
خطوات عديدة تقوم بها الحكومة السورية لمواجهة الأخطار والتحديات الناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وتداعياتها على سورية واستقرارها وعلى الأمن في المنطقة…
فالحكومة السورية كثفت اتصالاتها مع جميع دول المنطقة، وبخاصة مع دول مجلس التعاون الخليجية، وأبدت استعدادها لتقديم المساعدة الأخوية والدعم لهذه الدول اقتصاديا وتجاريا بعد إغلاق مضيق هرمز وباب المندب، لإيصال كل ما يحتاجه الخليج عبر الموانئ السورية من بضائع وغذاء ومواد في حال استمرار الحرب….
وعلى المقلب السياسي، أعلنت حكومة الشرع إدانة الهجمات الصاروخية الإيرانية على الدول الخليجية والتي تسببت بحالة من الذعر والخوف والارتباك في الإمارات بشكل خاص والسعودية والبحرين والكويت، جراء استهداف القواعد الأمريكية والمباني والمواقع ما أدى إلى دمار كبير وتحول الخليج – باستثناء سلطنة عمان – إلى ساحة حرب…
بالنظر إلى العلاقات الأخوية المتينة التي تربط سورية بالدول العربية الخليجية، فقد أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني اتصالات واسعة مع قادة الدول العربية والإقليمية ووزراء الخارجية فيها، ومع الرئيس الفرنسي ماكرون على وجه الخصوص والحكومة التركية، وذلك لتنسيق المواقف ووقف سفك الدماء، خاصة بعد دخول حزب الله اللبناني – العدو اللدود لحكومة الشرع ولهيئة تحرير الشام الحاكمة في دمشق – الحرب إلى جانب إيران ضد إسرائيل..
ومع أن السمة التي تحكم العلاقة بين إيران وحكومة الشرع والثورة السورية عموما وعلى مدار عقود قبل وبعد الثورة والتحرير كانت العداء الشديد والمستحكم بين الجانبين، إلا أن الموقف الرسمي للحكومة السورية من الحرب ضد إيران يتسم بالتوازن والحياد والتحفظ حتى الآن بعد عشرة أيام من الحرب، لمنع انزلاق البلاد إلى ما لا تحمد عقباه…
ورغم وجود تيار قوي ومسيطر داخل الحكومة السورية يدفع ويسعى للانتقام من حزب الله وإيران لوقوفهما إلى جانب النظام السابق، إلا أن العداء والخلافات بين حلفاء واشنطن في المنطقة وخاصة بين تركيا وإسرائيل من جهة، وتركيا والإمارات من جهة ثانية، والخلاف الإماراتي السعودي حول اليمن مؤخرا من جهة ثالثة، بالإضافة إلى الموقف المصري والتركي المعارضين للحرب، وإدراك الجميع أن سورية منهكة ولا داعي لإقحامها في الحرب، كل ذلك ساعد وشجع حكومة دمشق لاتخاذ موقف متوازن ومحايد عمليا يمكن في حال استمراره تجنيب البلاد المزيد من المعاناة والدمار.
فالحكومة السورية وهي تريد أن تنتقم من إيران لوقوفها ضد الثورة السورية ولاعتبارات سياسية ودينية واجتماعية وتاريخية، إلا أنها تحاول في المقابل تحقيق الموازنة الصعبة للمحافظة على سيادة سورية ومصالحها الحيوية. فهي تدين التصرفات الإيرانية بوضوح من جانب، وتدعم سيادة الأشقاء من جانب آخر، لكنها في ذات الوقت تدرك أن الوضع في سورية لا يحتمل، ولهذا تريد أن تقف على الحياد إذا استطاعت ذلك، مع أن إسرائيل وأمريكا يسعون لتوريطها بالحرب…
واليوم تجد الدبلوماسية السورية نفسها مشدودة إلى المصالح الوطنية كلما اشتد أوار الحرب المستعرة بين إيران وإسرائيل، وملزمة باتخاذ موقف إلى جانب الدول التي دعمت الثورة السورية، وفي نفس الوقت تجد نفسها مقيدة لاعتبارات سياسية وأخلاقية واجتماعية. فإسرائيل في نهاية المطاف هي إسرائيل العدو التاريخي، وإذا فتحت سورية أجواءها للطيران الإسرائيلي فهذا أقصى ما يمكن أن تفعله في الوقت الراهن، مع أن المفاوضات بين الجانبين لم تتقدم حتى الآن بسبب شروط إسرائيل ومنع الجيش السوري من الدخول إلى مناطق الجنوب، وبسبب الدعم والمساندة التي تقدمها إسرائيل لحركة الشيخ حكمت الهجري الانفصالية في السويداء بجنوب سورية ودعم إسرائيل للأقليات عموما.. فإسرائيل بالتوصيف السياسي وبالعقيدة العسكرية تمثل العدو، ولكن لسان حال السوريين من أنصار الحكومة يقول “لصان يتحاربان فليهلك الاثنان وفخار يكسر بعضه”، في إشارة إلى إيران وإسرائيل…
