
مباحثات سورية مكثفة عربية ودولية ولقاء يجمع الوزير الشيباني ومظلوم عبدي وإلهام أحمد مع وزير الخارجية الأمريكي وذلك لتسريع مسار دمج المؤسسات السياسية والعسكرية…
أثارت مشاركة كل من قائد قوات قسد الجنرال مظلوم عبدي والقيادية السياسية الكردية إلهام أحمد، إلى جانب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في مؤتمر ميونيخ للأمن، موجة من التساؤلات في الشارع السوري، خاصة مع استمرار حملات التحريض ضد القيادات الكردية على وسائل التواصل الاجتماعي، واستمرار الهواجس والشكوك حول إمكانية تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بين حكومة دمشق وقسد، وصعوبات دمج المؤسسات السياسية والعسكرية، مع احتفاظ قوات سورية الديمقراطية بأعدادها وعتادها الكامل ورفض دخول الجيش العربي السوري إلى داخل المناطق الكردية في الحسكة والقامشلي وكوباني…
ومع أن مؤتمر ميونيخ للأمن ليس اجتماعا رسميا وإنما هو منتدى عالمي يشارك فيه المدعوون من المسؤولين والنواب والشخصيات العامة والمهتمين بالسياسة والثقافة والأمن، ويبدو أن ألمانيا التي تضم جالية كردية كبيرة لا يضاهيها في ذلك سوى الدول الأربعة التي تضم شعوبا كردية: سورية والعراق وتركيا وإيران، وربما كان ذلك دافعا ومشجعا لتوجيه الدعوات إلى عبدي وأحمد، مع أن الحكومة السورية أشارت بوضوح إلى أنهما ضمن الوفد الرسمي الذي يترأسه الوزير أسعد الشيباني، مع أن كليهما لا يتمتع بأي صفة داخل الحكومة السورية، وقد رفض عبدي أي منصب في الحكومة…
وعلى كل حال كانت المشاركة السورية بهذا الشكل في ميونيخ رسالة وحدة وتضامن وإشارة إيجابية إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار في التاسع والعشرين من كانون الثاني يمضي بشكل جيد، وأن سورية الواحدة الموحدة تتعافى، وقد حاول الوزير الشيباني ومظلوم عبدي، رغم الأسئلة الكثيرة حول مستقبل العلاقة بين حكومة دمشق وقسد ومسار اندماج قسد بمؤسسات الدولة السورية، ورغم الغموض والشكوك، تبديد المخاوف من فشل اتفاق وقف إطلاق النار، وأكدوا أن العمل جار على كل الأصعدة من أجل وحدة سورية وتوحيد ودمج مؤسساتها، وبخاصة دمج قسد بالجيش.
بعد اللقاء بين الوفد السوري الذي ضم الشيباني وعبدي وأحمد مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في ميونيخ، أثنى روبيو على الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة لتسهيل تنفيذ الاتفاق بين حكومة دمشق وقسد، وأعرب عن تقديره للجهود الدبلوماسية التي أتاحت لوفد قسد المشاركة في مؤتمر ميونيخ للأمن بصفة ممثلين عن الدولة السورية في إطارها الوطني الجامع…
وزارة الخارجية تجاهلت الدعوات التي تطالبها بتقديم موقف سياسي واضح لتفسير ظروف مشاركة عبدي وأحمد ضمن الوفد الحكومي في مؤتمر ميونيخ إلى جانب الوزير الشيباني، وذكرت في بيان أن اللقاء بين الشيباني وروبيو بحث أبرز التطورات المحلية والإقليمية، مع التأكيد على وحدة سورية وسيادتها وسلامة أراضيها، إضافة إلى العلاقات الثنائية، مشيرة إلى أن الجانب الأمريكي أبدى دعمه للحكومة السورية ولـ”اتفاق الاندماج الأخير مع قوات قسد” الذي أعلنه الطرفان في يناير/كانون الثاني، ويقضي بالدمج التدريجي للمؤسسات العسكرية والإدارية للإدارة الذاتية الكردية. ونشرت الخارجية السورية صورا للقاء يظهر فيها، إلى جانب الشيباني، كل من قائد قوات قسد مظلوم عبدي والقيادية الكردية إلهام أحمد، خلال مشاركتهما في الاجتماع مع الوفد السوري…
