
تحمل زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع الرسمية إلى ألمانيا التي تحتضن قرابة مليون وثلاثمائة ألف من اللاجئين السوريين، برفقة وزير الخارجية أسعد الشيباني ووفد اقتصادي كبير، تحمل أهمية بالغة وأبعادا سياسية وإنسانية واقتصادية وأمنية واجتماعية، بعد أن كسرت سورية عزلتها عربيا وإقليميا ودوليا، وبعد أن رفعت الولايات المتحدة وأوروبا العقوبات عنها وأعادت السفارات افتتاح أبوابها في دمشق، ومنها افتتاح السفارة الألمانية في دمشق في آذار عام 2025 ……
وقد عكست الإجراءات الأمنية المشددة التي اتخذتها الشرطة الألمانية في العاصمة برلين، وحفاوة الاستقبال التي لقيها الشرع خلال اجتماعه مع الجالية السورية في مستهل الزيارة، ولقاءاته مع المستشار الألماني فريدريك ميرتس والرئيس الألماني شتاينماير، ومشاركته في مؤتمر رجال الأعمال السوري الألماني بحضور وزير الدولة للتعاون الاقتصادي الألماني نيلز أنين، عكست من ناحيتي الشكل والمضمون اهتمام الحكومة الألمانية وحرصها على إنجاح الزيارة التي جاءت بعد سلسلة زيارات قام بها المسؤولون الألمان إلى دمشق، ومن بينها الزيارات المتعددة لوزيرة الخارجية أنالينا بيربوك والتي كانت أول مسؤول أوروبي يلتقي الشرع في قصر الشعب بعد أيام من سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول عام 2024 …..
ورغم اشتعال نار الحرب في الشرق الأوسط، قام الرئيس أحمد الشرع بزيارة رسمية مؤجلة إلى ألمانيا، ذلك أن تأجيلها للمرة الثانية كان مدعاة للقيل والقال وفئة من يريدون الصيد بالماء العكر لتشويه مقاصدها وأهدافها. ورغم كل هذه الظروف ووجود تيارات وأحزاب ألمانية من اليمين ومن اليسار تدعو إلى ترحيل اللاجئين قسرا، إلا أن الزيارة الرسمية تمت وسط اهتمام إعلامي لافت ووسط إجراءات أمنية مشددة اتخذتها الشرطة الألمانية في العاصمة برلين.
ومع كل مظاهر الحفاوة الألمانية خلال استقبال الشرع، إلا أن الملفات التي تم بحثها وفي مقدمتها ملف اللاجئين والاستثمارات والأقليات لا تزال الشكوك تحيط بنتائجها بسبب ضعف وبطء الاستجابة الألمانية للمتطلبات السورية الملحة.
ويلخص المؤتمر الصحفي المشترك بين الرئيس أحمد الشرع والمستشار الألماني فريدريك ميرتس جوهر الزيارة التي هيمن عليها ملف اللاجئين. ودعا ميرتس إلى تهيئة الظروف لإعادتهم إلى سورية، وتحدث عن إجراءات عملية وعن اتفاق لزيارة وفد ألماني من وزارة الداخلية إلى دمشق لبحث هذا الملف بالتفصيل مع الحكومة السورية. وأكد المستشار الألماني أن بلاده استفادت من الخبرات التي يمتلكها السوريون، الذين انصهر منهم 250 ألفا داخل المجتمع الألماني بعد أن أتقنوا اللغة وحصلوا على الجنسية الألمانية. فيما أكد الرئيس الشرع على مسألة الهجرة الدائرية وإمكان قيام السوريين الذين حصلوا على جنسية ألمانية بأن يقوموا بزيارات دورية إلى سورية ويساهموا في إعادة إعمارها من جديد …
المؤتمر الصحفي أظهر إلحاحا ألمانيا على إعادة جزء من اللاجئين الذين لا يحملون جنسية ألمانية ولم يحصلوا على بيان إقامة قبل سقوط نظام بشار الأسد، وأشار إلى تشكيل فرق عمل بين وزارتي الداخلية في سورية وألمانيا لتنفيذ هذه الإجراءات، وإلى وجود فئة من اللاجئين وخاصة الجناة منهم سيتم ترحيلهم بسرعة. فيما سيتم وضع خطة ممنهجة لإعادة 80 بالمئة من اللاجئين في مراحل متقدمة بعد أن تستعيد سورية عافيتها… مؤكدا أنه بعد عودة الأمن والاستقرار إلى سورية لم يعد هناك مبررا لمسألة اللجوء الإنساني .. وأكد ميرتس أن اللاجئين العائدين سيلعبون دورا هاما في إعادة الإعمار …
ومع أن إعادة الإعمار في سورية تحتاج إلى أموال كبيرة تتجاوز كما قال الرئيس الشرع 400 مليار دولار، فقد نصح المستشار ميرتس سورية بالتعامل مع صندوق البنك الدولي، مع العلم أن سورية لم يسبق لها أن استدانت من البنك. ذلك أن إعادة الإعمار ليس قرارا اقتصاديا وإنما هو قرار سياسي. ورغم امتلاك ألمانيا قدرات هائلة اقتصادية وتجارية ورأس مال للاستثمار، ورغم حاجتها للسوق السورية التي أصبحت بعد انتصار الثورة أكثر أمانا واستقرارا وجذبا للاستثمارات بعد قرار رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية، وبعد أن كسرت سورية عزلتها من خلال الانفتاح على الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا والخليج وتركيا…. إلا أن النزاعات في الشرق الأوسط والحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، والحروب الإسرائيلية ضد دول المنطقة، تنعكس بشكل سلبي على الاستثمارات الألمانية في سورية، رغم وجود أرضية ومقومات يشكل اللاجئون السوريون قاعدة لها …
ويرى المحللون أن ألمانيا يمكنها أن تساهم في إعادة الإعمار بشكل جزئي من خلال زيادة الاستثمارات التي بدأت فيها بعض الشركات الخاصة الألمانية، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تمسك بمفاتيح اللعبة في سورية دون غيرها، وأن سورية تحتاج مثل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية إلى مشروع مارشال لإعادة إعمار ما دمرته الحرب ..
