
تجد أوروبا نفسها، في مطلع عام 2026، في حالة من الانفصام الاستراتيجي المقلق. فبينما تُقرع الطبول الدبلوماسية في برلين وروما لدعوة فتح حوار مع الكرملين، توقع فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا في باريس إعلاناً يُرسي الأساس لنشر قوات أجنبية على الأراضي الأوكرانية المستقبلية. هذا المشهد المتناقض لا يعكس مجرد خلافات تكتيكية، بل يكشف عن شرخ وجودي في جسم الاتحاد الأوروبي: بين نخبة تؤمن بأن التصعيد العسكري هو الضمانة الوحيدة للأمن، وأخرى مقتنعة بأن إطالة أمد الحرب وتحمل تبعاتها الاقتصادية هو الطريق إلى الهاوية. “تحالف الراغبين”، الذي اجتمع في باريس بمشاركة 35 دولة، لم يعد مجرد نادٍ داعم لأوكرانيا؛ لقد أصبح النواة الجنينية لجيش أوروبي موازٍ، يُحاك في ظل غياب أمريكي متعمد وتحت وطأة ذعر جيوسياسي من المستقبل.
كشفت قمة باريس (يناير 2026) عن تحول نوعي من الخطاب الداعم إلى خطط عملية مُفصّلة. الالتزام الأوروبي تجاوز مجرد توريد الأسلحة إلى نظام ضمانات أمنية “صلبة” وملزمة سياسياً وقانونياً لأوكرانيا، تدخل حيز التنفيذ فور أي وقف لإطلاق النار. جوهر هذه الخطة يتمحور حول عنصرين رئيسيين نشر قوة متعددة الجنسيات: بقيادة أوروبية وبدعم أمريكي (إشراف على المراقبة عن بُعد)، ستتولى هذه القوة مهام محددة تشمل تأمين المجال الجوي والبحري الأوكراني، ومراقبة وقف إطلاق النار، والمساعدة في إعادة بناء الجيش الأوكراني في المناطق الخلفية.
إنشاء مراكز عسكرية دائمة: أعلنت بريطانيا وفرنسا عن نيتهما إنشاء “مراكز عسكرية” ومنشآت محمية للأسلحة في جميع أنحاء أوكرانيا، مما يعني وجود عسكري غربي طويل الأمد ومدمج في البنية التحتية الدفاعية للبلاد.
الدوافع وراء هذا التحول الجذري ليست إنسانية بحتة، بل هي خليط من الحسابات الاقتصادية الباردة والطموحات الجيوسياسية اليائسة. من حيث الرد على التخلي الأمريكي يشكل عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتصريحاته المشككة في التزام الناتو الصدمة المحفزة. أوروبا، التي رأت كيف تتصرف واشنطن بشكل أحادي في فنزويلا وغرينلاند، تدرك أنها قد تكون التالية في قائمة الأولويات الأمريكية المتغيرة، مما يستدعي بناء قدرة دفاع ذاتي مستدامة.
لكن السعي لتوحيد الصناعة العسكرية الأوروبية يمثل تحالف الراغبين الإطار المثالي لتسريع برامج التكامل الصناعي الدفاعي الطموحة. ففي ديسمبر 2025، أقر الاتحاد الأوروبي برنامجًا بقيمة 1.5 مليار يورو لتعزيز قاعدة التكنولوجيا الصناعية الدفاعية، بما في ذلك 300 مليون يورو مخصصة خصيصًا لدماج الصناعة الدفاعية الأوكرانية في السلسلة الصناعية الأوروبية. هذا الاستثمار يخلق سوقاً موحدة ومصالح اقتصادية مشتركة تبرر الاستمرار في الصراع.
