
كل الطرق تؤدي إلى موسكو … اتصالات روسيا مكثفة لوقف الحرب وكبح التصعيد في الشرق الأوسط ….
****
يسارع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين – رغم حملة الترويج في وسائل الإعلام بأن روسيا المستفيد الأول من الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط لتشويه مقاصد السياسة الروسية القائمة على السلام والقانون الدولي – يسارع إلى الدخول إلى قلب الصراع ويستنفر كل الجهود الروسية في الكرملين ووزارة الخارجية من أجل خفض التصعيد ووقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من منظور المسؤولية التاريخية والعلاقات التي تربط بين روسيا وكل من دول الخليج وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وتوظيف هذه العلاقات لخدمة السلام وتغليب الحل السياسي على الحل العسكري، وإعادة الاستقرار إلى أسواق النفط العالمية من خلال العمل على فتح مضيق هرمز والتنسيق بين موسكو والرياض لضبط الأسعار وتحقيق سلاسل توريد منتظمة، والعمل على وقف التصعيد وكبح محاولات توسيع الصراع إلى دول المنطقة ….
وفي هذا الإطار، أجرت موسكو اتصالات مع السعودية باتجاهين سياسي وطاقوي. وقد أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال اتصال هاتفي بعد خطاب ترامب التصعيدي يوم الخميس الثاني من نيسان 2026 ضرورة إنهاء الأعمال العدائية في الشرق الأوسط سريعا، معربين عن قلقهما البالغ إزاء تدهور الوضع العسكري والسياسي. كما شددا على أهمية العمل في إطار تحالف أوبك بلاس لتحقيق استقرار سوق النفط العالمي….
مروحة الاتصالات الروسية المكثفة تقاطعت مع الجهود التي تبذلها مصر وباكستان وتركيا والسعودية ضمن الاجتماعات الرباعية لدعم المبادرة الباكستانية التي قطعت أشواطا في خلق تواصل ونقل رسائل وخطط، إلا أن هذه الاتصالات لم تسفر عن أي اختراق. كما طرحت باكستان مع الصين مبادرة من أجل وقف العدوان الأمريكي على إيران وإعطاء ثقل دولي لمبادرتها، ولكن دون تحقيق أي نتائج ملموسة …
وهنا نشير إلى أن الاتصالات الروسية لم تقتصر على الرياض حيث ترتبط الدولتان بعملية تعاون وتنسيق كدولتين مصدرتين للنفط. فقد التقى الرئيس بوتين مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي بعد يومين من الاتصال الهاتفي بين الرئيس بوتين ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي. وأكد الوزير المصري بعد مباحثاته في الكرملين وجود تنسيق بين مصر وروسيا لمعالجة الأزمات في المنطقة، مشيرا إلى التعاون بين موسكو والقاهرة لوقف التصعيد. وأكد أن أهداف روسيا ومصر مشتركة لأنهما تحذران من خطورة استمرار الحرب وتوسعها لتشمل الإقليم كله، وهي حرب خطيرة على كل الأطراف لجهة تأثيرها الاقتصادي.
ومع أن التقييم الروسي للحرب وتوصيفها بالعدوان الأمريكي على إيران، إلا أن لروسيا مسؤولية لوقف الحرب لأن تكلفتها ستكون كبيرة على الجميع بسبب إغلاق مضيق هرمز. ولهذا يحاول الروس استغلال علاقاتهم الجيدة مع جميع الأطراف لخلق مناخ إيجابي وانفراجة، انطلاقا من قناعة موسكو بأن الحرب كارثة على العالم واقتصاده وتنميته، والشعور بأن إدارة ترامب تمر بورطة، وأنه حان الوقت لمد يد المساعدة لإخراجها منها لصالح الأمن والسلام ومن أجل منع كارثة اقتصادية عالمية بسبب ارتفاع الأسعار وإغلاق مضيق هرمز …..
ويرى مراقبون أن الرئيس بوتين يعتبر الوحيد الذي تسمح علاقاته الوثيقة مع الرئيس ترامب ومع رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو ومع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ومع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالعمل على تقريب المواقف وطرح المبادرات للعودة إلى المفاوضات. وهذه العلاقات تسمح له بلعب دور حاسم لوقف الحرب. مع التذكير أيضا إلى أن روسيا دعت إلى عقد قمة عربية روسية لتعزيز التعاون بين الدول العربية وموسكو وذلك بعد سقوط نظام الأسد في سورية، من منطلق الأهمية التي تعطيها الدبلوماسية الروسية للعلاقات مع الدول العربية، وبخاصة مع مصر والسعودية. ومن المعروف أن علاقات استراتيجية وتاريخية تربط القاهرة وموسكو، ويشكل التوافق المصري الروسي والأهداف المشتركة بين الدولتين دعامة أساسية للتعاون. ويمكن للعاصمتين أن تستخدما نفوذهما وعلاقاتهما الدولية من أجل التأثير الإيجابي باتجاه الضغط لوقف الحرب التي تتجه أكثر فأكثر إلى المزيد من التصعيد. كما أن العلاقات الروسية الخليجية شهدت قفزة كبيرة بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا عندما رفضت السعودية زيادة إنتاجها لتخفيض أسعار النفط، وتلاقت بهذا الموقف مع روسيا ضد الإرادة الأمريكية … .
