
حرب التصريحات تتراجع بين الولايات المتحدة وإيران…. ونتنياهو يلتقي ترامب ومعه ملف الصواريخ الإيرانية….. وروسيا ودول المنطقة يدعون إلى تغليب لغة الحوار لمنع الانفجار…
أبعدت جولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية حول الملف النووي في مسقط شبح الحرب لبعض الوقت، وأشاعت أجواء من التفاؤل في إيران والخليج، ولكن الخطر لا يزال قائماً جراء التحريض الإسرائيلي المتواصل والذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقيادة الجيش الإسرائيلي، اللذان يعتبران وجود ترامب في البيت الأبيض فرصتهما الأخيرة للقضاء ليس على البرنامج النووي والصاروخي الإيراني فحسب، بل إن هدف نتنياهو والجيش الإسرائيلي منذ البداية هو القضاء على النظام الإيراني برمته واستبداله بنظام يتفاعل مع مفهوم الشرق الأوسط الجديد الذي تسعى أمريكا لإقامته بقيادة إسرائيلية……..
اللافت استمرار حرب التصريحات بين واشنطن وطهران التي رافقت وواكبت المفاوضات في مسقط، غير أن قدرة فريقي التفاوض وكفاءتهما أعادت الثقة من جديد بأنه رغم الحشود الأمريكية فإن فرصة منع الحرب لا تزال متاحة، خاصة مع وجود فريق متمرس من كلا الجانبين ومعهما صلاحيات كاملة. فالوزير الإيراني عباس عراقجي وجد نفسه وهو وزير الخارجية وسط ملعبه، وقد كان خلال سنوات يفاوض الأمريكيين والغرب حول الملف النووي الإيراني بصفته كبير المفاوضين الإيرانيين مع الوزير الأسبق محمد جواد ظريف. كما أن الفريق الأمريكي الذي يضم المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ترامب، أثبت خلال المفاوضات مع روسيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا أنه يتمتع بثقة ترامب الكاملة.
وهذه الثقة بين ترامب وفريق التفاوض مع إيران هامة في هذه الظروف، ذلك لأن التحريض الإسرائيلي ضد إيران سيبلغ الذروة خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن للقاء ترامب في الحادي عشر من شباط 2026 لإقناعه بضرب إيران. غير أن ترامب رغم علاقة الصداقة القوية مع نتنياهو سيستمع إليه من جديد، وسيعطي أذنه لفريق التفاوض (ويتكوف وكوشنر)، وهذا الفريق عاد من المفاوضات على أمل العودة لجولة ثانية يجري العمل لتحديد موعدها ومكانها. وكما أن ويتكوف وكوشنر قاما بزيارة إلى حاملة الطائرات “إبراهام لينكولن”، وهذه إشارات واضحة – زيارة الحاملة والاتفاق على عقد جولة ثانية – إلى أن المفاوضات تؤتي أكلها، وأن جولة المفاوضات الأولى أبعدت على الأقل شبح الحرب لبعض الوقت ليتاح للجانبين الأمريكي والإيراني التقاط الأنفاس بعد أسابيع من التصعيد حبس العالم معهما الأنفاس، وتدخلت الدول صغيرها وكبيرها، وفي المقدمة روسيا ودول الخليج التي أعلنت صراحة عن رفض استخدام أجوائها من قبل أمريكا ضد إيران. كما أحدثت التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والتي أكد فيها أن بلاده تربطها بإيران علاقات استراتيجية، وحذر من أن الحرب ستطال منطقة الشرق الأوسط كلها، وأبدى استعداد موسكو للعب دور الوساطة بين طهران وواشنطن لمنع الانفجار…
ولم تكن الصين التي تعتمد بشكل أساسي على استيراد النفط الإيراني بعيدة عن الأزمة، ودعت إلى خفض التصعيد، وتحدثت تقارير إعلامية عن أن الصين قدمت أسلحة ومعدات متطورة لإيران على وجه السرعة لمواجهة أي حرب أمريكية محتملة ضدها…
إذن من الناحية القانونية والدولية، فإن الرئيس ترامب كان يتعرض لموجات من التحذيرات من خطورة اتخاذ قرار الحرب مرة ثانية وقصف إيران… ومن الناحية السياسية، فإن ترامب يواجه معارضة واسعة في الداخل الأمريكي، خاصة مع تزامن اندلاع الأزمة مع إيران مع فضيحة “إبستين” التي يعزوها البعض إلى اللوبي اليهودي في أمريكا الذي يريد استخدام هذه الفضيحة ضد ترامب لإجباره على قصف إيران…
وبانتظار نتائج زيارة نتنياهو إلى البيت الأبيض في الحادي عشر من شباط 2026 حيث سيتم تخصيص اللقاء حول الملف النووي الإيراني، رغم أن الملفات الأخرى الساخنة في المنطقة لا تقل أهمية عن هذا الملف، كالوضع في غزة وملف الجنوب السوري المعقد…
