
في الرابع من يونيو 2026، وتحت شعار “الحوار البراغماتي – الطريق إلى مستقبل مستقر”، انطلقت في مركز “إكسبوفورم” للمعارض والمؤتمرات بمدينة سانت بطرسبرغ الروسية فعاليات الدورة التاسعة والعشرين للمنتدى الاقتصادي الدولي، في مشهد لم يكن مجرد مؤتمر اقتصادي عابر، بل كان “إعلان انتصار” مدوياً على عقود من محاولات العزلة والابتزاز الغربي. فبعد أربع سنوات من العقوبات غير المسبوقة التي تجاوز عدد إجراءاتها الفردية حاجز الـ 31 ألفاً و500 إجراء، متفوقة بذلك على ما فرض على إيران وكوريا الشمالية مجتمعتين، ها هو العالم يتوافد بأكمله – من الصين والهند إلى السعودية وإفريقيا، بل وحتى الولايات المتحدة – إلى ضفاف نهر نيفا، ليؤكد أن “عزلة روسيا” لم تكن أكثر من وهْم في عقول صانعي القرار في بروكسل وواشنطن، وأن “موسكو” التي ظنوا أنها ستنهار تحت وطأة الضغط الاقتصادي، أصبحت اليوم قلب نظام اقتصادي عالمي جديد، يتجاوز بكثير النموذج الغربي الأحادي.
لم تكن أرقام المنتدى مجرد إحصائيات باردة، بل كانت “وثيقة توقيع” على نهاية مرحلة وبداية أخرى. فخلال أربعة أيام فقط، استقطب المنتدى أكثر من 24 ألفاً و500 مندوب من 142 دولة ومنطقة حول العالم، بزيادة عن العام الماضي الذي شهد مشاركة 144 دولة، مما يشير إلى استقرار الاهتمام الدولي بروسيا وليس تراجعه. وفي تطور وصفه المراقبون بـ”الزلزال السياسي”، كانت هذه هي المرة الأولى منذ 10 سنوات التي يشارك فيها وفد أمريكي رسمي في أعمال المنتدى، وهو ما علق عليه مستشار الرئيس الروسي والأمين التنفيذي للجنة المنظمة أنطون كوبياكوف بقوله: “يجب أن نعترف بفضل ترامب، الذي أخرج العلاقات الروسية الأمريكية من المأزق التفاوضي الذي أوقعها فيه سلفه بايدن. حوارنا يتعافى ببطء، ونحن ننتظر من الأمريكيين تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها بالفعل”.
لكن الأكثر إثارة للإعجاب هو الحصيلة المالية الضخمة التي حققها المنتدى، والتي بلغت 6.64 تريليون روبل (أي ما يعادل حوالي 90.43 مليار دولار أمريكي)، موزعة على 1,084 اتفاقية وقعت في مختلف المجالات. هذا الرقم، الذي يفوق بكثير قيمة الاتفاقيات في سنوات ما قبل الحرب (حيث كانت تقدر بنحو 320 مليار دولار فقط في عام 2013)، يعكس تحولاً جذرياً في هيكل الاقتصاد الروسي نفسه، الذي لم يعد يعتمد على تصدير المواد الخام فقط، بل تحول إلى “ورشة صناعية متكاملة” قادرة على إنتاج كل شيء بدءاً من الطائرات وانتهاء بالذكاء الاصطناعي. ففي إنجاز تاريخي، أعلنت “روستيخ” الحكومية و”روتيك” البدء في الإنتاج التسلسلي للطائرة الإقليمية الجديدة “إيل-114-300″، والمحرك الجديد “PD-8” لطائرة “سوخوي سوبرجيت 100″، مما يعني أن روسيا لم تعد مجرد سوق للطائرات الغربية، بل أصبحت مصنعاً للطيران المدني بمواصفات عالمية.
