
الشرع يلتقي بوتين ويصف روسيا بالأرض المباركة وجيشها بالعظيم…
قمة روسية سورية في الكرملين ومباحثات سياسية وعسكرية واقتصادية شاملة، والرئيس بوتين يهنئ الشرع باستعادة شرق الفرات ويؤكد دعم روسيا لحكومة الشرع…
مهما تعددت الآراء والتحليلات والتوقعات حول نتائج القمة الروسية السورية في الكرملين في الثامن والعشرين من كانون الثاني، فإن الكلمات الدقيقة المفعمة بالنوايا الطيبة والمليئة بالمعاني السياسية التي تبادلها الرئيس فلاديمير بوتين والرئيس السوري أحمد الشرع تعتبر بمثابة برهان ساطع يبين أن العلاقات بين موسكو ودمشق تسير في الاتجاه الصحيح سياسياً وعسكرياً واقتصادياً…
ولم تترك كلمة الرئيس بوتين المعبرة اتجاه سورية ووحدتها وشعبها مجالاً للشك بأن موسكو لا تزال – كما كانت خلال تاريخها الطويل – تنظر باحترام وتقدير إلى سورية وشعبها كبلد صديق، وتسعى للمحافظة على وحدته وعلى استعادة الزخم للعلاقات الاستراتيجية التي تربط البلدين منذ عقود، والتي باتت ثقافة مجتمعية وإرثاً إنسانياً يجمع الشعبين. وقد عبر الرئيس الشرع بتلقائية في مستهل اللقاء مع الرئيس بوتين بعبارات تؤكد هذه المعاني، واصفاً الأرض الروسية بالمباركة والجيش الروسي بالجيش العظيم… ومع أن التطورات في منطقة شرق الفرات – التي تعد سلة غذاء سورية وفيها سد الفرات الذي بناه الاتحاد السوفييتي فكان بناء هذا الصرح الاقتصادي عام ١٩٦٥ شاهدا على عمق العلاقات بين البلدين وعزز هذا المشروع أواصر الصداقة بين الشعبين – فإن الاختلاف بين دمشق وموسكو لا سمح الله سيساعد أعداء البلدين على استغلاله، وسيمنع السوريين الذين يعيشون وسط مأساة اقتصادية من إعادة بناء بلدهم الذي دمرته الحرب… حيث تراهن دمشق في هذه المرحلة على أن اليد الروسية ممدودة دائماً للمساعدة في إعادة البناء والإعمار.
وفي هذا المجال، أكد الرئيس بوتين خلال لقائه للمرة الثانية الرئيس الشرع في الكرملين أن حكومته تعمل على تنمية العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، ولا سيما الاقتصادية، وأشار إلى أن العلاقات بين البلدين ذات جذور عميقة وتشهد تطوراً متواصلاً، وأن عودة مناطق شرق الفرات إلى سلطة الدولة السورية تشكّل خطوة مهمة في تعزيز وحدة الأراضي السورية. كما تحدّث بوتين عن الانتعاش الاقتصادي الذي تشهده البلاد. مع الإشارة إلى أن شكل المحادثات والمشاركين فيها يؤكد أن المحادثات ذات الطابع الاقتصادي والتنموي والاستثماري، وخاصة في قطاع السياحة والطاقة والصحة والتعليم، احتلت مساحة كبيرة من اللقاء، ويطمح الجانبان لزيادة التعاون في مختلف المجالات. وقد ضم الوفد الروسي الاقتصادي الكبير الذي شارك في المحادثات مع الشرع وزير البناء إيريك فايزولين، ووزير الخارجية سيرغي لافروف، والمساعد الرئاسي يوري أوشاكوف، ونائب رئيس ديوان الرئاسة مكسيم أوريشكين، ونائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، ووزير الدفاع أندريه بيلوسوف، ونائب وزير الدفاع يونس-بك يفكوروف، ورئيس الاستخبارات بهيئة الأركان العامة إيغور كوستيوكوف، ووزير المالية أنطون سيلوانوف، ورئيس الهيئة الفيدرالية للتعاون العسكري التقني دميتري شوغاييف.
