
في مشهد يكاد يكون اقتباساً حرفياً من نصوص التوراة، يطل قادة إسرائيل وحلفاؤها الإنجيليون في واشنطن على المنطقة بوصفهم “شعب الله المختار” الذي يحق له وراثة الأرض الموعودة من نهر النيل إلى نهر الفرات. ففي 20 فبراير 2026، خرج السفير الأمريكي في إسرائيل مايك هاكابي، وهو مسيحي إنجيلي متطرف، بتصريحات فجرت غضباً عربياً وإسلامياً واسعاً، حين قال في مقابلة مع المعلق المحافظ تاكر كارلسون إنه “لا بأس” من سيطرة إسرائيل على المنطقة بأكملها، مستنداً إلى نصوص توراتية تعد إسرائيل بالأرض “من وادي مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات” . هذه التصريحات، التي وصفتها 14 دولة عربية وإسلامية بأنها “خطيرة واستفزازية وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”، لم تكن زلة لسان عابرة، بل هي تعبير صريح عن مشروع استراتيجي متكامل تعمل إسرائيل على تنفيذه على الأرض تحت غطاء الحرب على إيران وانشغال العالم بتطوراتها الدراماتيكية .مايك هاكابي، السفير الأمريكي في إسرائيل، لم يكن يقرأ نصوصاً دينية في محاضرة مغلقة، بل كان يعلن على الهواء مباشرة ما تعمل عليه الآلة العسكرية والسياسية الإسرائيلية في الخفاء. عندما سأله كارلسون عما إذا كان يدعم حق إسرائيل في الأرض الممتدة من نهر النيل إلى الفرات، أجاب هاكابي بصراحة صادمة: “سيكون الأمر على ما يرام إذا استولوا عليها كلها” . وعندما أبدى المحاور دهشته، أوضح السفير الأمريكي أنه لا يمانع أن توسع إسرائيل سيطرتها على المنطقة بأكملها إذا هاجمتها هذه الدول أولاً، مضيفاً بعبارة بالغة الدلالة: “إذا انتهى بهم الأمر إلى التعرض للهجوم من كل هذه الأماكن، وفازوا في تلك الحرب، واستولوا على تلك الأرض، حسناً، فهذه مناقشة أخرى تماماً” .هذه العبارة الأخيرة تحمل المفتاح الحقيقي لفهم ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط. فإسرائيل، التي تعرضت لهجوم من إيران وحلفائها على مدى السنوات الماضية، تدّعي الآن أنها تخوض “حرب وجود” تبرر لها إعادة رسم خرائط المنطقة بأكملها. حربها على إيران، التي بدأت في 28 فبراير 2026، لم تعد مجرد ضربات جوية محدودة، بل تحولت إلى حملة شاملة تهدف إلى تفكيك “محور المقاومة” برمته، وتمهيد الطريق أمام “إسرائيل الكبرى” للسيطرة على مقدرات المنطقة .
تصريحات هاكابي أثارت عاصفة من الغضب في العالم العربي والإسلامي، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن حجم العجز العربي عن مواجهة المشروع الإسرائيلي الأمريكي. في بيان مشترك صدر يوم 22 فبراير 2026، أدانت 14 دولة عربية وإسلامية، من بينها مصر والسعودية والإمارات وقطر وتركيا وإندونيسيا وباكستان، إلى جانب جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، التصريحات ووصفتها بأنها “خطيرة واستفزازية وتشكل انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتهديداً خطيراً لأمن واستقرار المنطقة” .البيان أكد أن هذه التصريحات “تتناقض مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكذلك خطة إنهاء الحرب في غزة، والتي تقوم على خفض التصعيد وخلق أفق سياسي للتسوية الشاملة التي تضمن للشعب الفلسطيني دولته المستقلة” . كما شدد البيان على أن إسرائيل “لا تتمتع بأي سيادة على الإطلاق على الأرض الفلسطينية المحتلة أو أي أراض عربية أخرى”، ورفض أي محاولة لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة .لكن خلف هذه الإدانة الرسمية، يدرك الجميع أن الدول العربية والإسلامية تفتقر إلى أدوات الضغط الحقيقية على واشنطن وتل أبيب. فمعظم هذه الدول إما مرتبطة باتفاقات تطبيع مع إسرائيل (كالإمارات والبحرين والمغرب)، أو تخشى المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة (كمصر والسعودية)، أو منشغلة بأزماتها الداخلية (كلبنان وسوريا). هذا الفراغ في الردع الفعلي هو ما تستغله إسرائيل لتنفيذ مشروعها التوسعي على مرأى ومسمع من الجميع.
