكرر. هذا يجعل التدخل الخارجي المباشر أو غير المباشر احتمالاً وارداً، وقد يدفع النظام الإيراني، إذا شعر بالخطر الوجودي، إلى تصعيد عسكري خارجي لخلق ورقة ضغط جديدة وربط مصيره بمصير المنطقة بأكملها، في لعبة خطيرة من رفع سقف المخاطر.
إيران اليوم ليست اختباراً لقوة نظام سياسي فحسب، بل هي امتحان عصيب للقانون الدولي ولحدود القوة الأمريكية. إذا نجحت واشنطن في إسقاط طهران عبر “الانقلاب البطيء” هذا، فستكون قد أثبتت أن النموذج الفنزويلي قابل للتطبيق عالمياً: حصار، خنق اقتصادي، تأجيج احتجاجات، ثم إسقاط النظام. سترسل هذه الرسالة إلى كل دولة ترفض الانصياع: أنتم التالية. أما إذا صمدت إيران، فقد تبدأ مرحلة جديدة من التحالفات المضادة أكثر جرأة، حيث تدرك دول العالم أن الاعتماد على الغرب للتعامل مع الغرب هو طريق مسدود، وأن الخيار الوحيد هو بناء تحالفات أفقية قائمة على المصالح المشتركة في مواجهة الهيمنة. مصير إيران سيحدد ليس فقط مستقبل الشرق الأوسط، بل طبيعة القرن الحادي والعشرين: هل سيكون قرناً للأحادية القطبية الأمريكية المطلقة، أم لصراع أكثر تعقيداً وتعدداً؟ الجواب يكمن في شوارع طهران ودهاليز واشنطن، وفي قرارات العواصم الأخرى التي تراقب وتنتظر.

