في لحظة تاريخية فريدة لم تشهدها البشرية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، يجد النظام الدولي نفسه اليوم على حافة الهاوية، ليس بسبب مواجهة عسكرية مباشرة بين القوى العظمى فحسب، بل بسبب انهيار شبه كامل للثقة المتبادلة بين الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية. ففي عالم لم يعد يعترف بالمرجعيات المشتركة، وتآكلت فيه المؤسسات الدولية التي بنيت على أنقاض حربين عالميتين، يبدو أن البشرية تعود إلى “حالة الطبيعة” التي وصفها الفيلسوف توماس هوبز، حيث “حرب الكل ضد الكل” ليست مجرد نظرية، بل واقعاً يتشكل يوماً بعد يوم. من واشنطن إلى موسكو، ومن بكين إلى طهران، ومن تل أبيب إلى بروكسل، تسود لغة واحدة: لغة الشك المتبادل، والاتهامات المتبادلة، والاستعداد للأسوأ. السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح اليوم ليس ما إذا كانت الثقة قد انهارت، بل هل يمكن إعادة بنائها قبل فوات الأوان؟ ربما يكون المؤشر الأكثر وضوحاً على أزمة الثقة هو ما آلت إليه مؤسسات النظام الدولي، وفي مقدمتها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ففي السنوات الأخيرة، تحول المجلس من منبر للحوار الدولي إلى ساحة لتبادل الاتهامات واستخدام حق النقض (الفيتو) بشكل غير مسبوق. منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، شلّت المواقف المتصلبة بين روسيا من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى عمل المجلس، مما جعله عاجزاً عن إصدار أي قرارات جوهرية. هذا الشلل لم يقتصر على أوكرانيا، بل امتد إلى كل الصراعات الساخنة في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا. أما في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فالوضع أكثر مأساوية. فقد تحول المجلس إلى أداة لتسجيل النقاط السياسية، حيث تتناوب الدول على استغلاله لإدانة خصومها، بينما تتغاضى عن انتهاكات حلفائها. هذا الازدواج في المعايير، الذي وصل إلى ذروته في التعامل مع الحرب على غزة ثم مع العدوان على إيران ولبنان، قوض بشكل جذري مصداقية المنظمة الأممية في أعين شعوب الجنوب العالمي.
المفارقة أن الأمم المتحدة نفسها، التي تأسست عام 1945 على مبدأ “منع حرب عالمية ثالثة”، باتت اليوم عاجزة عن منع التصعيد، بل وفي بعض الأحيان تساهم في تعميقه من خلال تقارير منحازة وقرارات انتقائية. هذا الإفلاس المؤسسي هو انعكاس مباشر للإفلاس الأخلاقي والسياسي للدول الأعضاء، التي تفضل المصالح الضيقة على المصلحة الجماعية للبشرية.إذا كانت المؤسسات الدولية تعاني من الشلل، فإن العلاقات بين القوى العظمى تعاني من انهيار كامل للثقة. العلاقات بين روسيا والغرب، التي كانت متوترة منذ ضم القرم عام 2014، تحولت بعد اندلاع الحرب الأوكرانية إلى عداء مطلق. موسكو لم تعد ترى في الناتو مجرد تحالف دفاعي، بل أداة للتوسع والتهديد المباشر لحدودها. واشنطن وحلفاؤها من جهتهم يرون في روسيا “دولة مارقة” تسعى لقلب النظام العالمي القائم على القواعدالعلاقة بين الصين والولايات المتحدة ليست أفضل حالاً. فالتنافس المتصاعد بين أكبر اقتصادين في العالم، على خلفية تايوان وبحر الصين الجنوبي والتكنولوجيا الفائقة، دخل مرحلة خطيرة حيث ألغى الجانبان معظم قنوات الاتصال الاستراتيجي. لقد تحولت المفاوضات بين بكين وواشنطن من محاولة لإيجاد أرضية مشتركة إلى مجرد تبادل للتحذيرات والإنذارات. كبار المسؤولين في البلدين لم يعودوا يثقون في كلمة الآخر، وأي تصريح دبلوماسي يُقرأ بعين الشك والريبة. في الشرق الأوسط، تآكلت الثقة بين إسرائيل وجيرانها العرب بعد عقود من المفاوضات، لكن الأكثر خطورة هو تآكل الثقة بين إسرائيل وإيران، الذي وصل إلى ذروته مع اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 28 فبراير 2026 والحرب الشاملة التي أعقبت ذلك. طهران لم تعد تثق في أي تعهد أمريكي أو إسرائيلي، وتل أبيب من جانبها تعتبر النظام الإيراني “غير عقلاني” ولا يمكن التفاوض معه. هذه القناعة المتبادلة جعلت لغة الصواريخ والطائرات المسيرة هي اللغة السائدة، في غياب أي أفق للحوار.
