
اتفاق لوقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران.. وفيتو روسي صيني يقلب السحر على الساحر ……
بعد أربعين يوما من الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وبين إيران وحلفائها في لبنان واليمن والعراق من جهة ثانية، تمكن رئيس وزراء باكستان شهباز شريف ووزير الدفاع الباكستاني الجنرال عاصم منير، بعد وساطة استمرت أسابيع بدعم ومساعدة من مصر وتركيا والسعودية، من التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران يشمل جميع الجبهات.
جاء ذلك على إيقاع الفيتو الروسي الصيني ضد مشروع قرار تقدمت به بريطانيا والبحرين ويهدف إلى فتح مضيق هرمز بالقوة تحت الفصل السابع وإلى شرعنة الحرب الأمريكية الإسرائيلية غير القانونية ضد إيران.
ولم تمض ساعات قليلة بعد استخدام الفيتو المزدوج، حتى تغيرت معادلة الصراع برمتها وتبدل مشهد الحرب، وتحول إلى مشهد للسلام. وأعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبول كل من الولايات المتحدة وإيران وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين ابتداء من صباح الأربعاء الثامن من نيسان 2026، وحدد شهباز يوم الجمعة الحادي عشر من نيسان موعدا لعقد مفاوضات مباشرة بين أمريكا وإيران في إسلام آباد للتوصل إلى اتفاق سلام دائم … ….
وجاء الفيتو الروسي الصيني لمنع واشنطن من التمادي في حربها ضد إيران والإمعان في الاستهتار بالقانون والقيم الإنسانية، وتأكيدا على حرصهما على تعزيز وترسيخ القانون الدولي وعدم السماح لأمريكا بشرعنة حربها الظالمة وغير القانونية على إيران ….
وجاء إعلان وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران بعد أربعين يوما من القتال والقصف المتبادل، وقبل انتهاء المهلة التي منحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لطهران لفتح مضيق هرمز بساعتين. وكانت المهلة تنتهي الساعة الثامنة مساء الثلاثاء السابع من نيسان، إلا أن باكستان نجحت وسط عاصفة الانتقادات الداخلية والخارجية التي هبت بوجه الرئيس ترامب إلى حد تقديم عدد من أعضاء الكونغرس اقتراحا بعزله من منصبه، وذلك بعد تصريحاته المشينة والتي هدد فيها بإفناء الحضارة الإيرانية وإعادة إيران إلى العصر الحجري. ولكن كل هذا الجو العاصف تبدل فجأة وانقلب السحر على الساحر، ونجحت إسلام آباد في التوصل إلى اتفاق هدنة لمدة أسبوعين بين واشنطن وطهران بعد مفاوضات شاقة ومعقدة، تبادلت خلالها واشنطن وطهران في خضم التصعيد العسكري الرسائل والاقتراحات، وشاركت أطراف إقليمية كمصر وتركيا والسعودية في الاتصالات التي جرت تحت ضغط الوقت وعلى نار حامية….
وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط تحبس أنفاسها على إيقاع تهديدات الرئيس ترامب الأهوج والمتهور ضد إيران لإرغامها على فتح هرمز، كان العالم على المقلب الآخر يتندر بتصريحات ترامب ويعتبرها بمثابة جريمة حرب ضد الإنسانية… خاصة أن ذاكرة الشعوب في الشرق الأوسط والعالم عن الحرب غير الشرعية وغير القانونية التي أشعلها ترامب نفسه ضد إيران بتحريض من إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو لا تزال تسجل طوال أربعين يوما المزيد من المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي بالشلل جراء إقفال إيران مضيق هرمز، ولا تزال تطفح بمعاناة وعذاب وآلام ملايين البشر، وبخاصة دول الخليج التي كانت تنطلق منها الصواريخ الأمريكية ما استدعى الرد الإيراني، في وقت كانت إيران من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها تتعرض لموجات متواصلة من الغارات الإسرائيلية والأمريكية بلغ عددها أكثر من 17 ألف غارة وصاروخ أمريكي عدا عن الغارات