
حرب التصريحات تتصاعد بين الولايات المتحدة والدنمارك حول جزيرة غرينلاند… وأوروبا الضعيفة تستجدي إدارة ترامب وترسل تعزيزات عسكرية إلى الجزيرة الكنز.
ترامب يعتبر غرينلاند ضرورية للأمن القومي الأمريكي، وأوروبا تحذر من تقويض النظام الدولي…
زاخاروفا تسخر من الضعف الأوروبي تجاه إدارة ترامب وأوروبا للاهتمام بجزيرة غرينلاند وليس بجزيرة القرم الروسية…
هي شريعة الغاب تتبعها إدارة ترامب ضد الأعداء والأصدقاء، وطالما يتعلق الأمر بالمعادن الثمينة فلا أحد يحق له أن يناقش ترامب الرئيس التاجر المهووس بهذه المعادن…
وحكاية جزيرة غرينلاند مع الرئيس الأمريكي، وقد وضع خريطة الجزيرة خلف نافذة مكتبه البيضاوي، تثير الضحك من طريقة تفكيره، حيث أن الجزيرة تابعة للدنمارك وهي تتمتع بالحكم الذاتي وتبلغ مساحتها مليونين و١٦٦ ألف كم مربع، وهي أكبر من مساحة الجزائر، وفيها معادن ثمينة كالألومنيوم والنحاس، وهذا بيت القصيد عند ترامب التاجر الذي يستحق جائزة أفضل وأنبل لص عرفه التاريخ الإنساني. يطلب من صاحب البيت أنه قادم إليه ولا يعير صراخ الأطفال والجيران ورجال الأمن أي اعتبار، طالما أن الجزيرة الكنز التي تحتوي في باطنها ثروات كامنة ضرورية للتكنولوجيا الأمريكية، عدا عن قربها من الولايات المتحدة، وهي تتوسط المحيط المتجمد الشمالي بين قارات أمريكا وأوروبا وآسيا.
طالما أن ترامب التاجر ومعه القوة الغاشمة الأمريكية، فلا توجد مشكلة في العمل على تمريغ أنف القانون الدولي بالتراب، وطالما أن القوة موجودة فلا حاجة للعدالة. فالعدل عند ترامب ما سنه القوي بسيفه، وسيف ترامب المسلط فوق رأس الدنمارك وأوروبا هو العدالة الدولية وهو القانون الدولي… ورغم كل الصراخ والعويل والشكاوى والاستجداء الأوروبية فإن ترامب لا يعير ذلك أي اهتمام، ولا يسمعه، ولا يرى سوى الكنز والمعادن الثمينة والثروات التي يكشف عنها ذوبان الجليد والثلوج على شواطئ الجزيرة الغنية، التي تتمتع بموقع استراتيجي بين الأطلسي والمتجمد الشمالي، وهي أشبه بالعقد بين المحيطين، تقترب كثيراً من كندا، وعدد سكانها ٦٠ ألف نسمة فقط يعيشون على سواحلها المتجمدة، ولا توجد فيها قوات عسكرية. ولكن يبدو أن الجزيرة ينتظرها مستقبل آخر، حيث يناشد المسؤولون في الدنمارك إدارة ترامب بالعدول عن خطة احتلال الجزيرة دون جدوى، ويدعون سكان الجزيرة بأن يعلنوا رفضهم الحكم الأمريكي والتمسك بولائهم إلى الدنمارك وأوروبا.
وفي ظل الخلل الكبير في موازين القوى وحاجة أوروبا إلى الحماية الأمريكية، فقد أقدمت مملكة الدنمارك على اتخاذ خطوات من باب رفع العتب، وأرسلت تعزيزات عسكرية من قواتها المسلحة، ودعت الدول الأوروبية إلى إرسال تعزيزات إلى غرينلاند، رغم أن إمكانية الدفاع عن الجزيرة شبه معدومة أمام الجيش الأمريكي. غير أن المسؤولين الأوروبيين عقدوا سلسلة اجتماعات عسكرية وسياسية على وقع تأكيد ترامب عزمه احتلال الجزيرة، وأطلقت أوروبا تحذيرات من أن إقدام ترامب على احتلال الجزيرة سيقوض النظام الدولي القائم منذ الحرب العالمية الثانية، وسيشكل خطراً على الأمن والسلام الدوليين. غير أن ترامب لا يفهم هذه اللغة، وقد أصبحت غرينلاند في عمق تفكيره باعتبارها ضرورية للأمن القومي الأمريكي.
