
في خطوة وصفتها أوساط اقتصادية وسياسية واسعة بأنها “زلزال صامت” في عالم الطاقة، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية مساء الخميس 12 مارس 2026 عن إعفاء مؤقت من العقوبات المفروضة على النفط الروسي العالق في البحر، في قرار يمتد لمدة 30 يوماً تنتهي في 11 أبريل المقبل . هذا القرار، الذي جاء على لسان وزير الخزانة سكوت بيسنت، لم يكن وليد فراغ، بل جاء كثمرة طبيعية لتصاعد حدة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها الكارثية على أسواق الطاقة العالمية. فمع إغلاق مضيق هرمز فعلياً أمام حركة ناقلات النفط، وتراجع الإمدادات القادمة من الخليج بنحو 10 ملايين برميل يومياً، وجدت واشنطن نفسها أمام معادلة صعبة: إما مواصلة سياسة الضغط الأقصى على روسيا على حساب استقرار الأسواق العالمية، أو التراجع التكتيكي لامتصاص الصدمة . اختارت واشنطن الخيار الثاني، مانحة موسكو ما وصفه المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف بأنه “تطابق مؤقت في المصالح” بين البلدين، ومقدمة لإعادة ترتيب أوراق الطاقة العالمية بما يخدم الجميع في نهاية المطاف.
تفاصيل القرار: 130 مليون برميل تعود إلى الحياة بحسب الوثائق الرسمية الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، فإن الترخيص العام الجديد يسمح لمدة شهر كامل بإتمام المعاملات المتعلقة بالنفط والمنتجات النفطية الروسية التي تم تحميلها على ناقلات في موعد لا يتجاوز 12 مارس 2026 . هذا القرار، الذي وصفه بيسنت بأنه “إجراء مؤقت ومحدود بدقة”، يطال ما يقدر بنحو 124 إلى 130 مليون برميل من النفط الروسي العالق في عرض البحر، والتي كانت عاجزة عن الوصول إلى الأسواق بسبب العقوبات الأمريكية والخوف من الملاحقة القانونية للمشترين . قيمة هذا النفط العالق تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، وهو ما يعادل تقريباً حجم الإنتاج العالمي ليوم كامل، أو خمسة إلى ستة أيام من التدفق الطبيعي عبر مضيق هرمز .
المبرر الرسمي الذي قدمته الإدارة الأمريكية لهذا القرار يركز على “ضرورة استقرار أسواق الطاقة العالمية” ومنع “ارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق” بعد اندلاع الحرب في إيران . بيسنت أكد في منشور على منصة “إكس” أن هذه الخطوة تهدف إلى “زيادة وصول الإمدادات الحالية إلى الأسواق العالمية”، مضيفاً أن “الارتفاع المؤقت في أسعار النفط هو اضطراب قصير الأجل سيعود بفائدة هائلة على أمتنا واقتصادنا على المدى الطويل” . لكن قراءة أكثر تعمقاً للقرار تكشف أن واشنطن كانت تحت ضغط داخلي هائل، حيث بدأت أسعار البنزين في الولايات المتحدة تتجه نحو حاجز 4 دولارات للغالون، مما يهدد شعبية الرئيس دونالد ترامب قبل انتخابات منتصف الولاية .
على الجانب الروسي، قوبل القرار بموجة من الارتياح الرسمي والانتصار المعنوي. كيريل دميترييف، المبعوث الخاص للرئيس بوتين للاستثمار والتعاون الاقتصادي، كان الأكثر وضوحاً في تعبيره عن المكاسب الروسية. في منشور على تلغرام، قال دميترييف إن الولايات المتحدة “تعترف فعلياً بالأمر الواضح: من دون النفط الروسي، لا يمكن لسوق الطاقة العالمية أن تبقى مستقرة” . وفي تصريح أكثر جرأة، أضاف أن “المسؤولين البيروقراطيين في الاتحاد الأوروبي سيضطرون قريباً إلى الاعتراف بهذه الحقيقة، والإقرار بأخطائهم الاستراتيجية، والتكفير عنها” . المكاسب الروسية لا تقتصر على الجانب المعنوي فقط، بل تمتد إلى أرباح مالية ضخمة. منذ بداية الحرب على إيران في 28 فبراير، ارتفعت أسعار خام الأورال الروسي بنحو 30 دولاراً للبرميل، من مستويات كانت دون 40 دولاراً في ديسمبر الماضي إلى أكثر من 80 دولاراً حالياً . هذا الارتفاع يعني أن روسيا تجني يومياً ما يقدر بنحو 150 مليون دولار إضافية، أو 588 مليون دولار يومياً من صادرات النفط والغاز مجتمعة . تقرير “مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف” يشير إلى أن الإيرادات الروسية اليومية من مبيعات الطاقة ارتفعت بنسبة 14% في المتوسط منذ بداية الحرب مقارنة بشهر فبراير . الأهم من ذلك، أن رفع العقوبات المؤقت عن النفط العالق يقلص بشكل كبير “خصم الأورال” الذي كانت تفرضه السوق على النفط الروسي بسبب مخاطر العقوبات. الخبير الاقتصادي في معهد بروغل سيمون تاليابيترا يرى أن القرار الأمريكي “يقلص خصم الأورال إلى حد ما” من خلال تقليل مخاطر العقوبات . هذا يعني أن روسيا ستبيع نفطها بأسعار أقرب إلى خام برنت العالمي، مما يعزز إيراداتها بشكل مضاعف: من خلال ارتفاع السعر العالمي أولاً، ومن خلال تقليص الخصم ثانياً.