وطالما كانت الزيارات المكثفة بين دمشق وموسكو طوال العام الماضي وبداية العام الجاري تناقش المستجدات والتطورات المتسارعة، وتمنح المسؤولين في كلا البلدين فرصة لكسر الحواجز وبناء الثقة فيما بينهم، خاصة في ظل حملات التشويش ومحاولات نسف هذه العلاقات. غير أن طريق دمشق-موسكو ظل مفتوحاً ومزدحماً في الاتجاهين طوال العام الماضي، وقد شملت الزيارات المكثفة زيارتين للرئيس الشرع إلى موسكو، وخمس زيارات لوزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة، وثلاث زيارات لوزير الخارجية أسعد الشيباني. أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أعطت المباحثات المعمقة التي أجراها نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك خلال زيارته لدمشق على رأس وفد اقتصادي روسي كبير زخماً حقيقياً للعلاقات بين البلدين، تم خلالها مناقشة تحديث الاتفاقيات والعقود الموقعة بين البلدين. ويكفي الإشارة إلى أن روسيا تقوم بطباعة العملة السورية الجديدة بعد استبدال العملة القديمة من زمن النظام السابق، ويجري طباعتها في موسكو، وهذا خير دليل على رسوخ وعمق العلاقات التي باتت تربط بين سورية الثورة وروسيا الاتحادية…
ومع أن اللقاءات الروسية السورية المتعددة الجوانب بلغت كما قال الرئيس الشرع ١٣ لقاء خلال العام الماضي، فإن هذه الحركة النشطة الدائمة بين البلدين استطاعت أن تكسر الحواجز وتزيل التوتر الذي حاولت بعض وسائل الإعلام تعميمه في الأيام الأولى للثورة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد. وشكلت زيارة نائب وزير الخارجية الروسي بوغدانوف إلى دمشق بداية مرحلة جديدة من تاريخ العلاقات السورية الروسية، وقضت على التوتر الذي تسبب بحالة من التشويش الشعبي، وبعثت اللقاءات المكثفة من جديد الأمل في النفوس بعد انتصار الثورة. فيما تسببت هذه اللقاءات بخيبة أمل لدى البعض الذين كانوا يريدون الصيد في الماء العكر ودق إسفين بين موسكو ودمشق، ولكنهم خابوا. وبات السوريون جميعاً اليوم مقتنعين أكثر من أي وقت مضى بأهمية وضرورة الدور الروسي على الساحة السورية في شرق البلاد وفي الساحل والجنوب. وهذا ما دفع حكومة الشرع إلى الإسراع في تجديد وتحديث وتطوير العلاقات الواسعة بين البلدين، والمحافظة على الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، وعلى إبقاء القواعد الروسية في الساحل السوري (حميميم وطرطوس)، وتكثيف الحوار واللقاءات على أعلى المستويات، ذلك أن هذه اللقاءات تعد فرصة لتفادي الأخطار التي يمكن أن تصيب كلا الجانبين…
فالمشتركات التي تقوم عليها العلاقات الروسية السورية لا حصر لها، وتشمل جميع مناحي الحياة، عدا عن العلاقات الاجتماعية بين البلدين حيث تشارك آلاف العائلات في علاقات الزواج، بالإضافة إلى وجود عشرات الآلاف من الطلاب السوريين من خريجي الجامعات الروسية. فالتاريخ المشترك والثقافة والتعليم وشغف السوريين بالأدب الروسي وبالروح الوطنية والقومية الروسية، وقد ظهر ذلك خلال جميع اللقاءات حيث تجمع الشعبين روح واحدة، وتجتمع السياسة السورية والروسية على نقطة جوهرية، وهي إحلال السلام والاستقرار في سورية