العقبة الكبرى في طريق المشروع الإسرائيلي كانت دائماً تتمثل في “محور المقاومة” بقيادة إيران. لذلك، لم يكن مفاجئاً أن تبدأ إسرائيل حربها الشاملة على إيران في 28 فبراير 2026، بهدف إزاحة هذا العائق نهائياً. وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس كشف عن أن الهدف الاستراتيجي للحرب هو “انهيار النظام في إيران وإنهاء طموحاتها النووية”، بدعم أمريكي كامل .المشهد في إيران بعد أسبوعين من الحرب يبدو قاتماً. الاغتيالات طالت قيادات الصف الأول، بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في الأيام الأولى للهجمات، مما خلق فراغاً قيادياً غير مسبوق. التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن الحرب في إيران قد تستمر “بضعة أسابيع أخرى” قبل أن تنهار قدرة النظام على المقاومة . تحليل نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية يشير إلى أن ثلاث سيناريوهات مطروحة: إما تغيير النظام بالكامل، أو بقاء نظام ضعيف يعاني من انكماش دائم، أو انزلاق إيران إلى حرب أهلية طويلة. في كل هذه السيناريوهات، تخرج إيران من معادلة الصراع الإقليمي، ويبقى الحوثيون في اليمن وحيدين يواجهون المصير نفسه .بالتزامن مع الحرب على إيران، تفتح إسرائيل جبهة ثانية في لبنان، بهدف تحقيق ما عجزت عنه في حرب 2006: القضاء على قدرات حزب الله العسكرية ودفع قواته شمالاً حتى نهر الليطاني. منذ 2 مارس 2026، يشن الجيش الإسرائيلي غارات عنيفة على الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في جنوب لبنان، متوغلاً برياً في مناطق حدودية. وزير الدفاع كاتس هدد بأن الحكومة اللبنانية “ستدفع ثمناً باهظاً عبر ضربات تستهدف البنية التحتية اللبنانية الوطنية وفقدان الأراضي التي يستخدمها حزب الله” .المؤشرات الميدانية تشير إلى أن إسرائيل تستعد لاجتياح واسع قد يستمر “بضعة أشهر” وفقاً للمصادر الأمنية الإسرائيلية . الحكومة اللبنانية، العاجزة عن حماية سيادتها، تطلب هدنة شهر واحد وتفاوضاً مباشراً، لكن إسرائيل ترفض أي مبادرات دبلوماسية . أكثر من 800 ألف نازح لبناني يدفعون ثمن هذه الحرب التي لم يكونوا طرفاً فيها، في مشهد يذكر بأيام الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.بينما تنشغل الأنظار بالحرب في إيران ولبنان، تواصل إسرائيل عملية “الضم الصامت” للضفة الغربية. في 11 فبراير 2026، عقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعاً مطولاً مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض، حيث ناقشا خططاً لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات . وزير المالية بتسلئيل سموتريش، زعيم الجناح الاستيطاني المتطرف في الحكومة الإسرائيلية، أعلن صراحة عن هدفه “بسط السيادة الإسرائيلية على كامل الضفة الغربية ومنع قيام دولة فلسطينية” .قرارات الحكومة الإسرائيلية الأخيرة تتضمن الموافقة على بناء 22 مستوطنة جديدة دفعة واحدة، في خطوة وصفتها الأوساط الدولية بأنها “الأكثر تطرفاً منذ عقود” . هذه السياسة تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي على الأرض بشكل لا رجعة فيه، بحيث يصبح أي حديث عن “حل الدولتين” مستحيلاً عملياً. غزة، التي خرجت للتو من حرب مدمرة استمرت 18 شهراً، تواجه مصيراً مجهولاً، حيث تخطط إسرائيل لإبقائها تحت حصار محكم ومنع إعادة إعمارها إلا بشروط سياسية تعني عملياً إنهاء أي دور للمقاومة فيها.ما يجعل المشروع الإسرائيلي ممكناً هو الدعم الأمريكي غير المحدود. إدارة ترامب لا تكتفي بتقديم الغطاء السياسي، بل تشارك عسكرياً في الحرب على إيران، وتوفر الذخيرة والمعدات للجيش الإسرائيلي، وتستخدم حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لحماية إسرائيل من أي إدانة دولية. تصريحات هاكابي الأخيرة كشفت أن هذا الدعم لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى رؤية أيديولوجية مشتركة بين الصهاينة المسيحيين في أمريكا واليمين المتطرف في إسرائيل . على الصعيد الدولي، تسعى إسرائيل لبناء تحالفات استراتيجية جديدة. في 26 فبراير 2026، وقّع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مع نتنياهو 16 اتفاقية تعاون ترفع العلاقات بين البلدين إلى مستوى “الشراكة الاستراتيجية الخاصة” . الهند، التي كانت تعتبر من أعمدة حركة عدم الانحياز وداعمة تقليدياً للقضية الفلسطينية، تتحول اليوم إلى حليف استراتيجي لإسرائيل، في تطور يعكس التحولات العميقة في النظام الدولي.