الإسرائيلية، ما أدى إلى مقتل خمسين من القادة الإيرانيين السياسيين والعسكريين وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي الخامنئي، وإلى استشهاد 170 طفلة في مدرسة ابتدائية في غارة أمريكية واحدة في الأيام الأولى للحرب، عدا عن عشرات آلاف القتلى والمصابين من النساء والأطفال، بالإضافة إلى الدمار الذي لحق بمئات آلاف الشقق السكنية والمنشآت والجسور والمصانع والمطارات والمقرات والثكنات والمواقع العسكرية والأمنية، وعلى وجه الخصوص مقرات الحرس الثوري الإيراني. وزد على ذلك تهديد ترامب بقصف محطات الكهرباء والمياه إلا أنه توقف في اللحظة الأخيرة بعد أن أصبح حديث القاصي والداني بصفته منفصلا عن الواقع. وقد انخفضت شعبيته في الداخل الأمريكي وفقد حلفاءه في الخارج…
الفيتو الروسي الصيني المشترك وامتناع باكستان عن التصويت في مجلس الأمن أرسل رسالة قوية إلى واشنطن وإسرائيل مفادها أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران غير قانونية وغير شرعية، وأن إيران ليست وحدها في هذه الحرب. وكان ذلك بمثابة رد مشترك من طهران وموسكو وبكين في خضم تصعيد عسكري غير مسبوق، وفي وقت كانت الحياة في إسرائيل قد تحولت إلى جحيم جراء استمرار سقوط الصواريخ على المدن والمناطق والمستوطنات الإسرائيلية. حيث تولت إيران قصف تل أبيب وحيفا بصواريخها العنقودية الدقيقة، فيما حول حزب الله اللبناني منطقة الشمال في إسرائيل إلى ساحة معركة لا يمكن العيش فيها، وتكفل الحوثيون في اليمن بعد دخولهم الحرب متأخرين ثلاثين يوما بقصف جنوب إسرائيل بدفعات من الصواريخ المدمرة، وسط عجز الدفاعات الجوية عن التصدي لها، ما تسبب بخسائر كبيرة جعلت سبعة ملايين إسرائيلي طوال 40 يوما داخل الملاجئ لا يسمعون سوى صفارات الإنذار ….
هي حرب الأربعين يوما لا تشبه أي حرب سابقة، لا في الشكل ولا في المضمون ولا في النتائج، حيث أن تأثيراتها شملت دول العالم، ولم تبق دولة في الشرق الأوسط وخارجها إلا وأصابها وابل من هذه الحرب، فارتفعت أسعار النفط والغاز والنقل والسلع، وهذا كان بمثابة جرس إنذار عن اقتراب الخطر وشلل النشاط الاقتصادي والتجاري والصناعي. لكن ترامب الرئيس التاجر الذي يهوى عقد الصفقات كان يستطيع أن يتحمل لسنوات الحديث عن الملف النووي الإيراني، ولكنه لم يتحمل لعبة عض الأصابع مع إيران بعد إغلاق مضيق هرمز، واعتبر أن فتح المضيق يمثل انتصارا كبيرا لأمريكا، مع العلم أن المضيق بقي طوال الحروب التي شهدها الخليج سابقا مفتوحا ولم تغلقه إيران أبدا …
الوساطة الباكستانية والضغوط الداخلية والخارجية على الرئيس ترامب واستمرار المقاومة الإيرانية ومعركة أصفهان التي قصمت ظهر البعير، كل هذا أرغم ترامب على وقف إطلاق النار. بعد أن رفضت إيران الخطة الأمريكية المكونة من 15 بندا وردت عليها بخطة مؤلفة من عشر نقاط أرسلتها إلى إسلام آباد. وبعد مباحثات بين الرئيس ترامب ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف وقائد الجيش الجنرال عاصم منير حول الشروط الإيرانية، وكان المناخ سلبيا ولم يكن أحد يتوقع أن يقبل ترامب بالشروط الإيرانية، ولكن ترامب فاجأ الجميع وأعلن قبوله بوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين وفق الاقتراح الباكستاني، على أن تبدأ المفاوضات في إسلام آباد الجمعة 11 نيسان بهدف التوصل إلى اتفاق سلام دائم وليس مؤقت بين أمريكا وإيران، يتضمن التزام أمريكا بعدم مهاجمة إيران من جديد، بالإضافة إلى تعهدها برفع كامل العقوبات والإقرار بمسؤوليتها عن إشعال الحرب، ودفع تعويضات لإيران، في مقابل التزام إيران بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية وعدم السعي لصناعة قنبلة نووية.
