
ترامب يقول: إنه أوقف سبعة حروب. ولكن الكراهية بين بوتين وزيلينسكي في أقصاها ….
موسكو تعلن توقف المفاوضات مع نظام كييف بسبب الحرب في الشرق الأوسط وتعتبر زيلينسكي رئيسا غير شرعي وتدعو لإجراء انتخابات رئاسية في أوكرانيا … ..
عندما تنتصر روسيا في أي حرب تخوضها فهذا أمر طبيعي لا يتفاجأ أحد به … لأن روسيا أعدت العدة رجالا وسلاحا وإرادة، وهي تستغل قدراتها الاقتصادية بكونها دولة غنية بالنفط والغاز وتمتلك جغرافيا واسعة تفوق مساحة الولايات المتحدة والصين مجتمعة، يضاف إلى ذلك اعتماد السياسة الروسية على مبادئ الشرعية الدولية والتزام القيادة في الكرملين بالتعهدات التي تقطعها مع الدول الأخرى، الأمر الذي يرسخ الثقة والمصداقية بروسيا الاتحادية …
ولا شك أن هزيمة أوكرانيا أمام روسيا في الحرب الدائرة منذ الرابع والعشرين من شباط عام 2022 كانت ماثلة للعيان حتى قبل أن يطرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبادرة السلام الناجحة بعد قمة ألاسكا بينه وبين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 15 آب 2025، لأن روسيا تتفوق بأسلحتها التي لا قبل للغرب مجتمعا بمواجهتها، ولديها اقتصاد قوي وحلفاء يتمتعون بالمصداقية .. وكانت روسيا محظوظة بولاية ترامب الثانية خاصة أن الرجل وضع كل ثقله وجهوده لإنهاء الحرب وقدم مبادرة من ثلاثة آلاف صفحة تضم 28 بندا، وقطعت هذه المبادرة شوطا طويلا على طريق إنهاء الحرب في أوكرانيا بعد سلسلة اجتماعات ماراثونية سياسية وعسكرية قادها فريق التفاوض الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير بين الجانبين الروسي والأوكراني في أبو ظبي وجنيف وميامي في ولاية فلوريدا الأمريكية، عدا عن عشرات الاجتماعات الثنائية في موسكو وواشنطن. ولكن كل هذا الزخم والاهتمام توقف فجأة، وتراجع الاهتمام الأمريكي بأوكرانيا بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في الثامن والعشرين من شباط 2026. وكان هذا أمرا طبيعيا ومتوقعا ..
ورغم أن الحرب أصبحت بحكم المنتهية عمليا لصالح روسيا، إلا أن الأعمال القتالية لا تزال مستمرة في عدد من البلدات في إقليم دونيتسك، في ظل تنامي شعور بالهزيمة والمرارة التي يتجرعها الجانب الأوكراني والرئيس زيلينسكي، وقد وجد نفسه فجأة مهما لا قيمة له، حيث تطالب روسيا كييف بالعمل على تنظيم انتخابات رئاسية كشرط للتوصل إلى اتفاق نهائي، وتعتبر زيلينسكي رئيسا غير شرعي بعد انتهاء فترة رئاسته …
وبعد اندلاع الحرب، حاولت تركيا الدخول على خط الوساطة بين موسكو وكييف، وأعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان استعداد بلاده لاستضافة المفاوضات، غير أن القيادة الروسية تريد مواصلة العمل مع الجانب الأمريكي ومع إدارة ترامب، رغم أن هذه الإدارة منخرطة كليا في الحرب على إيران. إلا أن روسيا من جهتها وفور اندلاع الحرب في الشرق الأوسط بدأت جهودا دبلوماسية لكبحها ومنع امتدادها، ولم تجامل إدارة ترامب بل أدانت العدوان وأعلنت دعم إيران بالدفاع عن نفسها، واعتبرت أن إدارة ترامب في ورطة، وطلبت اجتماعا لمجلس الأمن وأدانت اغتيال المرشد الإيراني والقيادات الإيرانية. وعلى المقلب الآخر، عرض زيلينسكي على الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج إرسال مسيرات أوكرانية للقتال ضد إيران.
في هذه الأثناء، أقر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن روسيا تعمل على وقف الحرب ولا تدعم إيران بالطائرات المسيرة الروسية كما تروح الصحافة الغربية، وأكد خلال قمة السبع الكبار في باريس – والتي أظهرت خلافات عميقة بين الولايات المتحدة والناتو – أكد أن علاقات بلاده جيدة مع روسيا، رافضا الاتهامات بشأن دعمها لإيران…
وحول آفاق المبادرة الأمريكية بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا، فقد كان ترامب في خضم الحرب على إيران يتفاخر بأنه أوقف سبعة حروب في العالم، وأنه يقوم بعمل جبار وعظيم لإيقاف الحرب في أوكرانيا.. ووصف الناتو الذي رفض الدخول إلى جانب أمريكا في الحرب على إيران بأنه نمر من ورق، وقال: خاب أملنا في حلف شمال الأطلسي ورئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون …وقال: نحن نساعدهم وهم لا يساعدوننا.
ولا شك أن الحرب في الشرق الأوسط انعكست بشكل مباشر وعلى مختلف المستويات والمجالات على الوضع في أوكرانيا، خصوصا على جهود الوساطة التي تقودها واشنطن دون غيرها ..