ولم تقتصر اللقاءات على الجانب الأمريكي، فقد التقى الجنرال عبدي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هامش منتدى ميونيخ للأمن، كما عقد الوفد سلسلة اجتماعات على هامش المؤتمر الذي استمر ثلاثة أيام، وكان الوفد الكردي قد وصل ميونيخ برفقة رئيس كردستان العراق مسعود البرزاني قبل أن ينضم إلى الوفد الحكومي السوري الرسمي…
وفي تصريحات تلفزيونية تحدثت المسؤولة السياسية في قسد إلهام أحمد عن التحديات التي تواجه عملية الاندماج، وقالت: ومع أن قسد اقترحت اسم المحافظ الذي بدأ عمله في الحسكة، وأرسلت إلى وزارة الدفاع اسم مرشحها لتولي منصب نائب وزير الدفاع، إلا أن الجميع يتوجس خيفة من فشل تطبيق الاتفاق، رغم الاهتمام الأمريكي والفرنسي بإنجاح مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش العربي السوري، إضافة إلى دمج المؤسسات الإدارية والخدمية. ووصفت إلهام أحمد مستوى الاهتمام الدولي بعملية الدمج بأنه عال جدا، وبينت أن واشنطن أبدت استعدادها لمتابعة عملية الدمج عن قرب، والمساعدة في تذليل أي عوائق قد تعترضها، سواء على الصعيد العسكري أو الأمني، إلى جانب دعم المرحلة اللاحقة المتعلقة بصياغة الدستور.
وبخصوص الجوانب الميدانية، كشفت إلهام أحمد أن عملية الدمج العسكري بدأت بالفعل، موضحة أنه تم في محافظة الحسكة سحب القوات من الجبهات من الطرفين وإعادة تموضعها في مواقع متفق عليها، تمهيدا لإدماجها ضمن أطر عسكرية جديدة. وأضافت أن الاتفاق ينص حاليا على دمج القوات في شكل ثلاثة ألوية في الحسكة ولواء في كوباني، على أن تتبع هذه التشكيلات لوزارة الدفاع السورية. وأشارت إلى أن موضوع التسمية النهائية مرتبط بالمحادثات مع وزارة الدفاع، مؤكدة أن تبادل البيانات والمعلومات الخاصة بالأفراد جار ضمن آلية الدمج.
كما كشفت أن قسد قدمت أسماء مرشحين لمنصب معاون وزير الدفاع السوري، وأن النقاش لا يزال مستمرا حول هذا الملف. وبشأن مستقبل الإدارة الذاتية، أوضحت إلهام أن الاتفاق لا يتضمن نصا صريحا على حل مؤسساتها، بل يجري بحث إعادة ترتيبها ضمن إطار لا مركزي داخل الدولة السورية، بما يحافظ على دورها الخدمي والإداري. وقالت إن المؤسسات الخدمية ستستمر في تقديم خدماتها لسكان المنطقة، ولكن ضمن آلية دمج مدني وإداري جديدة قيد البحث، مشددة على أن الهدف هو الحفاظ على نوع من العلاقة اللامركزية في إطار الدولة الموحدة…
ما يهم السوريين ليس الأقوال بل الأفعال، وهذه التصريحات والتوضيحات التي ترددها قيادة قسد ومجلس سورية الديمقراطية “مسد” منذ أكثر من عام لا تسمن ولا تغني من جوع، ذلك لأن التنفيذ والتطبيق على أرض الواقع لا يزال بعيد المنال، ولا تزال عملية الاندماج تتعثر بسبب ميل القيادات الكردية إلى الاحتفاظ بكيان خاص بهم، خاصة بعد أن حصلوا على كامل الحقوق التي يتمتع بها السوريون من خلال المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، وأصبحوا يطمعون بالمزيد.
