
إسرائيل تشعل حرب الطاقة وتقصف حقل بارس الإيراني.. وترامب يطلب من طهران التريث وعدم الرد….. وإيران ترد بقصف إسرائيل بلا هوادة وتهدد بقصف المنشآت النفطية في السعودية وقطر والبحرين..
سبق السيف العذل.. تصعيد غير مسبوق ضد المنشآت النفطية والمدن الصناعية المنتجة للنفط والغاز المسال، وارتفاع كبير لأسعار النفط والغاز والبنزين في أوروبا والولايات المتحدة وفي الأسواق العالمية، وذلك بعد عشرين يوما من القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران، ما يهدد بتوسع الحرب و بفتح جبهات جديدة….
إنها حرب الطاقة المجنونة التي فرضها رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد سبع زيارات لواشنطن، وذلك بذريعة مواجهة إيران التي تشكل تهديدا وجوديا لإسرائيل، ومن أجل فرض معادلات جديدة بعد أن تغيرت قواعد الاشتباك التقليدية وتغيرت التوازنات في المنطقة. حيث تتبدى أهداف نتنياهو من إشعال حرب النفط والغاز بعد حرب المدن والقصف المتبادل بمحاولته إطالة أمد الحرب وتوسيعها، ووضع دول الخليج (السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت) في مواجهة مباشرة مع الجارة إيران..
فالهجمات الإسرائيلية على طهران والمدن الإيرانية والقادة والمواقع العسكرية والمدنية لم تفت من عضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي رفضت طلبا أمريكيا بالعودة إلى المفاوضات.. ولسان حالها يقول إنها لن تقع في الحفرة نفسها مرة ثانية، ووضعت شروطا نقلتها تركيا تتعلق بتعويض خسائرها ورفع العقوبات والتوصل إلى اتفاق دائم…
فالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران دخلت مرحلة جديدة من التصعيد بعدما قصفت إسرائيل في العشرين من آذار منشآت الغاز الطبيعي في حقل بارس جنوب إيران، وردت إيران بقصف بئر للغاز المسال في قطر، ووجهت تحذيرات عاجلة إلى إخلاء المنشآت البتروكيماوية في السعودية وقطر والبحرين، وسارعت إلى قصف مصانع راس لفان في قطر وأرامكو في مدينة ينبع السعودية.
وجاءت هذه التحولات الخطيرة بعد موجة جديدة من الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل طالت رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني وقائدي الباسيج والاستخبارات، وبعد أن دمرت خزانات الوقود في طهران وتسببت بمشكلة بيئية خطيرة تعد بمثابة جريمة حرب تضاف إلى جريمة اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي ومعه قيادتي الجيش والحرس الثوري في الضربة الأولى في الثامن والعشرين من شباط الماضي ….
* وفي محاولة أمريكية لكبح التصعيد الإسرائيلي الخطير في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز والبنزين في أوروبا والولايات المتحدة والأسواق العالمية، فقد نفى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علم واشنطن بالهجوم الإسرائيلي على حقل الغاز الإيراني، فيما أكدت وسائل إعلام ومسؤولون إسرائيليون وأميركيون أن ترامب وافق على الهجوم الإسرائيلي على المنشآت النفطية الإيرانية ..
ويبدو أن المقاومة التي تبديها إيران وعدم رغبة ترامب بتوسيع وإطالة أمد الحرب – ما يتعارض مع رغبة نتنياهو – دفعت إسرائيل وحكومتها اليمينية المتطرفة إلى التصعيد الخطير وإلى أبعد الحدود. وأعلنت على الملأ دون أي اعتبار للقانون الدولي وميثاق الأمم أنها اغتالت المرشد الإيراني وأعضاء القيادة وتوعدت بقتل الآخرين …
المعركة مستمرة ولا أحد يجزم بموعد انتهائها… غير أن إيران تقاوم الهجوم، وقد كانت فاعلة ومؤثرة في الميدان العسكري عبر موجات القصف الصاروخي المتواصلة على إسرائيل وعلى القواعد الأمريكية في المنطقة من جبهتي إيران ولبنان…. وفي الميدان الاقتصادي عبر إغلاق مضيق هرمز عصب التجارة النفطية العالمية، وعبر التهديد بتوسيع قصف المنشآت النفطية السعودية والكويت والبحرين وقطر، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والبنزين في العالم. وقد ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا 30 بالمئة بعد قصف بئر الغاز القطري …
ومع أن أمريكا من الدول المصدرة للنفط ويمكنها بطريقة أو بأخرى الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط إلى 115 دولارا للبرميل، إلا أن الهجمات الإسرائيلية على المنشآت النفطية الإيرانية وإشعال حرب الطاقة وضعت الرئيس ترامب في زاوية ضيقة وموضع حرج. فإذا ما استمر بالحرب فإن الضغوط سوف تتزايد عليه في الداخل والخارج. وإذا ما أعلن وقف الحرب اليوم بعد دخولها أسبوعها الرابع رغم كل الدمار الذي أصاب إيران، فإن الأخيرة ستحتفل بالنصر حتما…. ذلك لأن ترامب عمليا لم يستطع لا هو ولا نتنياهو استثمار ما أنجزوه خلال ثلاثة أسابيع من القصف على إيران، في وقت لا يزال أكثر من 6 ملايين إسرائيلي في الملاجئ، وخرجت معظم القواعد الأمريكية في المنطقة من الخدمة، في وقت يدفع فيه نتنياهو إلى مواصلة الحرب حتى يتغير وجه الشرق الأوسط وتتمكن إسرائيل من السيطرة على المنطقة أمنيا وعسكريا.
