
تركيا تدخل بمشروعها من الباب، وإسرائيل بعدوانها من الشباك… وسورية ساحة صراع لا ينتهي…..
فيما تسارع تركيا إلى دعم حكومة دمشق لاستعادة سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية في الشمال وتنفيذ اتفاق 29 يناير 2026، فإن تصرفات حكومة نتنياهو الإسرائيلية المتطرفة على عكس ذلك في الجنوب السوري تسعى إلى تفتيت الجغرافيا السورية وضرب الاستقرار وتعليم الفوضى وترهيب السكان وتعميق الانقسام……
ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في المنطقة، اتسع التأثير التركي على الساحة السورية بشكل ملحوظ، وقامت وفود تركية وسورية عديدة بزيارات متبادلة، وأصبح التعامل بالليرة التركية إلى جانب الليرة السورية والدولار شائعا ودليلا على قوة النفوذ والتأثير السياسي والاقتصادي التركي على الساحة السورية، الأمر الذي يلقى قبولا رسميا وشعبيا طالما أن تركيا تسعى إلى وحدة سورية. حيث تنظر الحكومة السورية إلى الدور التركي بإيجابية كاملة، وتتعاون بشكل وثيق وتنسق خطواتها مع حكومة أردوغان في أنقرة من أجل إعادة الأمن والاستقرار إلى مناطق الشمال بالدرجة الأولى وتنفيذ اتفاق 29 يناير 2026 بين حكومة دمشق وقسد …
فبعد تعيين سيبان حمو القيادي في قوات سورية الديمقراطية معاونا لوزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة للمنطقة الشرقية، والاتفاق على دمج القوات العسكرية والأمنية الكردية مع الجيش والأمن في وزارتي الدفاع والداخلية، نجحت حكومة الشرع في إتمام عملية تبادل الأسرى والمعتقلين بأعداد كبيرة وعملية إعادة المهجرين الأكراد إلى مناطقهم في عفرين ورأس العين، الأمر الذي انعكس ارتياحا وثقة في الشارع السوري مع تحسن ملحوظ للوضع الأمني الاقتصادي في الشمال، وذلك بعد سلسلة اجتماعات بين المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش وقيادات قسد نتج عنها عودة عشرات الأسر الكردية إلى منطقة عفرين التي تضم عشرات القرى الكردية، فيما يستعد المهجرون من أهالي منطقة رأس العين في شمال شرق سوريا للعودة إلى بلدتهم تنفيذا لاتفاق يناير الماضي الموقع بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”. بالإضافة طبعا إلى تحسن الخدمات ومناقشة التعليم والصحة وسيطرة الدولة على السجون.
ولم يقتصر الدور التركي على دعم خطوات الحكومة لاستعادة الأمن والاستقرار في الشمال، ولكن التأثير التركي على حكومة دمشق ظهر جليا من مجمل الحياة السياسية والأمنية والاجتماعية والإنسانية، بالإضافة إلى التعاون الاقتصادي واستضافة تركيا لملايين السوريين والنازحين الذين حصل مئات الآلاف منهم على جنسيات تركية. وبعد انتصار الثورة حصلوا على مواقع قيادية، وهؤلاء عمليا هم الذين يقودون سورية في هذه المرحلة ويحتلون مناصب في كل المجالات والقطاعات والوزارات. وتبدو مدينة حلب على وجه التحديد أكثر ارتباطا بتركيا من دمشق نفسها، رغم أنها شهدت معارك طاحنة من جراء الحرب وانهار الاقتصاد فيها وهي العاصمة الاقتصادية لسورية. غير أنها رغم ذلك تنهض من جديد وسط الدمار بفضل الدعم التركي على وجه الخصوص.
وينطبق على حلب على وجه الخصوص المثل الذي يقول: “الترك إذا أحبوك أكلوك، وإذا أبغضوك قتلوك”. وحلب اليوم تستعيد مكانتها الاقتصادية بعد الاتفاق بين الحكومة والأكراد ودخول الجيش بدعم تركي في نهاية العام الماضي إلى حيي الأشرفية والشيخ مقصود …
وبالإضافة إلى التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي والاجتماعي والإنساني بين دمشق وأنقرة، فإن التأثير التركي الإيجابي على الساحة السورية حال دون انزلاق حكومة دمشق إلى الدخول في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. ولا يخفى على أحد أن سورية التي تنتهج سياسة تصفير المشاكل والتوازن وحسن الجوار، وجدت نفسها في موقف صعب عند اندلاع الحرب وسط تيارين كبيرين: تيار خليجي ترأسه السعودية ويريدها أن تقف كالأردن إلى جانب أمريكا ضد إيران، وتيار تركي قوي وفاعل مناهض للحرب بشكل قاطع مع دعم سياسي واجتماعي لإيران. وقد شهدت إسطنبول تظاهرات تندد بالعدوان، وهذا الموقف التركي جاء متطابقا مع المواقف الروسية والصينية، مع أن تركيا عضو في الناتو، ولكنها أمسكت العصا من المنتصف، وحالت بشكل فعلي دون انزلاق سورية المنهكة إلى الدخول في هذه الحرب التي تزيد معاناة شعوب المنطقة وتزيد مشاكلها وتفككها…
ومع استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان بشكل خاص بعد توقف الحرب على الجبهة الإيرانية، فإن تركيا تقف إلى جانب سورية في مواجهة إسرائيل التي ترى في تركيا سدا أمام أطماعها، وتعمل على تفكيك تركيا تماما كما تسعى لتفكيك سورية عبر تغذية وتشجيع النزاعات الطائفية والعرقية ودعم الأكراد. مع أن تركيا شعرت بالمخطط الذي يستهدفها بعد إيران، ولهذا سارعت إلى تسوية سياسية مع حزب العمال الكردستاني وقائده عبد الله أوجلان، وهذا الاتفاق انعكس أيضا على الجانب السوري. فيما لا يزال المشروع الإسرائيلي لتفتيت سورية عبر دعم الدروز في الجنوب السوري وإقامة منطقة عازلة ومنع الجيش العربي السوري من الانتشار في الجنوب، ورفض حكومة نتنياهو الانسحاب من جبل الشيخ والمناطق التي احتلتها في القنيطرة ودرعا، بالإضافة إلى رفض أي دور لتركيا ليس في الجنوب فحسب وإنما على الساحة السورية بشكل عام.