والمنطقة والمحافظة على وحدة سورية وأمنها. وهذه النقطة الجوهرية والجامعة التي شدت من أزر التعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري بين الكرملين في موسكو وقصر الشعب في دمشق… وأكد عليها الرئيس بوتين والرئيس الشرع خلال لقائهما في الكرملين… فوحدة سورية بعد سنوات من الحرب والفرقة والتشرد والنزوح لا يعادلها أي شيء آخر. وكانت روسيا حريصة على أن تكون وحدة سورية في مقدمة كل القرارات والتوصيات والاجتماعات التي تناقش الأزمة السورية منذ خمسة عشر عاماً. وقد أطلقت روسيا بدور محوري على الساحة السورية في المراحل السابقة قبل انتصار الثورة، وهي اليوم انطلاقاً من هذه المبادئ التي تجمع الشعب السوري تشارك السوريين فرحتهم لاستعادة شرق الفرات وتوحيد البلاد تحت حكومة الرئيس الشرع. ومن المحتمل أن يكون لروسيا دور كبير في إيجاد حلول للوضع في الجنوب واستعادة السويداء إلى حضن الوطن، خاصة في ظل التنافس بين إسرائيل وتركيا، حيث تقوم موسكو بحكم علاقاتها القوية مع تل أبيب وأنقرة وعلاقات الصداقة التي تجمع بين أردوغان وبوتين وبين نتنياهو وبوتين، بأن يكون لها تأثير مباشر وكبير على مسار الأحداث والمشهد السياسي ليس في سورية وإنما في المنطقة والعالم.
ولا بد من الإشارة أيضاً إلى العوامل المباشرة الميدانية التي ساعدت على نجاح القمة الثانية بين الرئيسين أحمد الشرع وفلاديمير بوتين، وفي مقدمتها التطورات الميدانية وتقدم الجيش السوري شرق الفرات، وقيام موسكو بتسهيل مهمة الجيش عبر سحب الأجهزة والمعدات الروسية من مطار القامشلي وإعادتها إلى قاعدة حميميم. وكانت هذه الخطوة رسالة إيجابية تلقفتها الحكومة السورية، وعلى إيقاعها تمت زيارة الشرع بعد سلسلة اتصالات مكثفة بين الحكومة السورية وكل من تركيا والولايات المتحدة. وقد سبق لقاء القمة بين الشرع وبوتين اتصال هاتفي أجراه الرئيس دونالد ترامب مع الشرع حول التطورات في شرق الفرات وتمديد وقف إطلاق النار بين الجيش العربي السوري وقوات سورية الديمقراطية. وربط بعض المحللين بين الزيارة إلى موسكو واتصال ترامب، وأشاروا إلى أن ذلك يدل على رضى وموافقة واشنطن على الزيارة…
وإذا أخذنا التطورات المتسارعة ميدانياً وسياسياً على الساحة السورية، فإن علينا أن نلحظ أمراً على غاية كبيرة من الأهمية يتمثل بأن موسكو تحرص على معالجة القضايا المتعلقة بسورية على أعلى المستويات. وترحيب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين باتفاق الحكومة السورية وقسد كان له أصداء على مستوى العالم، وشكل قاطرة جرت معها مواقف مماثلة من عشرات الدول التي تنظر بإيجابية تامة إلى السياسة الروسية الخارجية المتوازنة، والتي تستند على القانون الدولي والشرعية الدولية ومنع التدخلات الخارجية في شؤون الدول، في وقت تستخدم الولايات المتحدة سياسة الإكراه والقوة المفرطة وسياسة شريعة الغاب لإخضاع الشعوب والأمم لسيطرتها وهيمنتها. ورغم التحولات الكبرى في العالم، فإن الدور الذي تقوم به روسيا في المشهد السياسي الدولي يظل دوراً هاماً وضرورياً، وبالأخص في سورية لمساعدتها وخلق توازن بين القوى الدولية المتنافسة فوق أرضها…