فبعد اجتماعات متعددة في الداخل والخارج في أربيل ودمشق وميونيخ، أصدر مجلس سوريا الديمقراطية بيانا بعد اجتماع المجلس العام شدد فيه على أن الحل السياسي السوري ـ السوري هو الخيار الوحيد لإنهاء الصراع وبناء دولة ديمقراطية، مؤكدا دعمه بناء مؤسسة عسكرية وطنية ودولة تعددية لا مركزية. وشدد البيان أيضا على دور المرأة وحقوقها، وأشار إلى أن مستقبل سورية يبنى بالشراكة بين جميع أبنائها، وبإرادة وطنية حرة، ومسار سياسي جامع يضع حدا لمعاناة السوريين ويفتح أبواب الأمل أمام الأجيال القادمة…
ولا شك أن الاتفاق على وقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقسد في التاسع والعشرين من كانون الثاني الماضي، واللقاءات بين الطرفين في دمشق وأربيل وميونيخ، بالإضافة إلى الخطوات التي أنجزتها الحكومة السورية على الأرض باستعادة منطقة شرق الفرات ودخول الجيش العربي السوري والقوى الأمنية إلى محافظتي دير الزور والرقة، هذه الخطوات والأعمال أزاحت عبئا ثقيلا كان يرزح تحته السوريون منذ عشر سنوات خوفا من التقسيم والفرقة والإرهاب، ولكنهم اليوم أقل قلقا وخوفا، وقد باتوا وهم يمسون ويصبحون على وطن واحد وجيش واحد وحكومة واحدة، رغم أن ملامح هذا الوطن وهذه الحكومة وهذا الجيش لم تكتمل بعد…
فالوضوح في القرارات التي تتخذها حكومة دمشق لناحية تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار ودمج المؤسسات العسكرية والإدارية للإدارة الذاتية الكردية داخل مؤسسات الدولة وفق جدول زمني لا يتعدى الشهر، وبإشراف من فرنسا والولايات المتحدة وحكومة كردستان في أربيل بالعراق، يساعد ويزيد من زخم العملية، عدا عن الحماسة الشعبية في الشارع السوري الذي تعب من الحرب والشرذمة ويريد أن يستعيد عافيته ويعيد بناء سورية من جديد…
وبالتزامن مع الحراك السياسي والدبلوماسي والشعبي المكثف لإنجاز الاتفاق بين الحكومة وقسد، وسط اهتمام دولي واسع ومتابعة ميدانية من قبل كل من فرنسا والولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان العراق، وكذلك تركيا التي تستعجل اندماج قسد بالجيش، وهدفها التخلص من حزب الاتحاد الديمقراطي الذي تعتبره جزءا لا يتجزأ من حزب العمال الكردستاني المحظور، بالتزامن مع هذه الخطوات أعلنت القيادة المركزية الأمريكية الانسحاب من قاعدة التنف على مثلث الحدود السورية الأردنية العراقية، وأعلنت الحكومة السورية أن قوات حرس الحدود سوف تستلم القاعدة، كما أعلنت الولايات المتحدة الانتهاء من نقل 5700 من عناصر داعش من الحسكة إلى العراق، وبهذه الخطوات المتسارعة فإن الولايات المتحدة تستعيد تواجدها على الساحة السورية من خلال إعادة توزيع قواتها على 16 قاعدة وموقعا أمريكيا شرق الفرات، وسط تسريبات بأن واشنطن تريد إقامة قاعدة في محيط…
ومن أجل ذلك تدفع قدما باتجاه تنفيذ اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني بين حكومة دمشق وقسد… وقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي أن بلاده أمام خيارين في سورية: فإما ترك البلاد عرضة للتقسيم بيد الفصائل المسلحة، وإما الخيار أو المسار الذي تسلكه إدارة ترامب، وهو دعم وحدة سورية ووحدة أراضيها وتحقيق الاستقرار في المنطقة.