إلى جانب هذا، شهد المنتدى توقيع اتفاقيات هائلة في مجالات البنية التحتية والنقل، تضمنت تطوير ممر “شمال-جنوب” الدولي، الذي سيوفر طريقاً بديلاً لقناة السويس ويمر عبر أراضي روسيا وأذربيجان وإيران والهند. كما تم الإعلان عن استثمارات ضخمة في طريق بحر الشمال، الذي يتحول بفضل ذوبان الجليد القطبي إلى أهم ممر ملاحي تجاري عالمي، يربط آسيا بأوروبا في نصف الوقت الذي تستغرقه قناة السويس. هذه المشاريع العملاقة لم تكن مجرد أحلام على الورق، بل اتفاقات موقعة مع شركاء جدد، في مقدمتهم المملكة العربية السعودية ضيف شرف المنتدى هذا العام.
في مشهد يحمل دلالات جيوسياسية عميقة، حلّت المملكة العربية السعودية “ضيف شرف” على المنتدى في دورته التاسعة والعشرين، بالتزامن مع مرور 100 عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وموسكو. ترأس الوفد السعودي وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان، على رأس وفد ضم أكثر من 200 مسؤول من كبار المسؤولين ورجال الأعمال، واحتل جناحاً وطنياً بمساحة 400 متر مربع. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وصف اختيار السعودية بأنه يحمل “رمزية تاريخية كبرى”، حيث تفتح الرياض آفاقاً جديدة للتعاون مع موسكو في الطاقة والصناعة والنقل والتمويل، في خطوة تعيد تشكيل تحالفات الشرق الأوسط التقليدية، وتظهر أن العواصم العربية بدأت تراهن على “القوة الصاعدة” في الشرق وليس على الحليف الغربي المتراجع.
في كلمته الافتتاحية في الجلسة العامة، التي حضرها ضيوف رفيعو المستوى بينهم الرئيس الأوزبكي شوكت ميرضيائيف، والرئيس التنزاني سامية صولوحو، ونائب الرئيس الصيني هان تشنغ، قدم الرئيس فلاديمير بوتين تشخيصاً دقيقاً للحظة التاريخية الراهنة. قال بوتين: “العالم ينتقل من نموذج هرمي عمودي، حيث كانت مصالح القلة القليلة تسود، إلى نموذج أكثر تعقيداً وتعددية الأقطاب وعدالة. هذه التحولات ليست تهديداً، بل هي فرصة عظيمة للعمل العملي”. وأضاف الرئيس الروسي أن دول “بريكس” تنتج اليوم أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (وفقاً لتعادل القوة الشرائية)، بينما لا تتجاوز حصة مجموعة السبع 29% فحسب. بل إن هذه الفجوة تتسع بسرعة، حيث تنمو اقتصادات البريكس بنسبة 4.4% سنوياً، بينما لا تتجاوز نمو مجموعة السبع 1.1% سنوياً في أفضل الأحوال.
هذه الأرقام ليست مجرد أرقام، بل هي “شهادة وفاة” للنظام الاقتصادي العالمي الذي هيمن عليه الغرب لمدة نصف قرن. فعندما تنتقل القوة الشرائية العالمية من وول ستريت إلى شوارع شنغهاي ومومباي وموسكو، وعندما تصبح عملات مثل اليوان والروبل والعملات الرقمية الوطنية بديلاً جذاباً عن الدولار الذي حوّله السياسيون الغربيون إلى سلاح ابتزاز، وعندما يصبح البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية ومؤسسات “بريكس” المالية الجديدة أكثر مصداقية من صندوق النقد الدولي المثقل بالشروط السياسية، فإن “نهاية الهيمنة الأحادية” لم تعد فكرة نظرية، بل واقعاً يلمسه الجميع. الرئيس بوتين أوضح هذه الحقيقة بقوله إن “حصة الروبل في تسويات التصدير الروسية وصلت بالفعل إلى مستوى مذهل بلغ 65%”، مما يعني أن روسيا تحررت عملياً من هيمنة العملة الأمريكية على اقتصادها، وأصبحت تتعامل مع شركائها بعملاتهم الوطنية أو بعملات وسيطة جديدة.