وبالنظر إلى التصريحات الأمريكية والإيرانية التي أعقبت جولة المفاوضات في مسقط، والتي تنفس العالم والمنطقة على إيقاعها الصعداء بعد أن أوصلت تصريحات ترامب والحشود الأمريكية والبريطانية أيضاً الجميع إلى شبه قناعة بأن الحرب الثانية ضد إيران واقعة لا محالة. غير أن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر، ويبدو أن ترامب بعد أن ضرب أخماسه بأسداسه توصل إلى نتيجة مفادها أنه حتى لو نجحت الضربات الأولى ضد إيران، فإن الطامة الكبرى فيما سيحل بإسرائيل وبالقواعد الأمريكية في المنطقة… فالحرب مع دولة قوية ومساحتها واسعة لا يمكن حسمها بين ليلة وأخرى، خاصة وأن تجربة حرب الاثني عشر يوماً بين إيران وإسرائيل ماثلة وقريبة إلى الأذهان، ونتائجها كانت كارثية على الجانبين. عدا عن أن إيران استطاعت خلال فترة قصيرة أن تعيد ترميم منظومتها الصاروخية، وقد أعلنت في الثلاثين من كانون الثاني الماضي – في ذروة التصعيد الأمريكي ضدها – عن امتلاكها صاروخاً جديداً هو “شهر 4” الذي يبلغ مداه ألفي كيلو متر، ويطال جميع القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط وجميع الأراضي الإسرائيلية، ويتمتع بقدرات تدميرية هائلة، ويصعب على الدفاعات الجوية رصده، ويمكنه التفلت والمناورة والوصول إلى هدفه…
ولا يخفى على الجيش الأمريكي ولا على إسرائيل أن من المحتمل أن يكون القرار الروسي والصيني مختلفاً هذه المرة، وأن تدفعان بكل الوسائل لمنع انهيار إيران. وهذا القرار منح القيادة والحكومة في طهران قوة معنوية وعسكرية عكستها تصريحات المسؤولين الإيرانيين العسكريين والسياسيين، وعلى الأخص تصريحات مرشد الثورة في إيران علي الخامنئي، والذي كرر مراراً أن إيران لا تريد صناعة قنبلة نووية، ولا تريد أيضاً التفاوض حول قواتها الصاروخية وحول حلفائها في المنطقة الذين تتهمهم أمريكا وإسرائيل بصفتهم قوى إرهابية، كحزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي وأنصار الله في اليمن والحركات الفلسطينية كالجهاد الإسلامي وحماس، وإنما التفاوض ينحصر في الملف الإيراني النووي فقط…
وفي استعراض سريع للمواقف الأمريكية والإيرانية وما رافقها من تحريض إسرائيلي ضد إيران، يمكن القول إن أجواء التفاؤل لا تزال قائمة بانتظار جولات المفاوضات القادمة، وبانتظار نتائج زيارة نتنياهو إلى واشنطن أيضاً، ذلك لأن هذه الزيارة ستكون بالنسبة لنتنياهو بمثابة حياة أو موت، وهو الذي يخطط ويحلم منذ سنوات بهذه اللحظة التي يتولى فيها ترامب السلطة في أمريكا، بعد أن أقدم في ولايته الأولى على إلغاء الاتفاق النووي الإيراني الذي أمضت الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا سنوات طويلة من أجل التوصل إليه، وتم إقراره من قبل مجلس الأمن، ولكن ترامب ألغاه بجرة قلم. لا يزال العالم – وبخاصة إيران – يعاني من العقوبات والحصار جراء ذلك القرار…
وفي تصريحات له بعد تراجعه عن قصف إيران والبدء بالمفاوضات في مسقط بالعاصمة العمانية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة السادس من شباط، أن بلاده أجرت مفاوضات “جيدة للغاية” بشأن إيران، وقال إن الإيرانيين “يرغبون بشدة” في إبرام اتفاق.
وأضاف ترامب على متن طائرة الرئاسة “إير فورس ون”: “أجرينا نحن أيضاً محادثات جيدة للغاية بشأن إيران. يبدو أن إيران ترغب بشدة في إبرام اتفاق. علينا أن نرى ما هو هذا الاتفاق. لكنني أعتقد أن إيران تبدو عازمة بشدة على إبرام اتفاق”. وتابع ترامب: “لدينا أسطول كبير، ولدينا أسطول ضخم متجه إلى هناك، وسنصل قريباً، لذا سنرى كيف ستسير الأمور”، وذكر أنه سيتم عقد المزيد من المحادثات بشأن إيران الأسبوع المقبل.
وقال: “سنجتمع مجدداً مطلع الأسبوع المقبل، وإيران ترغب في إبرام اتفاق، كما ينبغي لها أن ترغب. إنهم يدركون عواقب عدم إبرام الاتفاق، وإذا لم يتم إبرامه، ستكون العواقب وخيمة للغاية”.
أما المسؤولون الإيرانيون فقد تناولوا المفاوضات كل وفق اختصاصه، فبينما أعلن المستوى السياسي عن المضي في المفاوضات بهدوء، كانت تصريحات المستوى العسكري أكثر حدة. وقال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء موسوي: إننا رغم جاهزيتنا الكاملة فإننا لا نرغب في بدء حرب إقليمية، واعتبر أن تداعيات أي حرب إقليمية في المنطقة ستقع مسؤوليتها على عاتق واشنطن وتل أبيب.