وفي هذا المجال، ذكرت صحيفة إزفستيا في تقرير لها يوم الخميس السادس والعشرين من آذار أن الكرملين أكد توقف المحادثات بشأن أوكرانيا، وأن الحرب في الشرق الأوسط قد تدفع كييف إلى تقديم تنازلات، ذلك أن الخلافات بين أمريكا والناتو وصلت إلى مرحلة لا رجعة عنها بعد أن خذلت الدول الأوروبية وبخاصة بريطانيا وألمانيا وفرنسا الولايات المتحدة، ورفضت الدخول في حربها على إيران. وهذا ما جعل ترامب يعتبر هذا الموقف الأوروبي بمثابة خيانة.
وفي تعليقه على المفاوضات مع أوكرانيا، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف للصحفيين أن المفاوضات متوقفة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران “. وأضاف بيسكوف أنه بمجرد أن يتمكن “شركاؤنا الأمريكيون” من إيلاء مزيد من الاهتمام للشؤون الأوكرانية، تأمل موسكو في أن ينتهي التوقف المؤقت وأن تعقد جولة جديدة من المحادثات.
ويبدو أن تداعيات الحرب وآثارها الاقتصادية – وقد شل إغلاق مضيق هرمز الاقتصاد العالمي – بالإضافة إلى الغضب الذي عبر عنه ترامب تجاه الناتو، قد انعكس بشكل إيجابي على العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية. وقد أعلنت الأخيرة استعدادها للتعاون من أجل المساعدة على استمرار إمدادات الطاقة، وذلك فور إعلان إدارة ترامب رفع العقوبات عن روسيا والسماح باستيراد النفط والغاز الروسيين لكبح ارتفاع الأسعار. كما قام وفد برلماني روسي بزيارة واشنطن لأول مرة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وذلك لإحياء العلاقات الروسية الأمريكية التي اتسمت بالعداء خلال ولاية بايدن في الفترة الممتدة من العام 2020 وحتى العام 2024 قبل أن يغير ترامب مسار هذه العلاقات بالاتجاه الإيجابي، في وقت تتواصل المحادثات حول التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الولايات المتحدة، بقيادة المبعوث الرئاسي كيريل ديميترييف.
وربما تشكل أوكرانيا الغنية بالمعادن الثمينة والمنتجات الزراعية منطقة حيوية للاستثمارات المشتركة بين روسيا وأمريكا بعد إيقاف الحرب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، مع الإشارة إلى الاتفاق الذي وقعه ترامب مع زيلينسكي والذي يبدو اليوم في أسوأ حالاته منذ اندلاع الحرب، وذلك بعد انقطاع إمدادات الأسلحة الأمريكية عنه، والتذمر الأوروبي من دفع ثمن الأسلحة الأمريكية وصواريخ باتريوت والتي أصبحت واشنطن بأشد الحاجة إليها لاعتراض الصواريخ الإيرانية بدلا من تزويد نظام زيلينسكي الذي فقد شرعيته وراح يترنح تحت وقع الضربات العسكرية والسياسية والنفسية الروسية. فيما يستعيد الروس موقعهم ودورهم كدولة عظمى متوجة بالنصر والقوة والعزة، وتساهم في تحقيق التنمية والأمن والسلام. ولا يمكن للعالم بدون روسيا أن ينعم بالسلام، دون روسيا التي تستفيد من التطورات على الساحة الدولية وتستغل الخلافات بين إدارة ترامب وأوروبا لخدمة مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية. وتثبت روسيا أنها أمة عظيمة ومقتدرة، وقد وقفت أربع سنوات كاملة في مواجهة الغرب كله، وانتزعت من هذا الغرب انتزاعا نصرا تاريخيا، دون أن تتنازل أو تتراجع عن أهداف العملية العسكرية الخاصة في الدونباس قيد أنملة. وأكدت أنها ماضية حتى النهاية لتحقيق كامل أهداف هذه العملية تماما كما حددها الرئيس بوتين، وهي تحرير الدونباس واستعادة كامل المقاطعات الأربعة: دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزاباروجيا، بالإضافة إلى جزيرة القرم. وهذا ما أقرته إدارة ترامب وضمنته في المبادرة الأمريكية لإنهاء الحرب في أوكرانيا …
وفي النهاية، لا يصح إلا الصحيح. وقد أكد الرئيس ترامب أنه مستمر بالعمل على حل للأزمة، واعتبر أن الكراهية بين بوتين وزيلينسكي في أقصاها هي السبب في أنه لم يتمكن من وقف الحرب في أوكرانيا. وأشاد ترامب خلال كلمة له استمرت ساعتين في مؤتمر ميامي الاقتصادي بالرئيس بوتين الذي يعتبره صديقا وفيا وقويا، على عكس قادة أوروبا الذين وصفهم ترامب بأنهم جبناء …..
وكما يقول المثل: مصائب قوم عند قوم فوائد. … وروسيا التي لا تعرف الهزيمة ترسخ نفسها ليس كأقوى دولة في أوروبا فحسب، بل كإحدى القوى الدولية الأكثر تأثيرا ودعما للشرعية والسلام والأمن والتنمية في العالم. ربما تجد نفسها بعد الانتصار في أوكرانيا وتوقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تتربع عرش العالم دون منازع ……

