
الانهيار الأمني يزداد في أوروبا بعد قرار سحب 5000 جندي أمريكي من قاعدة رامشتاين
ليس قرار سحب 5000 جندي أمريكي من قاعدة رامشتاين خلال ستة أشهر من أصل 8000 يتواجدون في القاعدة الأمريكية في ألمانيا والتي تعد رمزا للقوة الأمريكية في أوروبا، ليس هذا القرار إلا نتيجة من نتائج الحرب في أوكرانيا والتي استطاعت خلالها روسيا أن توقف خطر تمدد واتساع الناتو شرقا، وأن تلجم حلف الناتو الذي وصفه ترامب مرارا بأنه نمر من ورق.
ليس هذا القرار سوى انعكاس لفشل الحرب الأمريكية على إيران وفقدان الثقة بين أوروبا والولايات المتحدة، بعد أن ذاقت أمريكا لوحدها مرارة الفشل ولمست إدارة ترامب لمس اليد كيف تنكرت أوروبا للجميل الأمريكي ورفضت الدخول في حرب مع إيران تقول ليست حربها. فيما تقول إدارة ترامب بالمقابل أن حرب أوكرانيا ليست حربها. وبذلك يصل الخلاف بين إدارة ترامب والاتحاد الأوروبي إلى نقطة اللاعودة، ولذلك يتجه ترامب إلى تفكيك الناتو ..
كما يشير قرار الانسحاب الأمريكي من القارة العجوز إلى عمق الأزمة الداخلية في الولايات المتحدة واقتناع إدارة ترامب ونصف الشعب الأمريكي بأن الوقت قد حان لكي تعتمد أوروبا على نفسها وعلى مواردها وإمكاناتها، لأن أمريكا قررت على ما يبدو أن تترك أوروبا في منتصف الطريق لمصيرها بدون مظلة أمنية، وهي ترتجف خوفا من تعاظم قوة روسيا الدولة الأوروبية الأكبر والأقوى، والتي أصبحت لها دور فاعل على الساحة الدولية بعد تحسن العلاقات بينها وبين واشنطن، الأمر الذي زاد من حالة القلق داخل الاتحاد الأوروبي الذي يعاني أمنيا وعسكريا وسياسيا واقتصاديا، لأن هذا الاتحاد كان يعتمد على أمريكا لحمايته ……
قرار تقليص الوجود الأمريكي العسكري في قاعدة رامشتاين أكبر قاعدة أمريكية في أوروبا جاء وسط توتر شديد للعلاقات بين برلين وواشنطن. فقد وصف الرئيس الأمريكي ترامب المستشار الألماني فريدريك ميرتس بأنه زعيم عديم الفاعلية، وأما المستشار الألماني ميرتس فقد اعتبر أن عليه أن يتقبل حقيقة أن الرئيس ترامب لا يشاركه الرأي في سبيل العمل مع الولايات المتحدة تحت مظلة حلف شمال الأطلسي الناتو. كما أن القرار جاء في خضم الحرب بين أمريكا وإيران بعد أن أعلنت معظم الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو، وبخاصة الدول الكبرى كفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبريطانيا، أن الحرب ليست حربها…
ومع أنه من الصعب على القارة العجوز أن تتصور نفسها وحيدة من دون مظلة أمنية وعسكرية أمريكية بعد أكثر من ثمانين عاما من الاعتماد على أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية. ومن اعتمد على زاد غيره فقد طال جوعه …وكما يقولون: ثوب العيرة لا يدفئ. ويبدو أن أوروبا تشعر اليوم بالبرودة الشديدة وتكتشف أنها عارية، ولهذا تحاول أن تستجمع قواها من أجل امتصاص الضربة التي تلقتها جراء قرار ترامب تقليص القوات الأمريكية في أوروبا والتخلي عن سياسة التبني المعتمدة منذ مشروع مارشال .. واليوم يسيطر القلق والخوف على أوروبا اليتيمة، وهو ما عكسته ردود الفعل المباشرة بشأن قرار ترامب تقليص القوات الأمريكية في أوروبا والبالغة قرابة 100 ألف جندي، وهي تتوزع على جميع دول الاتحاد وخاصة في ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا التي تضم قواعد كبيرة. ولكن أوروبا تشعر بالعجز وهي تسعى للتعويض بعد أن وجدت نفسها بقرار أمريكي، وقد أصبحت في عهدة الدب الروسي، ما يضاعف ظاهرة الروسوفوبيا التي تجتاح أوروبا كلها. مع أن روسيا كانت دائما تدعو إلى علاقات طيبة مع أوروبا، إلا أن إدارة جو بايدن الأمريكية السابقة كانت تقود الحرب عمليا بدلا من أوكرانيا في إقليم الدونباس الروسي، وكانت تقود بالتوازي حربا إعلامية شعواء وغير منضبطة وحرب عقوبات حتى على الروايات والكتاب والثقافة والرياضة الروسية. ولكن اليوم ينقلب السحر على الساحر.. ويبدو أن على أوروبا أن تحضر نفسها لمواجهة جبهة مشتركة تضم في المرحلة القادمة روسيا والولايات المتحدة معا بعد الانتهاء من حربي أوكرانيا والشرق الأوسط …
وكان لافتا أن ردود الفعل الأوروبية على الخطوة الأمريكية المفاجئة ظهرت على مستويين: رسمي يدعو لتشكيل جيش أوروبي جديد لمواجهة التحديات واستيعاب الصدمة والفراغ الأمني الخطير…. وموقف شعبي راح يتندر من هذه الدعوات ويطالب بالمحافظة على الوجود الأمريكي، بالنظر إلى أن ميزانية وزارة الحرب الأمريكية لوحدها تبلغ ضعفي ميزانيات وزارات الدفاع في جميع الدول الأوروبية.