الخليج العربي لم يعد بمنأى عن التصعيد. إيران، التي تدرك أن دول الخليج أصبحت عملياً جزءاً من التحالف المناهض لها، وسعت هجماتها لتشمل الإمارات وقطر والبحرين، حيث تعرضت أهداف في دبي وأبوظبي والدوحة والمنامة لصواريخ ومسيّرات إيرانية . هذا التطور يحمل دلالة استراتيجية عميقة: إيران تتعامل مع دول الخليج باعتبارها “مناطق نفوذ إسرائيلية” يحق لها استهدافها، مما يعني عملياً أن هذه الدول لم تعد قادرة على البقاء على الحياد.
الخبراء والمحللين بدأوا يتحدثون عن سيناريو لم يكن مطروحاً قبل سنوات قليلة: تحول إسرائيل إلى “قطب” في نظام عالمي متعدد الأقطاب. صحيفة “الغارديان” نشرت تحليلاً يشير إلى أن “ما بعد هذه الحرب قد نشهد ميلاد إسرائيل كقوة إقليمية مهيمنة، بل وكأحد أقطاب النظام الدولي الجديد” . ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، تساءل في مقال له: “إذا تمكنت إسرائيل من تدمير القدرات العسكرية الإيرانية وإخضاع حلفائها، فهل سنشهد ولادة قوة إقليمية مهيمنة تفرض إرادتها على جيرانها؟” . هذا السيناريو يعني أن الشرق الأوسط سيتحول إلى “هلال خصوبة إسرائيلي” يمتد من النيل إلى الفرات، تشرف عليه تل أبيب عسكرياً وأمنياً واقتصادياً. الدول العربية ستصبح مجرد “كانتونات” تابعة، تمارس سيادة شكلية بينما القرارات الاستراتيجية الكبرى تتخذ في القدس. حرية الملاحة في مضيق هرمز والباب المندب وقناة السويس ستكون مرهونة بإرادة إسرائيلية. ثروات الخليج النفطية ستتحول إلى وقود للاقتصاد الإسرائيلي. وهذه ليست خيالات علمية، بل خطط تناقش في مراكز الأبحاث الإسرائيلية والأمريكية بجدية كاملة.
ما تشهده المنطقة اليوم هو أكثر من مجرد تصعيد عسكري عابر. إنه مشروع متكامل لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، تشارك فيه إسرائيل كقوة منفذة، والولايات المتحدة كراعية وغطاء، وبعض الدول العربية كمتفرجة عاجزة. المشروع يستهدف تفكيك الدولة الوطنية في العراق وسوريا ولبنان، وتصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي، وتحويل إيران إلى دولة فاشلة، وإخضاع الخليج للنفوذ الإسرائيلي.الغضب العربي والإسلامي الرسمي، رغم حدته في البيانات، يبقى عاجزاً عن وقف هذا المشروع. الدول العربية منقسمة بين خائف من إيران وخائف من إسرائيل، وبين مرتبط باتفاقات تطبيع لا يجرؤ على خرقه، وبين منشغل بأزماته الداخلية. في هذا الفراغ، تمضي إسرائيل قدماً في مشروعها، واضعة نصب عينيها حدوداً توراتية تتجاوز بآلاف الأميال حدودها المعترف بها دولياً.وكما حذر بيان الدول العربية والإسلامية، فإن “استمرار سياسات إسرائيل التوسعية وإجراءاتها غير القانونية لن يؤدي إلا إلى تأجيج العنف والصراع في المنطقة وتقويض فرص السلام” . لكن هذه التحذيرات، ما لم تترجم إلى أفعال حقيقية، ستبقى حبراً على ورق، بينما تتحول أحلام “إسرائيل الكبرى” إلى واقع يفرض على الجميع بالقوة والنار. المنطقة تقف على صفيح ساخن، والأيام المقبلة كفيلة بإظهار ما إذا كان العرب قادرين على قلب هذا المشروع، أم أننا سنشهد ولادة شرق أوسط جديد تحكمه تل أبيب وحدها.

