
الحكومة السورية تستعيد المبادرة شرق الفرات… وقسد تتأرجح بين مشروع الدولة الوطني وسيناريو كردستان العراق
على عكس اتفاق العاشر من آذار بشأن دمج قسد والإدارة الذاتية شرق الفرات مع وزارة الدفاع ومؤسسات الدولة السورية، فقد تم على وجه السرعة البدء بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بين حكومة دمشق وقسد بضمانات أمريكية وفرنسية في التاسع والعشرين من كانون الثاني عام 2026، بعد التقدم الكبير الذي حققه الجيش العربي السوري على جميع المحاور في شرق الفرات وغربه، بعد أكثر من عام من المماطلة والتسويف من قبل قسد والأخذ والرد مع الحكومة دون أي طائل…
وأهم ما يميز الاتفاق الجديد عن اتفاق العاشر من آذار عام 2025 وعن اتفاق الثامن عشر من كانون الثاني 2026، هو أن اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني لعام 2026 حدد مواعيد للتنفيذ، وتمت صياغة بنوده بوضوح تام وبساطة بما لا يدع مجالاً لأي غموض أو تأويلات… وبدأت على الأرض الخطوات التنفيذية بتعيين محافظ للحسكة من الأكراد لأول مرة في تاريخ المحافظة، وذلك بعد أيام قليلة من وصول الجيش العربي السوري إلى مشارف المدينة ولكنه لم يدخلها، بعد أن فرض سيادة الدولة على محافظتي الرقة ودير الزور وكان قاب قوسين أو أدنى من دخول الحسكة. غير أن فرنسا ورئيسها إيمانويل ماكرون… والولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب تدخلا بقوة لدى الحكومة السورية، وأجرى الرئيس ترامب اتصالاً هاتفياً مع الرئيس السوري أحمد الشرع، وتم الاتفاق على وقف إطلاق النار ومعالجة الأمور وحل المشكلات التي حالت دون تطبيق اتفاق العاشر من آذار بين الشرع وعبدي، على أن يمتنع الجيش العربي السوري من دخول الحسكة، وتتولى فرقة من الكرد من ثلاثة ألوية الانتشار في أماكن محددة مسبقاً، كما سيتم نشر لواء في مدينة عين العرب (كوباني)… وذلك كما أنيطت بهذه القوات والألوية الكردية التابعة مهمة حراسة سجون داعش، ومنها سجن غويران في الحسكة الذي يضم آلاف الإرهابيين الأجانب.
وفيما يجري تنفيذ الاتفاق على قدم وساق بين الحكومة وقسد، فقد تواصلت عمليات نقل عناصر داعش إلى العراق من مخيم الهول الذي انسحبت منه قوات سورية الديمقراطية قبل أن يعيد الجيش العربي السوري – الذي حرر المنطقة – السيطرة على السجن. وتم الاتفاق بين الولايات المتحدة والحكومة العراقية على نقل سبعة آلاف من تنظيم الدولة إلى العراق، وسط تساؤلات حول الأسباب التي دفعت واشنطن للطلب من العراق القيام بمهام حراسة سجون داعش بدلاً من الحكومة السورية التي انضمت إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش وأبدت استعدادها لاستلام السجون. غير أن واشنطن كان لها رأي آخر، وقررت لأمر في نفس يعقوب نقل عناصر داعش من سجون قسد في سورية إلى سجون العراق مع كل ما يحمله ذلك من تداعيات على العراق وما يتكبده من خبرة وقدرات…
وفيما تتواصل عمليات نقل سجناء داعش وعوائل وأسر السجناء إلى العراق، وبعد تعيين محافظ للحسكة من الكرد ودخول قوات الأمن الداخلي إلى الحسكة والقامشلي وكوباني للقيام بمهامهم الشرطية لحفظ الأمن بالتعاون والتنسيق مع قوات الأسايش الكردية، وذلك تنفيذاً لاتفاق وقف إطلاق النار والاتفاق الرباعي الذي جرى إقراره بين الحكومة وقسد بضمانة فرنسا وأمريكا وإشراف حكومة كردستان العراق، حيث تغيرت خلال أيام الأسماء والمهمات، وحاول الفرنسيون والأمريكيون تغطية التخلي عن الكرد بشكل واضح من خلال تقديم ضمانات للكرد وعدم الاكتفاء برعاية الاتفاق كما حصل عند التوقيع على اتفاق العاشر من شباط عام 2025 بين الرئيس الشرع وعبدي…
وبهدف متابعة تطبيق الاتفاق المبرم، قام وفد من هيئة العمليات في الجيش السوري برئاسة العقيد حمزة حميدي بجولة ميدانية على عدة مناطق ومواقع في محافظة الحسكة برفقة ممثلي قسد، وتم التوافق على مراحل زمنية محددة للشروع في تنفيذ بنود الاتفاق خلال الأيام القليلة القادمة. ويشمل الاتفاق الانسحاب من المناطق المدنية إلى نقاط عسكرية محددة، وفتح الطرقات، والتعاون في تفكيك الألغام وإزالة السواتر، وتسريع عملية الاندماج.