اللافت في التصريحات الروسية هو التأكيد على وجود “تطابق مؤقت في المصالح” مع واشنطن. بيسكوف قال صراحة: “في هذه الحالة، نرى أن الولايات المتحدة تحاول تثبيت أسواق الطاقة. ومن دون كميات كبيرة من النفط الروسي، فإن استقرار السوق مستحيل. لذلك، في الوقت الحالي، تتطابق مصالحنا ظرفياً، وهذا هو تقييمنا” . هذا التصريح يحمل دلالات عميقة تتجاوز مجرد التعليق على قرار مؤقت. ففي خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتصاعد التوتر في مضيق هرمز، تتحول روسيا فجأة من “خصم يجب عزله” إلى “شريك ضروري” لاستقرار الأسواق. هذه المفارقة لم تغب عن المحللين. روبن بروكس، زميل أول في معهد بروكينغز، كتب في تحليل له أن “النفط الروسي تحول من منبوذ عالمي إلى سلعة مطلوبة بشدة، مع اختفاء الخصم على خام الأورال مقابل برنت تقريباً” . دميترييف ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث التقى هذا الأسبوع مع المبعوث الخاص للرئيس ترامب ستيفن ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنير في فلوريدا، حيث ناقشا قضايا الطاقة بالإضافة إلى مفاوضات السلام الجارية . هذا اللقاء في حد ذاته يمثل تطوراً دراماتيكياً، حيث يجتمع مسؤول روسي رفيع مع مستشارين رئيسيين لترامب في وقت تشن فيه الولايات المتحدة حرباً على حليف روسيا الأقرب في المنطقة.
القرار الأمريكي كشف عن شرخ عميق في الموقف الغربي الموحد تجاه روسيا. فبينما سارعت واشنطن إلى تخفيف العقوبات لإنقاذ أسواقها الداخلية، قابلت العواصم الأوروبية القرار بموجة من الانتقادات اللاذعة. المستشار الألماني فريدريش ميرتس قال في مؤتمر صحفي مشترك في النرويج: “دعوني أكون واضحاً جداً: نعتقد أنه سيكون خطأ تخفيف العقوبات الآن، لأي سبب كان” . وأضاف أن زعماء مجموعة السبع ناقشوا الملف مع ترامب هذا الأسبوع، وأن “ستة أعضاء عبروا عن رأي واضح جداً بأن هذه ليست الإشارة الصحيحة” .الاتحاد الأوروبي كان أكثر حدة. المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية باولا بينهو وصفت التراجع عن عقوبات روسيا في ظل وضع الطاقة الصعب بأنه “خطأ استراتيجي كامل” . الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد أن دعم بلاده لأوكرانيا “لن يضعف”، وأنه إذا اعتقدت روسيا أن الحرب في إيران ستمنحها فترة راحة “فهي مخطئة” . الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان الأكثر إدانة، حيث قدر أن هذا التخفيف وحده قد يوفر لروسيا “حوالي 10 مليارات دولار للحرب”، مضيفاً أن “رفع العقوبات فقط للحصول على المزيد من المسيّرات التي تحلق باتجاهك هو، في رأيي، ليس القرار الصحيح” . لكن واشنطن تمضي قدماً، متجاهلة هذه الانتقادات. بيسنت دافع عن القرار قائلاً إن “الزيادة المؤقتة في أسعار النفط هي اضطراب قصير الأجل سيعود بفائدة هائلة على أمتنا واقتصادنا على المدى الطويل” . هذا التبرير يعكس رؤية واقعية بحتة: عندما تهدد أسعار الطاقة بارتفاع التضخم وتآكل شعبية الرئيس، تصبح الاعتبارات الجيوسياسية طويلة الأجل ثانوية أمام الضرورات الانتخابية المباشرة.