حيث توجه السعي لكسر جمود الاتحاد الأوروبي من حيث يعمل التحالف كآلية لتجاوز حق النقض (الفيتو) الذي تفرضه دول مثل المجر وسلوفاكيا، والتي تعرقل باستمرار القرارات الأوروبية الموحدة بشأن أوكرانيا. إنه اعتراف عملي بفشل نموذج “الإجماع” في مواجهة الأزمات الأمنية الوجودية.
حتى داخل تحالف الراغبين، تظهر انقسامات عميقة تكشف حدود القدرة الأوروبية على التصعيد الموحد المتطرفون (بريطانيا، فرنسا، دول البلطيق): تدفع نحو وجود عسكري مباشر وقوي في أوكرانيا، معتبرة أن الردع العسكري هو اللغة الوحيدة التي تفهمها موسكو.
الحذرون الواقعيون (ألمانيا، إسبانيا، بلجيكا): تفضل نشر قواتها في دول الناتو المجاورة لأوكرانيا (مثل بولندا ورومانيا) للمشاركة في مهام دعم لوجستي ومراقبة عن بُعد، متجنبة التورط القتالي المباشر.
المعارضون (المجر، إيطاليا): ترفض بشكل قاطع إرسال أي قوات، وتطالب بفتح قنوات حوار مباشرة مع موسكو كمسار وحيد للحل.
الموقف الروسي لا لبس فيه ويعتبره محللون بمثابة خط أحمر. مدير المخابرات الخارجية الروسية، سيرغي ناريشكين، حذر صراحة من أن خطط التحالف “تخلق ظروفًا مواتية لتوسيع النزاع وتحوله إلى صراع عسكري واسع النطاق”. الرئيس فلاديمير بوتين نفسه أكد مرارًا أن روسيا ستعتبر أي قوات أجنبية على الأراضي الأوكرانية أهدافًا عسكرية مشروعة، حتى بعد اتفاق سلام محتمل. هذا يعني أن خطة التحالف، من وجهة النظر الروسية، ليست ضمانة للأمن بل وصفة مضمونة لاستمرار الحرب وتصعيدها.
يضع “تحالف الراغبين” أوروبا على حافة قرار مصيري. من ناحية، هو تعبير عن صحوة دفاعية تاريخية ورفض للتبعية الأمريكية العمياء. ومن ناحية أخرى، هو مخاطرة بإدامة صراع دموي وتحويل أوكرانيا إلى ساحة حرب أوروبية دائمة بالوكالة، حيث تُستنزف الموارد البشرية والاقتصادية للقارة لتحقيق أهداف قد تكون بعيدة المنال.
المساران المتاحان أمام أوروبا يتصارعان اما اختيار مسار التصعيد حيث يؤدي التحالف إلى مواجهة مباشرة مع المصالح الروسية، ويرفع من وتيرة العمليات العسكرية، ويجمد أي أمل بالتفاوض الجاد، مع تبعات اقتصادية كارثية على القارة التي لا تزال تعاني من أزمات الطاقة.
او محاولة فهم مسار الحوار الذي تتزايد دعواته من برلين وروما وبعض العواصم الأخرى، والذي يرى في التحالف ورقة ضغط لدفع موسكو إلى طاولة المفاوضات، ولكنه يخشى في الوقت ذاته من أن تكون أوروبا طرفًا ثانويًا في أي تسوية أمريكية-روسية كبرى.
اليقين الوحيد في هذه المعادلة المعقدة هو أن أوروبا، من خلال هذا التحالف، قد تكون قد حفرت خندقها العسكري والسياسي الأخير. سواء قاد هذا الخندق إلى حصن منيع للأمن القاري، أو إلى حفرة يدفن فيها مستقبل العلاقات مع جارها الكبير ومستقبل ازدهارها الاقتصادي، فإن الإجابة ستحدد وجه القارة العجوز لعقود قادمة. ما بين مطرقة التبعية الأمريكية وسندان المواجهة مع روسيا، تبحث أوروبا عن ذاتها، وقد تكون أوكرانيا هي الثمن الباهظ لهذه البحث عن هوية ضائعة.

