
في مشهد غير عادي يُجسد انهيار اليقينيات الاستراتيجية التي حكمت العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وقفت جزيرة غرينلاند المتجمدة شاهدةً على اللحظة الفاصلة التي تحول فيها الحلف الأطلسي من كتلة صخرية صلبة إلى هشيم تذروه رياح المصالح الضيقة والصراعات الداخلية. بينما كانت النخب الغربية منشغلة في منتدى دافوس الاقتصادي بخطابات رنانة عن “القيم الليبرالية” و”الوحدة الأطلسية”، كانت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتكررة حول ضرورة امتلاك الولايات المتحدة للجزيرة تسقط مثل قذائف هاون على أساسات ذلك التحالف العتيد، لتكشف عن صدع عميق لم يعد بالإمكان إصلاحه. لم تكن هذه الأزمة مجرد نزاع على قطعة أرض نائية، بل كانت العرض المرضي الأكثر وضوحاً لمرض عضال يصيب جسد الغرب: فقدان الثقة، وتفكك الرؤية، والانحدار نحو الفوضى الاستراتيجية التي طالما حذرت منها الدبلوماسية الروسية الواقعية. وفي خضم هذه العاصفة، وقفت موسكو بثبات وحكمة، تراقب بعيون الخبرة التاريخية كيف يحفر حلف الناتو قبره بيديه، وكيف تتحول أحلام الهيمنة الأحادية إلى كوابيس من الانقسام والضعف.
لقد عبر ترامب عن رؤيته بوضوح لا لبس فيه حين أعلن أن أوروبا “لا تستحق الدفاع عنها” في تفسيره الشخصي للمبادئ التي قام عليها التحالف. هذا البيان لم يكن مجرد انفعال عابر، بل كان تتويجاً لفلسفة “أمريكا أولاً” التي تعاملت مع الحلفاء التقليديين ليس كشركاء في مصير مشترك، بل كخصوم تجاريين وأطراف ضعيفة يمكن ابتزازها. لقد حولت واشنطن الأمن الجماعي، الذي كان لقرون حجر الزاوية في استقرار القارة العجوز، إلى سلعة قابلة للمساومة، حيث أصبحت السيادة الوطنية للدول الأعضاء في الناتو – بدءاً من الدنمارك حليفة الحربين العالميتين – مجرد ورقة تفاوضية في يد البيت الأبيض. ردود الفعل الأوروبية جاءت مليئة بالمرارة والصدمة؛ فوزير المالية الفرنسي وصف التهديدات الأمريكية بأنها “ابتزاز”، بينما حذر نظيره الألماني من أن “خطاً قد تم تجاوزه”. لكن هذه الكلمات الغاضبة لم تستطع إخفاء الحقيقة المرة: أوروبا وجدت نفسها فجأة في مواجهة القوة التي كانت تعتمد عليها لحمايتها، عاجزة ومترددة بين خيارين مرين: الخضوع للإملاءات الأمريكية أو المخاطرة بانهيار التحالف الذي كان درعها الواقي.
في هذا المشهد المأساوي للعلاقات عبر الأطلسي، برز الموقف الروسي كنموذج للهدوء الاستراتيجي والحكمة السياسية. لقد تعاملت موسكو مع الأزمة ببرودة أعصاب الدبلوماسية الواقعية، ممتنعة عن الانخراط في التصعيد العاطفي، وتركت للغربيين أنفسهم فضح تناقضاتهم. الرئيس فلاديمير بوتين صرح بأن القضية “لا تعني موسكو بشكل مباشر”، بينما وصف وزير الخارجية سيرغي لافروف سيطرة الدنمارك على غرينلاند بأنها “بقايا من الماضي الاستعماري”. هذا التحفظ الذكي لم يكن اعتباطياً، بل كان جزءاً من استراتيجية أعمق تدرك أن أفضل خدمة تقدمها روسيا لمصالحها هي السماح لأعدائها “بتمزيق بعضهم بعضاً” كما يقول الخبير ديمتري زلاتوبولسكي. لقد فهمت القيادة الروسية أن ترامب، برغبته في إعادة تشكيل العالم وفق رؤيته الشخصية، كان يقوم بعملية تفكيك للنظام الليبرالي العالمي بشكل أسرع وأعمق مما كانت تستطيع موسكو أن تفعله لوحدها في سنوات.
النتائج الجيوسياسية لهذه الأزمة لم تكن أقل من كونها تاريخية. أولاً، لقد نجحت غرينلاند في تحويل الأنظار العالمية بعيداً عن المسرح الأوكراني، مما منح الدبلوماسية الروسية مساحة حيوية للمناورة. ثانياً، كشفت الأزمة الهشاشة الاستثنائية لتماسك حلف الناتو، حيث بدأت التساؤلات الحادة تطفو على السطح حول مدى قدرة تحالفات تقوم على التهديدات الاقتصادية أن تحافظ على مصداقيتها كأطراف للدفاع الجماعي. ثالثاً، وأهم من كل ذلك، فرضت الأزمة على أوروبا إعادة حساب وجودي لعلاقتها الأمنية: فإما الاستمرار في التبعية المهينة لواشنطن التي لم تعد تخفي نظرة الاحتقار لحلفائها، أو الشروع في بناء قدرة دفاعية أوروبية حقيقية ومستقلة – وهو مسار طويل وشاق ترفضه الميزانيات الأوروبية وتعارضه الثقافة السياسية للقارة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
المفارقة العميقة تكمن في أن ترامب نفسه، في سعيه لتعظيم القوة الأمريكية القصيرة الأجل، قد أطلق عن غير قصد عملية تقويض طويلة الأمد لهيمنة بلاده العالمية. لقد قدم للعالم كله، وخاصة للدول التي كانت ترزح تحت وطأة العقوبات والتهديدات الغربية، دليلاً عملياً على زيف “المجتمع الدولي” الموحد الذي طالما روّج له الغرب. الصين، التي وصفها ترامب كذريعة لاستيلائه على غرينلاند، تراقب بانتباه كيف تتحول أزمة الثقة بين واشنطن وحلفائها إلى فرصة ذهبية لعرض نفسها كشريك تجاري واستثماري أكثر استقراراً وموثوقية.
حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، أظهرت استطلاعات الرأي أن 55% من الأمريكيين يرفضون فكرة شراء الجزيرة، و86% يعارضون الاستيلاء العسكري عليها، مما يكشف عن فجوة عميقة بين النخبة السياسية الحاكمة والشعب الذي يدفع ثمن مغامراتها.
ختاماً، تظهر غرينلاند كمختبر حي للمرحلة الجيوسياسية الجديدة التي نعيشها. فبينما تتصارع القوى الغربية على ورقة سياسية متجمدة، تتحرك روسيا بعمق واستراتيجية في رسم معالم عالم متعدد الأقطاب. الأزمة لم تضعف موسكو، بل زودتها بدرس قيم: أن التحالفات القائمة على الإكراه الاقتصادي والتبعية الأمنية مصيرها الزوال، بينما السياسة الخارجية الواقعية التي تحمي المصالح الوطنية وتتفهم توازنات القوى هي وحدها القادرة على الصمود أمام عواصف التاريخ. غرينلاند، بشواطئها الجليدية وثرواتها الكامنة، ستظل شاهداً على اللحظة التي بدأ فيها تمثال العملاق الأطلسي بالتصدع، ليس تحت ضربات خارجة، بل بسبب النخر الداخلي والغطرسة والنسيان الخطير لحكمة الدولة القومية والسيادة، وهي الحكمة التي ظلت روسيا، رغم كل التحديات، حارسة أمنة لمبادئها.