وهذا لا يتطابق مع موقف الرئيس ترامب المحكوم بمواعيد واستحقاقات أمريكية داخلية في الانتخابات النصفية للكونغرس.. فلا يستطيع القتال أكثر من شهرين، مع الإشارة إلى أن مجلس الشيوخ صوت خلال ثلاثة أسابيع مرتين على تقليص صلاحيات الرئيس بهدف وقف الحرب، وكانت النتيجة في كل مرة 53 صوتا لصالح الجمهوريين مقابل 47، وهذا دليل على المعارضة الأمريكية القوية للحرب.
..الرد الإيراني على استهداف المنشآت النفطية لم يقتصر على الاستمرار بإغلاق مضيق هرمز التي تحاول الولايات المتحدة الأمريكية السيطرة عليه منذ خمسين عاما من أجل أن تتحكم وتهيمن على المنطقة وثرواتها، غير أن إدارة ترامب تعرضت لضربة ساحقة عندما قررت إيران إغلاق المضيق، وفشلت كل محاولات واشنطن وضغوطها الاقتصادية والعسكرية لفتحه، مع إصرار إيران على لعب هذه الورقة التي تمنحها قوة كبيرة تعادل قوة صواريخها. فقد راحت تبيع النفط باليوان الصيني بدلا من الدولار، وتسمح لناقلات النفط لجميع الدول باستثناء الناقلات الأمريكية وتلك التابعة لحلفاء أمريكا. وبذلك فإن مضيق هرمز غير مغلق عمليا إلا أمام السفن الأمريكية أو سفن الدول المتحالفة مع أمريكا. مع الإشارة إلى أن بريطانيا وألمانيا وفرنسا أعلنوا أن الحرب لا تعنيهم ولن يشتركوا فيها ولن يساهموا بفتح المضيق، ما شكل ضربة قاصمة لإدارة ترامب التي تشعر أنها اتخذت القرار الخاطئ بدخولها الحرب. ولو كان في البيت الأبيض أي رئيس آخر غير ترامب لما تورط بالحرب على إيران ….
ومع أن الغموض يلف الحرب مع إعلان كل طرف أنه ينتصر، إلا أن الواقع يشير إلى أن الحرب تتجه إلى الاتساع وإلى المزيد من الخطورة على المنطقة كلها. …حيث تسعى إسرائيل بكل الوسائل إلى توسيعها من أجل إشعال حرب بين العرب وإيران، ومن أجل استبدال إسرائيل كعدو بإيران، وقد نجحت إسرائيل إلى حد كبير في ذلك … وجاء بيان الاجتماع الوزاري للدول العربية بمشاركة تركيا ليدق ناقوس الخطر، حيث أدان البيان إيران ولم يتطرق البيان إلى إسرائيل التي قتلت المرشد الأعلى الإيراني وخالفت القانون الدولي ….
ولا شك أن الاجتماعات الإقليمية كاجتماع الرياض الوزاري العربي والإسلامي لبحث أمن المنطقة واجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي والتي يعول عليهما الكثير لتخفيف التوتر، إلا أن هذه الاجتماعات في الخليج وأوروبا لا تسمن ولا تغني من جوع، ولم تطرح مبادرات أو حلولا لوقف الحرب المجنونة. وقد اكتفى الأوروبيون بالتحذير من الاجتياح الإسرائيلي للبنان، بعد أن حشدت إسرائيل ستة ألوية على الحدود، ولكنها بعد عشرين يوما من القتال لم تتمكن من الاستقرار في أي موقع داخل لبنان، وهي تعوض عن فشلها بتهجير السكان وتستقوي على الشيوخ والأطفال والنساء الذين هجروا منازلهم في الضاحية والبقاع والجنوب بناء على إنذارات الإخلاء الإسرائيلية التي شملت مليون لبناني، مع العلم أن فرنسا تقوم منذ أشهر بالعمل على إنجاز اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل دون أية نتائج ملموسة، بسبب تجاهل واشنطن للمطلب اللبنانية، وبسبب محاولات إيران ربط المقاومة اللبنانية بتطورات الحرب مع أمريكا كورقة فاعلة وقوية في أي مفاوضات قادمة.