وعلى عكس الاستقبال الحافل والحفاوة التي لقيها الشرع في ألمانيا، فقد كان لافتا حالة الجمود التي اتسم بها المؤتمر الصحفي الذي غابت عنه روح المشاعر الجياشة والمجاملات بين الرئيس الشرع والمستشار ميرتس. فقد أظهر المؤتمر الصحفي تباينات واضحة بشأن مقاربة ملف اللاجئين بين دمشق وألمانيا. ذلك أن ألمانيا التي تضغط على الحكومة بشأن المكونات السورية، لا تزال هي نفسها تمتنع عن قبول طلبات اللجوء الجديدة لأسباب طائفية بحتة، كما كانت خلال الثورة السورية ترفض الأشخاص لمجرد انتماءاتهم الطائفية. فيما تعارض الحكومة السورية إعادة اللاجئين قسرا وترفض ترحيلهم عن ألمانيا بسبب ما تعانيه سورية من ضعف في الإمكانيات، كما ترفض الضغوط عليها بشأن الأقليات، حيث أن زيارة الشرع تزامنت مع هجوم مسلح من جماعات متطرفة على مدينة السفيلبية لترويع المسيحيين فيها…..
وأكد المستشار الألماني أن الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي هما شرطان لإعادة الإعمار في سوريا …
وبالإضافة إلى ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا والاستثمارات الألمانية الخجولة والمحدودة في سورية، فقد أكد الرئيس الشرع لدى سؤاله عن موقع سورية الهام بعد إغلاق مضيق هرمز لتوريدات الطاقة وسلاسل الإمداد وصولا إلى الاتحاد الأوروبي، أكد على ضرورة استغلال هذا الموقع وأشار إلى أن هذا الموضوع يجري بحثه مع العواصم المعنية الإقليمية والدولية.
ومن الملفات التي لا تغيب عن أي اجتماع بين سورية والدول الأجنبية هو تعاطي الحكومة مع المكونات السورية من أكراد ودروز وعلويين ومسيحيين. وكان هذا الملف حاضرا بقوة في المؤتمر الصحفي، حيث أكد الرئيس الشرع أن سورية أصدرت سلسلة قرارات لتطمين هؤلاء الأقليات، وتم منح الأكراد كامل حقوقهم. وأشار الرئيس الشرع إلى أن القانون السوري يكفل حقوق جميع الأقليات، وأن السوريين يعيشون مع بعضهم البعض منذ مئات السنين. وحمل النظام البائد المسؤولية عن تفشي الطائفية والانقسام داخل سورية ..
ومع انكشاف التباين بين دمشق وبرلين حول موضوع اللاجئين، فإن الخلاف كان كبيرا حول مقاربة الحرب الدائرة في الشرق الأوسط. فقد أدان الرئيس الشرع الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، فيما دعا المستشار الألماني إلى وقف القتال وإيجاد حل للأزمة وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية .. وقد امتنعت ألمانيا من تقديم الدعم للولايات المتحدة وإسرائيل، وهي تعمل للتوسط بين الجانبين لإيقاف القتال وفتح مضيق هرمز وخفض أسعار الطاقة …
لا يمكن أن نضع عنوانا بارزا للزيارة الرسمية الهامة التي قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع – وهي الأولى لألمانيا بعد انتصار الثورة – إلا عنوان اللاجئين السوريين الذين برعت ألمانيا دون غيرها من الدول في استقبالهم واستغلالهم والاستفادة منهم، واستحقت الشكر والاحترام على ذلك. مع أن ألمانيا دولة عجوز تعاني نقصا في النمو السكاني. واللاجئون السوريون المبدعون من فئة الشباب يعملون كأيدي رخيصة، وهناك عشرات الآلاف من المثقفين والعمال الماهرين يعملون في مهن مختلفة، فضلا عن وجود أكثر من عشرة آلاف طبيب سوري يقومون بنفس العمل الذي يقوم به الأطباء الألمان ولكن بأجور أقل بكثير.
ومهما يكن من أمر، فإن زيارة الشرع ألمانيا – والتي سيكملها ضمن جولة أوروبية سيزور خلالها بريطانيا – جاءت ضمن سياسة انفتاحية على دول العالم، وذلك بعد زيارته إلى الولايات المتحدة وفرنسا العام الماضي، وبعد قيامه بزيارتين هامتين إلى روسيا الاتحادية. ومن المؤكد أن نتائج زيارة الرئيس الشرع إلى ألمانيا سوف تساهم في تعزيز الاستقرار والأمن واللحمة الوطنية، وترسيخ الدور المحوري لسورية التي نجحت في كسر عزلتها التي استمرت خمسة عشر عاما، وفي رسم سياسة تتسم بالانفتاح والتوازن والسلام مع جيرانها والعالم ….