إذا تبلغ أكثر من 800 مليار دولار، بينما ميزانيات الدفاع الأوروبية مجتمعة لا تصل إلى 400 مليار دولار. عدا عن عدم فاعلية القيادة العسكرية للاتحاد الأوروبي بدون الولايات المتحدة، حيث تنتمي الجيوش الأوروبية إلى أنماط مختلفة من التدريبات. وبغياب القيادة الأمريكية، فإن القوات الأوروبية تبدو مشتتة وتفتقد للقدرات والمعدات والتجهيزات، عدا عن الخلل في الاستخبارات والتقنيات الحديثة وضعف الأسلحة الأوروبية قياسا بمثيلاتها الأمريكية، حيث أن مجموع الأقمار الصناعية الأمريكية العسكرية تبلغ المئات وربما تتجاوز 250 قمرا صناعيا، فيما تعد الأقمار الصناعية الأمريكية بالعشرات…..
رئيس بلدية رامشتاين-ميزنباخ الألمانية البلدة المجاورة للقاعدة الأمريكية رأى أن انسحاب القوات الأمريكية ضربة قوية للمدينة، وأولى علامات انقسام حلف الناتو وفشله. وأكد أن وجود القوات الأمريكية في البلدة كان يعود على بلديتها بمنافع اقتصادية هائلة تقدر بمليار دولار سنويا “.
من جانبها، أكدت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس: أن الانسحاب المخطط له لـ 5000 جندي أمريكي من ألمانيا يظهر حاجتنا إلى تعزيز الركيزة الأوروبية في حلف الناتو.
وفي رد الفعل، قال عضو تحالف الحرية الفنلندي أرماندو ميما، الذي انضمت بلاده مؤخرا للحلف، إن انسحاب قوات أمريكية من ألمانيا يعد أول مؤشر على انقسام وفشل الناتو، ما يدل على أن واشنطن تستعد تدريجيا لمغادرة أوروبا.
رغم أن ترامح ألمح منذ ولايته الأولى إلى أن أمريكا ستنسحب من الناتو، إلا أن أوروبا كانت تستهين بتصريحاته وتعتبرها بدون معنى، وأنه سيغادر البيت الأبيض وينتهي الأمر. ولكن عودته لولاية ثانية جعلت أوروبا تصدق أن حلف الناتو قد مات فعلا، خاصة مع وجود علاقات صداقة متينة بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومع استمرار الاتصالات بين موسكو وواشنطن حول الحرب في أوكرانيا والعلاقات الثنائية. وكان آخر اتصال بين الرئيسين بوتين وترامب في نهاية نيسان 2026 قبل أن يعلن ترامب سحب الجنود من قاعدة رامشتاين في ألمانيا ….
ولا شك أن هذه القضية ستكون على رأس جدول أعمال القمة التي سيعقدها الناتو في تركيا نهاية يوليو، في محاولة لوقف التدهور الأمني في أوروبا التي تستعجل القيام بخطوات لسد الثغرات الأمنية التي سيتركها الانسحاب الأمريكي الجزئي.
ولكن “من يغير عادته تقل سعادته”. وأوروبا لم تعتد على اتخاذ أي خطوات سياسية أو عسكرية بمعزل عن أمريكا، ولا يوجد أي مشروع لتطوير الأسلحة الأوروبية ينفصل أو يخلو من التعاون مع الجانب الأمريكي. فأوروبا لا تفعل شيئا بدون أمريكا. ولهذا فإن انهيار الأمن في أوروبا وتفكك الاتحاد الأوروبي نفسه أمر ممكن بعد انسحاب أمريكا الذي يبدو قريبا من الناتو… وربما تكون القمة في تركيا آخر قمة للناتو …