ومع استمرار الجهود الروسية مع الأطراف المنخرطة في الحرب، فإن الاتصالات المكثفة وشبه اليومية بين موسكو وطهران تؤكد على وقوف موسكو إلى جانب إيران لتجاوز هذه الأزمة الخطيرة. حيث تحاول الولايات المتحدة إحراج إيران والعمل على إصدار قرار من مجلس الأمن لفتح مضيق هرمز، إلا أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أكد في اتصال هاتفي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف – الذي تتمتع بلاده بحق الفيتو – أن إصدار قرار دولي بشأن مضيق هرمز لا يحل المشكلة بل يصبح جزءا منها….
وفي المواقف الروسية المناهضة للحرب، أكد نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف في مقابلة مع مركز ناس التحليلي أن العالم يمر بمرحلة تتضمن وجودا شديدا لأسباب الصراع، وشدد على أنه سيثبت في نهاية المطاف عدم فعالية استخدام القوة المسلحة. وأشار إلى أن واشنطن تقوم بأنشطة لتخريب القانون الدولي وتتجاهل الأسس الجوهرية لعمل النظام الدولي.
وجاءت تصريحات ريابكوف بعد أيام قليلة من تحذيرات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من أن الولايات المتحدة تعمل على دق إسفين وإشعال حرب بين إيران وجيرانها.
ويتابع لافروف، من منطلق المسؤولية التي تتحملها روسيا كدولة عظمى في العمل على المحافظة على السلم والأمن الدوليين، يتابع أولا بأول تطورات الحرب وتداعياتها الخطيرة. …فقد اعتبر لافروف أن الولايات المتحدة وإسرائيل تحاولان تأليب الدول العربية في الخليج ضد إيران.
وقال لافروف في اجتماع أعضاء المجلس الروسي للشؤون الدولية: “تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل منع التطبيع بين إيران وجيرانها، بل وتحريض أعضاء مجلس التعاون الخليجي ضد الجمهورية الإسلامية”.
وحذر لافروف من أن “الأزمة في الخليج قد تتصاعد إلى صراع أكبر والذي وصفه البعض بالفعل بأنه حرب عالمية جديدة”.
وجدد لافروف التأكيد على استعداد روسيا لتقديم الوساطة وغيرها من أشكال المساعدة لحل الأزمة في منطقة الشرق الأوسط عبر القنوات الدبلوماسية.
من جانب آخر، أكد الوزير الروسي أن روسيا تعتزم الضغط بقوة لتنفيذ أي اتفاقيات مستقبلية من قبل مختلف الدول…..
يتطابق الموقف الروسي مع المواقف الصينية الداعية إلى فتح مضيق هرمز وإلى وقف الحرب التي أشعلتها إدارة ترامب ضد إيران. وفي هذا المجال، تبنت بكين مع إسلام آباد خطة من خمس نقاط من أجل وقف الحرب. غير أن الرئيس الأمريكي لم يرسل وفدا إلى إسلام آباد للتفاوض، كما أن إيران لم تفعل ذلك، ما يضع المزيد من علامات الاستفهام حول الجدوى من الوساطة الباكستانية النشطة والتي جمعت وراءها دولا عديدة تدعو للسلام والحل الدبلوماسي مثل تركيا والسعودية ومصر والصين …. وكان من المقرر أن يترأس الوفد الأمريكي نائب الرئيس جي دي فانس، غير أن الخلافات الداخلية داخل إدارة ترامب حالت دون ذلك .. فيما لعبت تصريحات ترامب المتناقضة والتضارب دورا في التشويش على جهود السلام ..
ويبقى الأمل معقودا على الجهود الروسية التي يقوم بها الرئيس بوتين والوزير لافروف، والتي تتجاوز وتتخطى محاولات التشويش الغربية على الموقف الروسي بالقول إن الحرب تخدم المصالح الروسية. مع الإشارة إلى أن موسكو كانت منذ البداية تدعو إلى السلام وتحذر من عودة الحرب بين واشنطن وطهران، واعتبرت أن تداعيات الحرب الاقتصادية والسياسية على المنطقة لا يمكن مقارنتها بأي شكل بالمنافع المؤقتة التي تحصل عليها روسيا جراء ارتفاع أسعار النفط وإغلاق مضيق هرمز. حيث تهدف الدبلوماسية الروسية الواضحة إلى العمل بكل السبل من أجل ترسيخ نظام عالمي جديد لا مكان فيه للهيمنة الأمريكية. وقد تميزت روسيا من بين جميع دول العالم بتوصيف الحرب بأنها عدوان أمريكي إسرائيلي على إيران. ولا شك أن توصيف روسيا هذا يحمل معاني تاريخية، ويؤكد أن روسيا لا تخشى في قول الحقيقة لومة لائم، خاصة بعد أن أظهرت الأحداث في الداخل الأمريكي على وجه الخصوص وجود انقسام حاد وكبير ليس فقط بين الحزبين الجمهوري الحاكم والديمقراطي المعارض، وإنما وجود خلافات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية البنتاغون. وهذا الخلاف ظهر جليا بعد قرار وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بعزل رئيس أركان الجيش الأمريكي واثنين من كبار الضباط، وذلك بعد ساعات من خطاب ترامب التصعيدي في الثاني من نيسان، وفي خضم الجهود الدولية المتسارعة لوقف التصعيد، وفي مقدمتها الجهود التي يتولى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القيام بها بشكل شخصي.
والسؤال: هل تستطيع موسكو بعلاقاتها مع القاهرة والرياض وطهران وواشنطن كسر جبل الجليد الذي لا يظهر منه إلا القليل القليل، وتجنب العالم ويلات وتداعيات استمرار الحرب سياسيا واقتصاديا… أم أن زهور ترامب ستقود منطقة الشرق الأوسط والعالم إلى ما لا تحمد عقباه؟