ووسط حرب التصريحات بين أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية حول غرينلاند، قدم عضو الكونغرس الأمريكي راند باول في الثاني عشر من كانون الثاني الجاري ٢٠٢٦ مشروع قرار إلى الكونغرس لضم جزيرة غرينلاند إلى أمريكا.
وكما هي عادته في تصريحاته الغامضة عندما يتعلق الأمر بقرارات حاسمة، فقد قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه سيفعل شيئاً ما بشأن غرينلاند، “سواء أعجبهم ذلك أم لا، أود إبرام الصفقة بالطريقة السهلة، وإذا لم تنفع الطريقة السهلة، فسيتم ذلك بطريقة صعبة”.
وشدد على أن الولايات المتحدة بحاجة إلى امتلاك غرينلاند لضمان الأمن القومي، مؤكداً أن استئجار الجزيرة المذكورة لن يكون كافياً ولن “يشبع” مطالبه…
في هذه الأثناء، أعلن وزير خارجية الدنمارك أن بلاده لا تريد أن تبيع أو تتخلى عن جزيرة غرينلاند التي تحتل موقعاً حساساً، وقد جعلها هذا الموقع في قلب صراع جيوسياسي متصاعد، وتحولت الجزيرة التي تتمتع بحكم ذاتي واسع إلى كنز تسعى القوى الكبرى للحصول عليه، وبخاصة الولايات المتحدة التي وقعت اتفاقية مع الدنمارك عام ١٩٥١ تسمح بإقامة قواعد عسكرية على الجزيرة…
ورغم التعزيزات التي أرسلتها القوات المسلحة الدنماركية إلى غرينلاند، والطلب من الدول الأوروبية بإرسال قوات للدفاع عن الجزيرة ضد أي هجوم أمريكي وشيك، فلا تزال الاستجابة خجولة وضعيفة…
وعلى التوازي، اعتبرت رئيسة وزراء الدنمارك أن واشنطن ما زالت راغبة في السيطرة على غرينلاند، والخلاف معها جوهري. فيما أعلنت حكومة غرينلاند أن التدريبات التي تقوم بها القوات المسلحة الدنماركية مع الحلفاء، والإجراءات التي تقوم بها، تهدف إلى تعزيز التحالفات في المنطقة القطبية لصالح الأمن الأوروبي وعبر الأطلسي.
من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع الدنماركية تعزيز الوجود العسكري. فيما قال رئيس وزراء السويد إن ضباطاً من السويد وصلوا إلى غرينلاند بناء على طلب من الدنمارك.
في هذه الأثناء تواصلت التحذيرات الأوروبية من تداعيات خطيرة على الأمن جراء أي تدخل عسكري أمريكي مباشر في غرينلاند، واعتبرت أوروبا أن ذلك سيشكل ضربة قاصمة للنظام الدولي للأمن الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
ونقلت صحيفة “بوليتيكو” عن مصادر دبلوماسية أوروبية أن الحكومات الأوروبية تعمل جاهدة لتجنب مواجهة عسكرية مع واشنطن، لكنها تعتبر أن خطوة كهذه ستُنهي المبادئ التي قامت عليها الاستقرار الجيوسياسي منذ عقود.