ومع استمرار التسريبات من وسائل الإعلام العبرية حول اقتراب دخول سورية الحرب ضد حزب الله في لبنان، والتحذيرات الإسرائيلية من تداعيات دخول وحدات من الجيش السوري إلى مناطق الجنوب الأمر الذي ترفضه إسرائيل التي أقامت لنفسها 11 نقطة وموقعا عسكريا ضمن الأراضي السورية وصولا إلى مرتفعات التلول الحمر… ومع أن الحكومة السورية لم يصدر عنها أي توضيحات حول هذا الموضوع، إلا أن حكومة دمشق كانت دائما مصممة على استعادة السيطرة على كامل الأراضي السورية، وهي المسؤولة عن الدفاع عن السيادة السورية التي تنتهكها إسرائيل بشكل شبه يومي…
ومع أن المواطنين السوريين كغيرهم من سكان المعمورة يتابعون مجريات الحرب أولا بأول، إلا أن وقوف إيران إلى جانب النظام السابق ضد المعارضة أوقد من جديد روح الانتقام عند البعض.
ويرى المراقبون أن مستقبل حكومة الشرع يتوقف على الخيارات التي ستتخذها من الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وهي في كل الأحوال خيارات أحلاها مر..
فسورية عالقة بين قوى عربية وإقليمية ودولية تتضارب مصالحها وتوجهاتها، ولكنها في سياساتها الخارجية وإجراءاتها العسكرية وتصرفاتها أثارت تساؤلات عديدة.
فقد قام الجيش العربي السوري بخطوات كبيرة مع تصاعد الحرب واتساعها إقليميا، وذلك بتعزيز وجوده على حدود لبنان والعراق.. وسط أنباء وتسريبات عن وجود مخطط لانخراط سورية في الحرب ضمن مخطط دولي لضرب حزب الله، خاصة أن القوات انتشرت بالقرب من محافظة حمص المحاذية لمعقل حزب الله في شرق لبنان، وأن هذه التعزيزات شملت آلاف الجنود ومعدات عسكرية وقاذفات صواريخ ومدرعات وكتائب استطلاع لمراقبة الأنشطة الحدودية ومكافحة التهريب”…..
من جانبها، أعلنت وزارة الدفاع السورية في بيان رسمي موقفا عسكريا يتناغم مع الموقف السياسي الذي ينحو باتجاه الحياد، وأكدت أن انتشار وحدات الجيش على الحدود مع لبنان والعراق إجراء دفاعي. ونفت الوزارة أن يكون انتشار وحدات الجيش على الحدود بمثابة تصعيد عسكري، بل وضعته في سياق الإجراء الدفاعي والتنظيمي البحت الذي لا يستهدف أية دولة أو جهة، وإنما يهدف إلى منع أي اختراقات وحماية الحدود وضبطها.
وترتبط الحكومة السورية بعلاقات جيدة مع الحكومة اللبنانية، كما أن العلاقات مع العراق بقيت محكومة بالمصالح المشتركة، حيث تواصل الحكومة السورية اتصالاتها بشكل مستمر مع بغداد وبيروت لضبط الحدود المشتركة.
وربما في خضم هذه المعمعة السياسية والعسكرية والفوضى بين حلفاء واشنطن في المنطقة، ربما تجد الحكومة السورية في روسيا الحضن الدافئ الذي تلوذ إليه لحمايتها من التقلبات السياسية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها وإدارة ترامب باتت تتفهم الموقف السوري الذي عليه سيتم تحديد شكل المنطقة والصراع فيها. إذا علمنا أن السعودية لأسبابها الخاصة ترفض التطبيع مع إسرائيل، أما حكومة الشرع فإنها تتصدر الاهتمام الدولي وسيكون لها الكلمة في المستقبل بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
والرسالة السورية ربما وصلت آلاف المرات إلى العالم منذ انتصار الثورة وحتى الآن، ومفادها أن سورية تبغي السلام ولا تريد الدخول في حروب جانبية. والجميع راح يتفهم دوافع ومبررات هذا الموقف الذي يمكن تلخيصه بعبارة “اليد التي لا تستطيع قطعها بوسها”.

