
في حديث خاص مع شبكة شام نيوز إنفو على إذاعة فيرجن إف إم، قدم الباحث والمحليل السياسي الأستاذ مصطفى النعيمي قراءة معمقة للتحول السريع والساخن في العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، رافعاً التحليل من مستوى الصراع المحلي إلى مستوى استراتيجيات القوى العظمى والمصالح الأمريكية المتغيرة.
أكد النعيمي أن التصعيد المفاجئ الذي شهدته ساحات مثل الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، وامتداده إلى دير حافر، ليس حدثاً معزولاً، بل هو “نتيجة امتداد لمتغيرات عديدة” إقليمية ودولية. وبرأيه، فإن الأهمية الجيوسياسية الاستراتيجية لسورية هي التي تفرض نفسها، حيث تُشكّل البلاد نقطة وصل حيوية تربط أجزاء المنظومة الدولية وتخضع لإعادة ترسيم خرائط التحالفات.
وحول السبب المباشر للانتقال من طاولة المفاوضات إلى ساحة المعركة، رأى النعيمي أن التحول الجذري في “السياسة الخارجية الأمريكية” هو المحرك الأساسي. فبعد مرحلة “الفوضى الخلاقة” و”سياسة الاسترضاء” في عهد أوباما، تنتقل واشنطن اليوم إلى مرحلة “الاستقرار المستدام”، وهو ما يتطلب – وفق الرؤية الأمريكية الجديدة – “إنهاء الجماعات ما دون الدولة”، بما في ذلك حلفاؤها السابقون مثل قسد.
واستدل النعيمي على هذا المنطق بمقارنة تاريخية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة هي من “شكّلت طالبان” في أفغانستان ثم تركتها، وأنها هي من أوجدت قسد لمحاربة تنظيم داعش. وبما أن الهدف المعلن – القضاء على داعش – قد تحقق رسمياً منذ 2019 حسب التصريحات الأمريكية، فإن “الدور الوظيفي” لقسد قد انتهى، على حد تعبيره.
وربط النعيمي بين هذا التحول وبين التطورات في الملف الإسرائيلي، معتبراً أن المنجز العسكري ضد قسد هو جزء من “إيصال رسائل إلى تل أبيب” مفادها أن سورية اليوم تحت الرعاية الأمريكية، ويجب على إسرائيل أن تتفهم هذه المعادلة الجديدة. وأشار إلى أن وجود واشنطن كشريك للحكومة السورية يريح الجانب الإسرائيلي من ناحية، ويرسل رسالة واضحة لتركيا بعدم الترحيب بتوسع نفوذها العسكري في سورية من ناحية أخرى.
وفي تحليل دقيق للمشهد الميداني، نفى النعيمي ما تروّجه بعض الروايات عن تدخل فصائل موالية لتركيا في اشتباكات حلب، مؤكداً أن الفصائل التي كانت تشكل الثورة السورية قد اندمجت ضمن هياكل الجيش السوري الجديد وتتلقى تمويلها عبر قنوات الدولة الرسمية. وبدلاً من ذلك، أشار إلى عامل آخر أكثر خطورة، وهو ظهور الأسلحة الإيرانية، وتحديداً الطائرات المسيّرة من طراز “مهاجر”، والتي استُخدمت – برأيه – في استهداف اجتماع رسمي سوري في حلب. ورأى في هذا الظهور دليلاً على “الفاعل الإيراني” الذي أدخل بعداً جديداً في المعادلة.
أما بالنسبة لتعثّر الاتفاقيات، فأرجع النعيمي فشل الاجتماع المخطط له في دمشق بين مظلوم عبدي والرئيس السوري إلى “التنصّل” الكردي من الحضور تحت ذرائع واهية، مما أقنع القيادة السورية والراعي الدولي بعدم الجدية. وخلص إلى أن المجموعات التي تقاوم الآن ليست بالضرورة تعبيراً عن إرادة المكون الكردي السوري الذي “سئم الحرب”، بل قد تكون مجموعات غير سورية تهدف إلى إفشال الحلول.
واختتم النعيمي تحليله بالتركيز على البعد الاقتصادي الحيوي للصراع، معتبراً أن السيطرة على “الأرض النفطية” في شرق سورية ليست هدفاً عسكرياً فحسب، بل هي مشروع استراتيجي متكامل لإعادة الإعمار. فاستعادة عائدات الثروات الطبيعية ستمكن سورية من تمويل إعادة بنائها ذاتياً دون الحاجة إلى قروض دولية مشروطة، مما يعيد دورة الاقتصاد ويخدم الهدف الأكبر وهو “الاستقرار المستدام” الذي تنشده السياسة الأمريكية الجديدة في المنطقة. وهكذا، يظهر الصراع كمعادلة معقدة تجمع بين المصالح الأمريكية المتغيرة، والرهان السوري على السيادة والموارد، والصراع الخفي بين القوى الإقليمية، على أنقاض وحدة الأرض السورية.