ومع أن الزيارة بالشكل والمضمون تشير إلى أن العلاقة بين الكرد والحكومة تتغير، وأن الحكومة تعطي هامشاً لمناقشة الوضع الأمني بعد أن تم حسم الوضع السياسي والعسكري لصالح وحدة سورية وفق نظام لا مركزية إدارية مع رفض اللامركزية السياسية والفدرالية… هذا من جانب…
ولكن من جانب آخر، مع انحسار وتقليص سيطرة قسد شرق الفرات من 30 بالمئة من مساحة سورية إلى أقل من 7 بالمئة، إلا أن هذه السيطرة محكومة بالاتفاق والضمانات الفرنسية والأمريكية. حيث سيتم تشكيل فرقة عسكرية من قوات سورية الديمقراطية التي أصبحت تسمي نفسها “قوات كردستان”، وهي ستكون بقوام ثلاثة ألوية تنتشر في الحسكة والقامشلي، كما سيتم نشر لواء في كوباني (لواء ينفصل جغرافيا عن الحسكة). كما سيتم ضم قوات حماية المرأة إلى هذه الألوية. ولم يطب الاتفاق بعد، فإن الجميع سيكونون ضمن ملاك وزارة الدفاع السورية، وسوف يتقاضى عناصر الفرقة الكردية في الحسكة والقامشلي والمالكية وعامودا والدرباسية وكوباني رواتبهم من ملاكات وزارة الدفاع. كما سيتم تخصيص جزء من عائدات النفط في المناطق التي لم يدخلها الجيش العربي السوري والتي مازالت تحت الإدارة الكردية للأكراد وفق اتفاق يتم بين الجانبين. وستدير القوات الكردية سجون داعش في مناطق سيطرتها وخاصة سجن غويران في الحسكة الذي يضم آلاف السجناء…
ومع كل الإنجازات التي حققها الجيش العربي السوري على صعيد استعادة السيطرة على معظم المنطقة الشرقية، بما فيها من آبار نفط وحقول غاز وثروات وطنية زراعية من قمح وقطن، ورغم أن مشروع تقسيم سورية أصبح من الماضي بإرادة السوريين وتضحياتهم، غير أن ثمّة أسئلة كثيرة لا تزال تراود أذهان السوريين وتقلقهم حول دواعي بقاء الهياكل الكردية السياسية والعسكرية والإدارية وهذا التسلسل لقياداتهم بعد انسحاب العناصر العربية وانضمامها إلى الجيش وتسوية أوضاع الآلاف من عناصرها. حيث أن قيادة قسد لا تزال رغم كل التطورات برئاسة صالح مسلم ومظلوم عبدي وإلهام أحمد، ولم يتم التخلص من العناصر الأجنبية غير السورية في حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تعتبره تركيا جزءاً من حزب العمال الكردستاني المحظور والذي تضعه على قائمة الإرهاب. عدا عن التساؤلات بشأن منع الجيش من دخول الحسكة والقامشلي وكوباني، وبقاء فرقة كردية كاملة بأسلحتها وعناصرها المدربة مع وجود لواء مستقل للكرد في كوباني، وهذا يتعارض مع سعي الدولة لحصر السلاح بيد الدولة. عدا عن أن مسألة الدمج ككتل ضمن وزارة الدفاع تثير الشكوك وتشير إلى أن السيناريو الذي اتبعته الولايات المتحدة في العراق سيتكرر في سورية، خاصة وأن العلاقات بين أكراد العراق وأكراد سورية خارج إطار الدولة السورية بلغت مرحلة متقدمة. وقام وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو – الذي تعد بلاده مع الولايات المتحدة ضامناً لاتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني بين قسد والحكومة – بزيارة أربيل بعد دمشق وبغداد، والتقى مع مظلوم عبدي وإلهام أحمد. وبذلك يتحول الاتفاق والعلاقات بين العرب والكرد – مع صدور المرسوم 13 