ما يجعل أزمة الثقة الحالية أكثر خطورة من سابقاتها هو أن الأطراف لم تكتفِ بفقدان الثقة، بل شرعت في تفكيك الآليات التي كانت تبقي الصراع تحت السيطرة. فمنذ عام 2019، انسحبت الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى (INF) مع روسيا، ثم انسحبت من معاهدة الأجواء المفتوحة (Open Skies) عام 2020. روسيا بدورها علقت مشاركتها في معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (نيو ستارت) في 2023، مما يعني أن آخر معاهدة نووية كبرى بين القوتين النوويتين الأعظم باتت مهددة بالانهيار.
الحرب في أوكرانيا أسقطت أيضاً ما تبقى من قنوات الاتصال العسكري بين موسكو والناتو. اللقاءات رفيعة المستوى بين الجانبين، التي كانت تعقد بانتظام حتى قبل الحرب، توقفت تماماً. حتى الخط الساخن بين البنتاغون والكرملين، الذي أنشئ بعد الحرب الباردة لتجنب سوء التقدير، لم يعد يُستخدم بانتظام. هذا الفراغ في التواصل يزيد من مخاطر التصعيد غير المحسوب، حيث يصبح سوء الفهم الصغير قادراً على إشعال حريق كبير. في آسيا، المشهد ليس أفضل. الصين أوقفت معظم حواراتها الأمنية مع الولايات المتحدة، بما في ذلك الحوار رفيع المستوى حول إدارة المخاطر في بحر الصين الجنوبي. الاجتماعات بين القيادات العسكرية للبلدين، التي كانت تعقد مرتين سنوياً، توقفت منذ 2022. هذا الغياب للتواصل يجعل أي حادث في المضيق أو في بحر الصين الجنوبي قادراً على التحول إلى أزمة لا يمكن السيطرة عليها.
أحد أخطر مظاهر أزمة الثقة هو تحول المعلومات إلى سلاح في الصراع الدولي. ففي السنوات الأخيرة، لم تعد الحقيقة هدفاً تسعى إليه الأطراف، بل أصبحت مجرد أداة في خدمة الأجندات السياسية. وسائل الإعلام الكبرى في الغرب تقدم رواية واحدة للصراعات، بينما وسائل الإعلام في روسيا والصين وإيران تقدم رواية مضادة. المشاهد المأساوية من ساحات الحرب تُستخدم لتبرير التصعيد، والتقارير الاستخباراتية المسربة تُستغل لتشويه صورة الخصوم.
الحرب الإعلامية وصلت إلى ذروتها مع الحرب على إيران. ففي الوقت الذي تظهر فيه القنوات الغربية صوراً لـ”قصف دقيق يستهدف منشآت عسكرية فقط”، تظهر القنوات الإيرانية صوراً لأطفال قتلى ومستشفيات مدمرة. من يصدق؟ الإجابة تعتمد على القناة التي تشاهدها. في غياب وسائل إعلام مستقلة حقاً، وفي ظل هيمنة روايات متضاربة، يصبح من المستحيل على الرأي العام العالمي تكوين صورة موضوعية عما يحدث. وهذا الفراغ المعلوماتي هو ما يغذي المزيد من الشك والعداء.