وفيما كانت إيران تحتفل بوقف إطلاق النار والانتصار على الغطرسة الأمريكية وتؤكد أن حضارتها الضاربة في القدم والتي هدد ترامب بإفنائها باقية إلى الأبد، فإن الأطراف والدول الأخرى في الحرب كانت كل دولة في حال مختلف. فالعراق كان يحتفي بوقف إطلاق النار، أما لبنان فكان لا يزال تحت النار. وقد هاجمت إسرائيل بوحشية لبنان وقصفته بعنف، ومنعت آلاف النازحين الذين اندفعوا منذ صباح الأربعاء 8 نيسان للعودة إلى قراهم وبلداتهم، وطال القصف بعشرات الغارات بيروت والضاحية الجنوبية ومناطق الجنوب وصور وصيدا ومناطق بعلبك والهرمل. وفي تعليقها على خرق إسرائيل للهدنة، أعلنت إيران أنها ستنسحب من اتفاق وقف إطلاق النار في حال استمر خرق إسرائيل له بمهاجمة لبنان. فيما أعلن رئيس الوزراء الباكستاني أن انتهاكات وقف إطلاق النار تقوض روح عملية السلام، في إشارة إلى الخروقات الإسرائيلية …
ومع سقوط ترامب بالضربة القاضية في الحرب مع إيران بعد معركة أصفهان والفيتو الروسي والصيني واستمرار سقوط الصواريخ على القواعد الأمريكية وإسرائيل، فإن السؤال: هل سيسقط أيضا في اختبار السلام في إسلام آباد؟ خاصة وأن ترامب بدأ لعبة التشويش على المفاوضات وعرقلتها قبل أن تبدأ، فقد تذرع ترامب بأن نائبه جي دي فانس لن يتمكن لأسباب أمنية من ترأس الوفد الأمريكي إلى مفاوضات السلام مع إيران في إسلام آباد.
ويبدو أن موقف ترامب هذا محاولة لإظهار التشدد، حيث يتصف فانس بالليونة وبمعارضته للحرب التي شنتها ترامب. ومن الواضح أن ترامب يتجه لإبقاء الوفد الأمريكي المكون من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير صهره، وربما يرسل وزير الخارجية ماركو روبيو بدلا من فانس بسبب غيرته منه بعد أن ثبت أنه بمعارضته للحرب على إيران كان في الجهة الصحيحة….
ولا شك أن نجاح باكستان كوسيط وساعي بريد ناجح في وقف إطلاق النار سيشكل حافزا لها لتحقيق اختراق في مفاوضات السلام والتوصل إلى اتفاق سلام دائم بين الولايات المتحدة وإيران. ومن المحتمل أن يكون المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي طرفين أساسيين في صياغة أي اتفاق، بغض النظر عمن يترأس الوفدين. وقد توصلا معا خلال جولات المفاوضات الثلاث في مسقط وجنيف إلى تفاهمات حول الكثير من القضايا، ولكن ترامب ونتنياهو دمرا المفاوضات بإعلانهما شن الحرب على إيران في الثامن والعشرين من شباط 2026….
بين حرب الاثني عشر يوما في حزيران 2025 بين إسرائيل وإيران … وحرب الأربعين يوما بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران وحلفائها في اليمن ولبنان والعراق من جهة ثانية، حدثت تغيرات وتحولات كبرى. فقد أعلنت روسيا مرارا أنها لا تقف على الحياد في الحرب، وأدانت الهجوم الأمريكي على إيران واعتبرته عدوانا، وأكدت أن الحرب غير شرعية، وأسقطت القرار حول مضيق هرمز في مجلس الأمن والذي كان ترامب يعتبره في حال تم إقراره بمثابة انتصار كامل لبلاده على إيران. ولكن الدب الروسي وقف مع التنين الصيني إلى جانب الأسد الإيراني، وكبلوا الثور الأمريكي بالأصفاد، ومنعوه من تحقيق النصر، وحافظوا على مكانة وهيبة مجلس الأمن بصفته منبرا للعدالة وليس أداة لشرعنة الحرب غير القانونية على إيران…..