الذي يمنح الكرد ميزات متعددة كالحصول على الهوية لكل الأكراد وحتى المكتومين منهم، وتعليم اللغة الكردية بشكل رسمي في المدارس السورية، وتعطيل الدولة والقطاع العام بمناسبة عيد النيروز في الواحد والعشرين من آذار – وبذلك ومع هذه التحولات الدراماتيكية، يتحول هذا الاتفاق إلى قانون للمحاصصة في المؤسسات والثروات والجيش والأمن، ويحصر الوجود الكردي العسكري في مناطق الأكراد فقط، ويمنع الجيش من ممارسة حقه كرمز للسيادة الوطنية. وبالتالي يتحول الاتفاق الجديد والانتصار العسكري الذي حققه الجيش والعشائر العربية إلى عكس ما يتمناه الشعب السوري، ويتحول الدمج بين قوات قسد والجيش إلى دمج حلبي وغير واقعي، بما يقوض مع الوقت أسس اللحمة الوطنية. حيث أن وجود السلاح بيد الأكراد، ووجود أربعة ألوية مقاتلة ثلاثة منها في الحسكة والرابع في كوباني، يجعل من عملية الدمج كنوع من الضحك على اللحى. فلا يوجد جيش بالعالم يقبل بذلك، وخاصة مع وجود عناصر أجنبية غير سورية داخل قسد، ومع كون المسألة عرقية أيضاً وليست شكلية، ومع وجود عامل الضغط التركي والكراهية المتبادلة بين الأتراك والأكراد، ومع انعدام أي أفق لحل المسألة الكردية في المنطقة بسبب تعقيداتها، فإن الواقع الجديد الذي تعمل واشنطن وباريس لتثبيته في سورية على المدى المنظور لا يشكل سوى وصفة مؤقتة ومهدئة ولا تعالج المشكلة من جذورها…
ومع أنه لا يمكن لأحد أن يقلل من أهمية الإنجاز الذي حققته الحكومة السورية والجيش العربي السوري باستعادة مناطق غنية بالثروات الباطنية وتقليص المساحات التي كانت تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية، إلا أن الاجتماعات التي حصلت في أربيل في العراق تشير إلى محاولة استنساخ تجربة العراق بإشراف مسعود البارزاني وقيادة كردستان العراق، وهذا يتناقض مع مبدأ الالتزام الدولي والأممي بالمحافظة على وحدة سورية واستقلالها ووحدة أراضيها.
ولا بد من الإشارة إلى أن الاتفاق الذي تم توقيعه بين الحكومة وقسد لاقى ترحيباً محلياً عارماً لأن البلاد استعادت وحدتها لأول مرة منذ عشر سنوات، كما أن الترحيب الدولي الكثيف من عواصم القرار أعطى زخماً جديداً ومشجعاً لجهود الحكومة السورية التي اعتبرت الاتفاق نصراً جديداً يرسخ سياسة الحكومة في الانفتاح على الخارج والاستقرار في الداخل، ومنع فتح جبهات جديدة مع أحد، والعمل لإقامة علاقات متوازنة مع الجميع بما يساعدها على استعادة كامل الجغرافيا السورية، بما فيها السويداء في الجنوب التي تطالب بالانفصال بدعم إسرائيلي تحت قيادة الشيخ حكمت الهجري…
ويبدو أن ما عجز عن تحقيقه النظام البائد خلال عشر سنوات منذ العام 2015 وحتى سقوطه في الثامن من كانون الأول عام 2024، حققته حكومة الثورة خلال 22 يوماً من شهر كانون الثاني من العام 2026، حيث تم استكمال عملية ردع العدوان وتحرير مناطق شرق الفرات ومحافظتي الرقة ودير الزور ومناطق واسعة من الحسكة وصولاً إلى الشدادي. ما يعني أن سورية تجاوزت مرحلة القلق والخوف من التقسيم والفدرلة، وهي اليوم ترسم ملامح سورية الجديدة الواحدة الموحدة أرضاً وشعباً وجيشاً…