وفي سياق متصل، وجّه راسموس يارلوف، رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الدنماركي، نداءً عاجلاً إلى سكان غرينلاند، داعياً إياهم إلى التعبير بوضوح عن رغبتهم في البقاء ضمن المملكة الدنماركية، محذراً من أن الخطابات الداعية للاستقلال أو الرافضة للسيادة الدنماركية قد تُستخدم لتبرير مخططات أمريكية لضم الجزيرة. وأشار يارلوف إلى أن الولايات المتحدة تعدّ بالفعل خططاً لاحتلال غرينلاند، ليس من أجل منحها الاستقلال، بل لفرض السيطرة المباشرة على قراراتها ومقدراتها.
من جهتها، أكدت كل من كوبنهاغن ونوك (عاصمة غرينلاند) أن أي محاولة لانتهاك سيادتهما ستُقابل برفض قاطع، مشددتين على توقعهما احترام المجتمع الدولي — ولا سيما الحلفاء — لوحدة أراضيهما. وقد بدأ الاتحاد الأوروبي في يناير الجاري مناقشة سيناريوهات الرد المحتملة في حال تحولت التهديدات الأمريكية إلى فعلٍ على الأرض.
يُذكر أن غرينلاند، التي كانت مستعمرة دنماركية حتى عام 1953، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من المملكة الدنماركية، لكنها حصلت في 2009 على حكم ذاتي واسع يخولها إدارة شؤونها الداخلية بشكل مستقل، باستثناء الدفاع والسياسة الخارجية اللذين يظلان تحت مسؤولية كوبنهاغن.
في المواقف الدولية، سخرت المتحدثة باسم الخارجية الروسية من الضعف الذي تبديه أوروبا أمام إدارة ترامب، وأجرت مقارنة بين موقف أوروبا العنيد ضد روسيا فيما يخص جزيرة القرم، والتي أيّد غالبية سكانها في استفتاء شعبي العودة إلى الوطن الأم روسيا، وبين الموقف الأوروبي الحالي من إعلان ترامب عزمه ضم جزيرة غرينلاند التي يعتبرها كنزاً من المعادن الثمينة الضرورية لبلاده وللتكنولوجيا.
وقالت زاخاروفا في مقابلة مع إذاعة “سبوتنيك”:
“أود أن أنصحهم — من باب المساعدة — بأن يعيدوا قراءة ما قالوه عام 2014 عن الوضع في القرم. سيكون ذلك مفيداً جداً لهم الآن لاستجماع الحماسة نفسها تجاه قضية غرينلاند”. وأضافت أن على مسؤولي الاتحاد الأوروبي أن يتساءلوا لماذا يولون اهتماماً كبيراً بالشؤون الداخلية لدول أخرى، في حين يبدون أقل اهتماماً بالتحديات التي تواجهها دول الاتحاد الأوروبي ذاتها.
تظهر قضية غرينلاند أن ترامب يتصرف كالفرعون في بيئة قديمة الأزمنة دون أي ضوابط قانونية أو اعتبارات إنسانية، وقد أقر ذلك الرئيس ترامب حين أكد أن القرارات المصيرية الكبرى يتخذها في عقله وفق ما توحيه أخلاقه دون أن يراعي اعتباراً آخر.
ويبدو من خلال ما تفعله أمريكا ضد فنزويلا (بعد أسر رئيسها) والتهديد بإعادة قصف إيران وإسقاط نظامها لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، بالإضافة إلى تهديد أوروبا واستضعافها واحتقارها والتنمر على الدنمارك وتقويض سيادتها وسيادة القانون بذريعة الأمن القومي الأمريكي وحاجة أمريكا إلى جزيرة غرينلاند التي تتمتع بحكم ذاتي واسع منذ العام ٢٠٠٩… كل هذه الأعمال اللصوصية تشير إلى أن فترة حكم ترامب في البيت الأبيض التي مضى عليها سنة واحدة ستكون حافلة بالأحداث الدولية الكبيرة، حيث تسود شريعة الغاب بدلاً من سيادة القانون الدولي، ويبدو العالم وفق ترامب كالحارة الصغيرة التي يسيطر عليها القبضاي الذي يحل المشاكل باستخدام يده أكثر من عقله…