وفيما يشهد الشارع الإيراني أجواء من التفاؤل الحذر – ذلك أن الأزمة الحالية مع واشنطن وتل أبيب جاءت بعد حرب قاسية وبعد احتجاجات واسعة شهدتها إيران – غير أن الحكومة الإيرانية الإصلاحية استطاعت أن تتجاوز كل التحديات الخارجية والداخلية، وأن تنجح في إدارة الجولة الأولى من المفاوضات بنجاح وثقة. وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: إن المحادثات الإيرانية الأمريكية التي عقدت بدعم من حكومات صديقة بالمنطقة شكلت خطوة إلى الأمام.
ورغم أن الخلافات بين واشنطن وطهران عميقة وواسعة تمس العقيدة لدى كلا النظامين، إلا أن الرئيس بزشكيان قال: لطالما اعتمدنا الحوار للوصول إلى حل سلمي، ولطالما رد الشعب الإيراني على الاحترام بالاحترام، لكنه لن يتسامح مع لغة التهديد بالقوة.
من جانبه، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن جلسة المحادثات المقبلة سيتم تحديدها بالتشاور مع وزير الخارجية العماني، وأضاف أن دول المنطقة تسهم في خفض التوتر، وأن طهران ستواصل التشاور مع روسيا والصين ودول المنطقة.
واعتبر عراقجي أن استمرار بعض العقوبات والتحركات العسكرية الأمريكية يثير شكوكاً حول جدية واشنطن بشأن المفاوضات.
وشدد وزير الخارجية الإيراني: أن طهران لن تتردد أبداً عن حقها في الاستفادة من الطاقة النووية السلمية.
وحول موضوع الصواريخ الإيرانية، أكد عراقجي أن ملف الصواريخ الإيرانية لم يكن أبداً محوراً من محاور التفاوض، وأشار إلى أن طهران ترفض ترحيل اليورانيوم، وأكد استعداده للبقاء في مسقط كل الوقت للوصول إلى اتفاق حقيقي وبسرعة، وقال إن تغيير مكان جولة المفاوضات الثانية أمر وارد.
وكانت طهران فرضت على الجانب الأمريكي عقد الجولة الأولى في سلطنة عمان بدلاً من تركيا، وذلك بعد أن أعلنت واشنطن أن المفاوضات سيتم عقدها في إسطنبول، ولكن طهران أصرت على عقد الجولة الأولى في مسقط، وإلا فلن يكون هنالك أي مفاوضات. وظن العالم لوهلة أن الحرب أصبحت حتمية، ولكن واشنطن رضخت أمام الإصرار الإيراني. وربما كان إصرار طهران على عقد المفاوضات في مسقط من منطق اللباقة الدبلوماسية، لأن مسقط كانت وسيطاً ناجحاً بين طهران وواشنطن، أما تركيا فهي عضو في الناتو وربما لا تستطيع خلق أجواء مريحة للوفد الإيراني كما هو الحال في مسقط.
ولا شك أنه في مفاوضات بهذه الأهمية، فإن المكان والزمان يحسب حسابهما، كما أن لدول المنطقة وروسيا والصين رأي كان حاسماً في رفض الحرب… ويبقى السؤال: هل ينجح نتنياهو في تحقيق حلم حياته ويقنع ترامب بمعاودة قصف إيران والتخلص من نظامها، أم أن دول المنطقة وروسيا والصين وخوف إدارة ترامب من الخسائر الكبيرة وفشل الضربات على إيران، مع الضغوط والمشاكل التي يواجهها ترامب في الداخل بسبب فضيحة “إبستين”، ستجعله يتجاوز الأحقاد التي يحملها نتنياهو إليه، وينظر بشمولية إلى المصالح الأمريكية وإلى الخطر الذي سيهدد السلام والاستقرار والتنمية في المنطقة والعالم؟ وربما يكون البديل عن الحرب المزيد من المراوغة من قبل ترامب، والعقوبات والحصار والضغوط والحرب النفسية ضد إيران، من أجل ضرب عصفورين بحجر واحد… فمن جهة يتم إرضاء غرور نتنياهو وتخفيف مخاوفه من إيران… ومن جهة يتم إبرام صفقة جديدة تشمل بالتأكيد حرمان إيران وإلى الأبد من صناعة قنبلة نووية، وربما تقليص دورها في المنطقة وتقليص دعمها لحركات المقاومة ضد إسرائيل…
وبانتظار الجولة الثانية من المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة والتي سينضم إليها أطراف أخرى إقليمية ودولية، فإنه من المؤسف أن الصورة التي يرسمها ترامب عن نفسه خلال ولايته الثانية مختلفة كلياً عن الولاية الأولى، فلا أحد يستطيع أن يجزم إلى أي وجهة سيتجه ترامب لمعالجة الملف النووي الإيراني… إلى السلام أم إلى الحرب؟