فالمشروع الإسرائيلي في سورية خطير وعدواني وتوسعي، يتعارض مع تطلعات الشعب السوري ومع المشروع التركي الذي يهدف إلى المحافظة على سورية دولة واحدة موحدة ورفض تقسيمها طائفيا وعرقيا.
بالفعل يمكن للسوريين بعد حرب مدمرة استمرت خمسة عشر عاما أن يلحظوا بعد عام ونصف من انتصار الثورة السورية، وأن يقارنوا بين حال الشمال وفيه حلب العاصمة الاقتصادية الذي ينهض ويتوحد أبناؤه بدعم من تركيا، وبين الجنوب المتاخم للعاصمة دمشق الذي يتكالب الصهاينة على تفتيته واحتلاله وسرقة موارده ..
ويبدو أن الحرب الدائرة في المنطقة ومهما كانت نتائجها، فإن إسرائيل ستخرج أضعف مما كانت، فيما سيتسع الدور التركي الذي يتماشى بشكل كبير مع الدور الروسي الداعم لوحدة سورية وسيادتها على كامل أرضها …
ومع اتساع الهوة بين إسرائيل وتركيا وتصاعد التنديد التركي اليومي بالعدوانية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة وضد لبنان وسورية والمنطقة، وقرار الكنيست الإسرائيلي حول إعدام الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، حيث شهدت دمشق تظاهرات للتنديد بالقرار الإسرائيلي، وقام عدد من المتظاهرين أمام السفارة الإماراتية برفع شعارات ضد الإمارات والأردن. وهذه إشارة أيضا إلى أن تأثير تركيا كان واضحا داخل هذه التظاهرات. ذلك أن الحكومة السورية ترتبط بعلاقات قوية مع الأردن والإمارات، وهما تعلنان الحرب على حزب الإخوان المسلمين الذي أصبح على قائمة الإرهاب الأمريكية، وهذا ما تستشعره تركيا كإشارة إلى أنها أصبحت تقترب أكثر من الخطر، خاصة مع محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من الناتو وتفكيكه، وبالتالي فإن تركيا ستجد نفسها عرضة للخطر بعد أن ينكشف عنها غطاء الناتو، وتصبح في المرمى الإسرائيلي جراء موقفها في سورية، وفي المرمى الأمريكي جراء موقفها من إيران وروسيا وعلاقاتها القوية معهما …
تركيا اليوم تمسك بالورقة السورية لتكريس مشروعها ودورها، وتجربتها في سورية حتى الآن يجد فيها السوريون نجدة لهم من واقعهم المقسم سياسيا والمفكك اجتماعيا والمنهك اقتصاديا… رغم أن التأثير والتدخل التركي في كل الأمور والقضايا الداخلية السورية وصلت إلى درجة أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان يتحدث عن العلاقات السورية التركية وعن الغضب والسخط في تركيا جراء التصرفات الإسرائيلية في الجنوب السوري أكثر مما يتحدث عن بلاده نفسها. وقد حضر فيدان الاجتماع بين الرئيس الشرع في الرابع من نيسان 2025 وبين نظيره الأوكراني زيلينسكي في دمشق. كما كان الوزير التركي في زيارة عمل لباريس تزامنت مع اجتماع وزير خارجية سورية أسعد الشيباني مع دان ديرمر مستشار نتنياهو والمبعوث الأمريكي توم باراك برعاية فرنسية. وفي السياسة لا توجد صدفة، والوزير التركي يحرص على متابعة كل شاردة وواردة في الشأن السوري، ولهذا يزداد النفوذ التركي والدور الذي تلعبه تركيا ويتسع عموديا وأفقيا وعلى مختلف المستويات السياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية.
ويبدو أن تركيا كانت الرابح الأكبر من سقوط بشار الأسد في سورية، كما أنها اليوم تعد الرابح الأكبر من الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، حيث يتقدم المشروع التركي في سورية ويتوسع النفوذ التركي ويملأ الفراغ الذي تركه الإيرانيون.
ومن المتوقع أن تنتهج إسرائيل بعد انتهاء الحرب الأمريكية على إيران سياسة أكثر عدوانية ضد تركيا على الساحة السورية من تلك التي انتهجتها ضد إيران في السابق ..