رغم التفاؤل الرسمي، تشير التحليلات إلى أن تأثير القرار على الأسعار قد يكون محدوداً. أسعار خام برنت انخفضت بنسبة 1.5% بعد الإعلان إلى حوالي 98.76 دولار للبرميل، لكنها ما زالت أعلى بكثير من 72.87 دولار التي سجلتها عشية الحرب على إيران في 27 فبراير . سيمون تاليابيترا يرى أن التأثير “سيكون هبوطياً بشكل متواضع، أو على الأقل سيساعد على الاستقرار” . السبب في هذا التأثير المحدود يعود إلى أن النفط الروسي كان سيجد مشترين في نهاية المطاف، خاصة في آسيا، حتى من دون هذا القرار. ديفيد ويش، كبير الاقتصاديين في شركة تتبع ناقلات النفط فورتكسا، يتوقع أن تصل واردات الهند من النفط الروسي إلى “مستويات قياسية جديدة” الشهر المقبل، إذا استمر الوضع في الشرق الأوسط على ما هو عليه . الصين، التي كانت مترددة في الانخراط في مشاريع الطاقة الروسية الطموحة، قد تصبح الآن أكثر استعداداً للتعاون في ظل الحاجة لتنويع إمداداتها بعيداً عن الخليج .
المفارقة الكبرى في المشهد الحالي أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي كان الهدف منها إضعاف “محور المقاومة” وإنهاء التهديد النووي، تتحول تدريجياً إلى أكبر فرصة اقتصادية لروسيا منذ بدء الحرب الأوكرانية. فمن ناحية، ارتفاع أسعار النفط العالمي يعزز إيرادات موسكو بشكل غير مسبوق. ومن ناحية أخرى، تعطيل إمدادات الخليج يجعل النفط الروسي بديلاً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه للأسواق الآسيوية والأوروبية (ولو بشكل غير مباشر). والأهم من كل ذلك، أن واشنطن نفسها تضطر للتراجع عن عقوباتها وتقديم تسهيلات لروسيا، مما يكسر جدار العزلة السياسي والاقتصادي الذي حاول الغرب بناؤه على مدى أربع سنوات.البيت الأبيض يحاول تقديم القرار كإجراء “مؤقت ومحدود”، لكن الخبراء يشككون في ذلك. إدوارد فيشمان، مدير مركز جيوسياسية الاقتصاد في مجلس العلاقات الخارجية، عبر عن قلقه من أن هذا “يمثل فعلياً تدمير عقوبات النفط على روسيا” . خبير آخر، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، قال إن الترخيص قد “يمدد، ربما عدة مرات، إذا استمرت أسعار النفط مرتفعة” . هذا يعني أن “الإجراء المؤقت” قد يتحول إلى سياسة دائمة إذا طال أمد الحرب في إيران، وهو سيناريو محتمل جداً في ظل تعقيدات المواجهة. في المحصلة، يمثل القرار الأمريكي برفع العقوبات المؤقت عن النفط الروسي لحظة مفصلية في مسار الصراع الدولي. إنه اعتراف عملي، وإن كان غير معلن، بأنه لا يمكن استبعاد روسيا من معادلة الطاقة العالمية، وأن أي اضطراب كبير في الإمدادات سيعيد موسكو حتماً إلى الواجهة. روسيا، التي عانت من عزلة متزايدة وعقوبات خانقة على مدى أربع سنوات، تجد نفسها اليوم في موقع قوة غير متوقع. الحرب في إيران، التي كانت تشكل تهديداً لحليفتها، تحولت إلى فرصة ذهبية لتعزيز إيراداتها واستعادة نفوذها. كيريل دميترييف عبر عن هذه النشوة الروسية بوضوح عندما قال إن “المسؤولين البيروقراطيين في بروكسل سيضطرون قريباً إلى الاعتراف بهذه الحقيقة، والإقرار بأخطائهم الاستراتيجية، والتكفير عنها” . قد يكون هذا التفاؤل مبالغاً فيه بعض الشيء، لكنه يعكس تحولاً حقيقياً في الميزان. أوروبا لا تزال متمسكة بموقفها المتشدد، وأوكرانيا تشعر بالغضب، لكن واشنطن، التي تقود المعسكر الغربي، اختارت بالفعل طريقاً مختلفاً. في عالم تتقاذفه الأزمات، يبدو أن مصالح الطاقة القصيرة الأجل تغلب الاعتبارات الجيوسياسية الطويلة الأجل. روسيا، بحكمتها وصبرها الاستراتيجي، تثبت مجدداً أن من يملك الطاقة يملك مفاتيح اللعبة، وأن بوابات الأسواق العالمية، حتى بعد إغلاقها، تظل قابلة للفتح عندما تحتاط الحاجة.