الوضع في المنطقة بعد دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران أسبوعها الرابع خطير وصعب على الجميع في المنطقة وخارجها ….
ومع إعلان إيران على الملأ رفضها العودة إلى المفاوضات التي تتوسط فيها كل من روسيا وتركيا وسلطنة عمان كل على حدة، فقد كشفت رسالة التعزية التي وجهها مجتبى الخامنئي القائد الجديد الشاب إلى أسرة علي لاريجاني الذي اغتالته إسرائيل في السابع عشر من آذار، كشفت أن استسلام إيران مستحيل، وأن الحرب تتجه إلى المزيد من التصعيد. فقد جاء في رسالة الخامنئي: “إن لكل دم دية…”، وأن سفك الدماء الإيرانية تحت شجرة الدولة يزيدها قوة …
في هذه الأثناء، فيما العالم يحبس الأنفاس، تواصل إيران قصف تل أبيب والمدن الإسرائيلية، وبدأت تبيع نفط هرمز وتحاسب ناقلات النفط باليوان الصيني بدلا من الدولار، وقد مرت ناقلة نفط هندية عبر المضيق بعد أن دفعت الرسوم باليوان. فيما أعلن الجيش الإيراني أن الرد على التصعيد الإسرائيلي سيكون قاسيا… فبعد ساعات من استهداف حقل الغاز في بارس جنوب إيران، قامت إيران بقصف مصفاة سامرف التابعة لـ”أرامكو” و”إكسون موبيل” في ميناء ينبع السعودي المطل على البحر الأحمر، كما قصفت المدينة الصناعية في رأس لفان القطرية التي تضم منشآت الغاز..
وفي مقابل حرب الطاقة وارتفاع سعر برميل النفط إلى 115 دولارا للبرميل، فقد أكد حرس الثورة الإيراني أن الموجة 62 من الصواريخ استهدفت تجمعات العسكريين ومراكز الدعم القتالي للإسرائيليين، وشملت إطلاق صواريخ “قدر” متعددة الرؤوس و”خيبر شكن” و”عماد” و”حاج قاسم”.
كما دمر القصف مراكز في عكا وحيفا و”تل أبيب” وبئر السبع بعد انهيار منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية المتطورة.
وأكد البيان أن القصف استهدف جميع القواعد الأميركية في المنطقة للمرة الثالثة، وهي علي السالم وفيكتوريا والخرج والعديد والعديري والظفرة والأزرق والأسطول الخامس البحري وعريفجان.
واعتبر البيان الإيراني أن إسرائيل باتت محاصرة بما أسماه: “مثلث القوة العسكرية الإيرانية والحضور الشعبي المذهل والرأي العام الداعم لإيران”.
والسؤال اليوم: هل تنجح إسرائيل بإشعال حرب بين إيران والدول العربية والإسلامية، أم أن روسيا والصين ستدخلان على خط التهدئة لإيقاف الحرب ومنع اتساعها عبر الضغط على إيران للقبول بالمفاوضات…. فروسيا عمليا وربما الصين لدرجة أقل، يمكنها القيام بوساطة بالنظر لعلاقاتها مع أطراف النزاع. أما الدول الأوروبية فلم تعد مقبولة من الجانب الأمريكي بعد أن اعتبرت أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران غير شرعية وغير قانونية. كما أن الدول العربية بعد بيانات الإدانة ضد إيران لا يمكنها أن تلعب دور الوسيط في المفاوضات القادمة…
ومع تراجع دور الأمم المتحدة وعجز المجتمع الدولي عن فرض السلام وإلزام إسرائيل بقرارات مجلس الأمن، وفي ضوء النظرة الترامبية الدونية لدور الأمم المتحدة واستهتار ترامب بما يسمى المجتمع الدولي، فإن الدولة الوحيدة في العالم المؤهلة لدور الوساطة لإيقاف الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران المستعرة منذ الثامن والعشرين من شباط عام 2026 هي روسيا الاتحادية التي قال رئيس دبلوماسيتها التاريخي سيرغي لافروف كلمة ستصبح مثلا، وسوف يتذكرها العالم لقرون. وهي أن “الحكام العرب يخافون من أمريكا أكثر من الله”… ونحن نذكر هذا لنشير إلى احتمالات أن تتوسع الحرب ويدخل العرب في أتونها رسميا ضد إيران إذا أراد ترامب ذلك… لا سمح الله. ….

