
في حديث خاص لشبكة شام نيوز إنفو عبر إذاعة فيرجن إف ام، قدم المحلل السياسي والإعلامي الأستاذ مصطفى المقداد، الباحث في مركز تقدّم للسياسات، قراءة استراتيجية للتطورات الأخيرة، مركزاً على التوافق الروسي الأمريكي، وارتباط مصير منطقة شرق الفرات بالتفاهمات الإقليمية الأوسع، لا سيما في الجنوب السوري والعلاقة مع إسرائيل.
أكد المقداد على الدور المحوري لروسيا في الجنوب السوري وتأثيرها في كبح التصعيد الإسرائيلي، مشدداً على الدور الجيوسياسي الفريد لسورية كحلقة وصل إقليمية. وأشار إلى أن الحديث عن أي اتفاق أمني مستقبلي مع إسرائيل له “جذور تاريخية”، مستذكراً مفاوضات ما بعد مؤتمر مدريد 1991 التي كادت أن تنجح لولا اغتيال إسحاق رابين، والمباحثات غير المباشرة في إسطنبول 2008-2009. ولفت إلى أن روسيا، خلافاً لفرنسا التي استُبعدت وقتها واتجهت للعداء، تتعامل ببرود و”تحمّل” لتضمن حضورها في أي تسوية.
واعتبر أن الزيارة المفاجئة للرئيس أحمد الشرع لموسكو والاستقبال الرئاسي المهيب من قبل فلاديمير بوتين ليست مجاملة، بل تعكس مصالح استراتيجية روسية عميقة. وأوضح أن القمة رفيع المستوى ضرورية لاتخاذ قرارات حاسمة “لا تحتمل التردد”، تتعلق بشكل نهائي بملفات مثل قاعدة حميميم وطرطوس والمصالح الاقتصادية الروسية المستقبلية في سورية. وأكد أن هذه الخطوات تتم ضمن “موافقة وترتيب أمريكي”، في إطار تنسيق ثلاثي نادر بين واشنطن وموسكو ودمشق.
وانتقل المقداد إلى الملف الشائك لخلافة قوات سورية الديمقراطية (قسد) في الشمال الشرقي، مبرزاً التوافق الدولي الواسع على أن “الجيش السوري” هو من سيملأ الفراغ الأمني. ودحض الصورة النمطية عن قوات الدفاع، مشيراً إلى تحسن الانضباط بشكل مستمر خلال العام الماضي وإقبال أبناء المناطق، مثل دير الزور، على التطوع. وانتقد المبالغة في تقدير الدور الأمني لقسد، مذكراً بأن الأمن في الأيام الأولى بعد التغيير قام به المواطنون أنفسهم، كما كشف عن انتهاكات في سجون قسد، مثل معتقل الهول، حيث سُجن أناس لمجرد معارضتهم أو رفضهم الخدمة الإلزامية.
وفيما يخص الشكل الإداري المستقبلي للمنطقة، أكد المقداد أن الحل الأمثل يكمن في “اللامركزية الإدارية” الموسعة، المنصوص عليها أصلاً في قانون الإدارة المحلية، والتي تعني إدارة المحافظات لشؤونها الخدمية (التعليم، الصحة) مع بقاء السيادة والدفاع والخارجية بيد الحكومة المركزية. وشدد على أن هذا النموذج “يقوي الدولة المركزية” ولا يعني الانفصال، داعياً إلى تجاوز “عدم الثقة المتبادلة” الناجم عن الإرث المأساوي للطائفية وسياسات النظام السابق.
وربط المقداد مصير الشمال بمصير الجنوب، معتبراً أن إسرائيل نفسها مضطرة لقبول وجود حكومة مركزية قوية في دمشق قادرة على ضبط الأمن ومنع عودة تنظيمات مثل داعش، وهو المنطق ذاته الذي اقتنعت به واشنطن. وخلص إلى أن الفترة الانتقالية تحتاج إلى صبر، وأن عملية “الانضباط” وإن لم تكن كاملة، فإنها تسير في مسار تصاعدي.
وهكذا، يظهر المشهد السوري متجهاً، تحت مظلة توافق دولي غير مسبوق، نحو تسوية شاملة: ففي الشمال، يحل الجيش محل قسد ضمن نموذج لا مركزي إداري، وفي الجنوب، تفتح المصالح الأمنية المتبادلة الباب أمام ترتيبات مع إسرائيل، بينما تحافظ روسيا على حضورها الاستراتيجي. يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه التوافقات العليا إلى واقع ملموس يحقق العدالة والاستقرار للمواطن السوري في جميع المناطق.