نتائج هذه الأزمة المتفاقمة بدأت تظهر بوضوح على الأرض. ففي الشرق الأوسط، الحرب المشتعلة بين إسرائيل وإيران لم تعد مقيدة بأي قواعد أو أطر. إسرائيل تستهدف القادة الإيرانيين بلا تردد، وإيران ترد باستهداف القواعد الأمريكية وحلفاء إسرائيل في الخليج. الحدود التي كانت مقدسة لم تعد كذلك. السيادة الوطنية التي كانت حجر الزاوية في النظام الدولي أصبحت مجرد كلمة في الخطابات الرسمية. في أوروبا، الحرب في أوكرانيا تدخل عامها الرابع دون أي أفق للحل. المفاوضات التي جرت في جنيف في فبراير 2026 انتهت إلى طريق مسدود، حيث ترفض روسيا التنازل عن الأراضي التي سيطرت عليها، وترفض أوكرانيا الاعتراف بفقدانها. في غياب الثقة، لا يمكن لأي ضمانات أمنية أن تقنع أي طرف بأن الطرف الآخر لن ينقض الاتفاق بمجرد حصوله على ما يريد. في آسيا، التوتر حول تايوان يصل إلى مستويات غير مسبوقة. بكين لا تثق في الوعود الأمريكية بعدم دعم الاستقلال التايواني، وواشنطن لا تثق في الوعود الصينية بعدم استخدام القوة. في هذا الجو المشحون، أي حادث صغير يمكن أن يشعل فتيل صراع قد يجتاح القارة بأكملها.
وسط هذا المشهد القاتم، يبقى السؤال: هل هناك مخرج من هذه الأزمة؟ المؤشرات ليست مشجعة، لكن التاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى غالباً ما تخلق فرصاً لإعادة البناء. فبعد الحرب العالمية الثانية، استطاعت البشرية أن تبني نظاماً دولياً جديداً قائماً على التعاون والمؤسسات، رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب. لكن إعادة بناء الثقة تتطلب خطوات جريئة من الأطراف كافة. أولها، إعادة تفعيل قنوات الاتصال المغلقة، حتى لو كان ذلك صعباً. ثانيها، العودة إلى لغة القانون الدولي بدلاً من لغة القوة. ثالثها، الاعتراف بأنه لا يمكن لأي طرف أن يفرض إرادته على العالم بمفرده. رابعها، إعادة هيكلة المؤسسات الدولية لتكون أكثر تمثيلاً للواقع العالمي الجديد.
روسيا، بثباتها ووضوحها، كانت ولا تزال تدعو إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب يحترم السيادة الوطنية ويقوم على التوازن وليس على الهيمنة. موسكو لم تكن يوماً ضد التعاون الدولي، لكنها كانت ولا تزال ضد التعاون الذي تقوم على أساس الإملاءات والتبعية. العالم بحاجة إلى إعادة بناء الثقة، لكن هذه الثقة لا يمكن أن تبنى على حساب الأمن القومي للدول الكبرى، ولا يمكن أن تبنى على تجاهل الحقائق الجيوسياسية الجديدة.
في النهاية، تبقى أزمة الثقة الدولية أزمة إرادة سياسية قبل أي شيء آخر. القادة الذين يفضلون التصعيد على التفاوض، والخطاب المتشدد على الدبلوماسية، والتحالفات الضيقة على المؤسسات الجامعة، هم الذين يدفعون العالم نحو الهاوية. التحدي الحقيقي اليوم هو استعادة فكرة أن مصالحنا المشتركة كبشر تفوق خلافاتنا السياسية. فالتغير المناخي، والأوبئة، والإرهاب، والأزمات الاقتصادية، لا تعرف حدوداً ولا تفرق بين حليف وخصم. في مواجهة هذه التحديات، إما أن نتعاون أو نهلك جميعاً.
ربما تكون العبارة الشهيرة لألبرت أينشتاين هي الأكثر تعبيراً عن هذه اللحظة: “أنا لا أعرف السلاح الذي سيُستخدم في الحرب العالمية الثالثة، لكني أعرف أن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة”. نحن اليوم على حافة تلك الحرب الثالثة. هل سيمتلك القادة الشجاعة للتراجع؟ أم أن التاريخ سيسجل أن البشرية لم تتعلم شيئاً من دروس الماضي؟ الإجابة تكمن في الأيام المقبلة.