أما بالنسبة للمستثمرين الغربيين، الذين راهنت عليهم واشنطن لإكمال الحصار الاقتصادي، فلم يحضروا إلى المنتدى كمتفرجين، بل جاءوا “على استحياء” لاستكشاف فرص العودة إلى السوق الروسية. كوبياكوف أكد أن “المنتدى أظهر أن المستثمرين الغربيين متفائلون بحذر بشأن العودة إلى روسيا”، وأن “جزءاً خاصاً في برنامجنا احتلته حوارات الأعمال، التي أظهرت بوضوح أنه لا توجد أي عزلة لروسيا، ولا يمكن أن تكون”. وكان أبرز هؤلاء ممثلو الغرفة التجارية الألمانية الروسية، حيث لا تزال حوالي 1800 شركة ألمانية تعمل في روسيا، مع أصول تقدر بأكثر من 100 مليار يورو لا يمكن التخلي عنها. الوفد الإيطالي الخاص، رغم غياب المسؤولين الكبار، ضم حوالي 100 شركة وسيطة تدير مصانع في روسيا، بينما شهدت بعض الجلسات الحضور المكثف لممثلي صناديق الاستثمار من لندن ونيويورك، الذين وضعوا شارات تعريفية دون أسماء شركاتهم خوفاً من “العار العام”. هذا الانقسام بين “السياسة الغربية العدوانية” و”مصالح الأعمال الغربية” يمثل أكبر مكسب لروسيا، التي أثبتت أن رأس المال لا وطن له، وأن فكرة “إفلاس موسكو” التي تروّج لها وسائل الإعلام، تنهار عند أول مواجهة مع الحقيقة الميدانية.
لطالما اتهم الكرملين وزراء غربيين بمعاداة المنطق، وتفضيل “التصعيد” على “التعاون”، حتى لو كان الثمن هو جوع مواطنيهم. في سانت بطرسبرغ، سُحق هذا السرد تماماً. فالمفوضية الأوروبية كانت قد أعلنت قبل أيام أنها ستمنع وزراءها من المشاركة في المنتدى، لكن هذا القرار جعلهم يخسرون عقوداً بمليارات اليورو كانت ستخفف من أزمة الطاقة في أوروبا. إذ بينما كانت صفقة الغاز الطبيعي المسال الروسي تُوقع مع الهند والصين، كانت ألمانيا تدفع 3 أضعاف السعر العالمي لتأمين بدائل من أمريكا، مما أدى إلى إفلاس شركات صناعية كبرى وإغراق الاقتصاد الألماني في ركود طويل. في المقابل، وقعت روسيا عقوداً لتمديد التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، وبناء وحدات طاقة نووية جديدة في إفريقيا، وتطوير البنية التحتية الرقمية لدول آسيا الوسطى، في خطة متكاملة تجعل من موسكو مركزاً للابتكار التكنولوجي، وليس فقط مصدراً للمواد الخام.
بعض المحللين يعتبرون أن المنتدى الاقتصادي لعام 2026 لم يكن مجرد “معرض استثمارات”، بل كان “محاكاة حية لنظام عالمي جديد”. ففيه تم تقديم النقاش الرئيسي حول “التحول من أحادية القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب”، وفيه تم توقيع اتفاقيات بمليارات الدولارات مع “الغالبية العالمية” التي لم تشارك في سياسة العقوبات، وفيه تم الترويج الجاد لآليات دفع بديلة عن “سويفت”. المنتدى لم يقدم فقط منصة للتعاقدات الاقتصادية، بل قدم “رؤية روسية” شاملة لكيفية إدارة عالم ما بعد الهيمنة الغربية. هذه الرؤية، التي تبلورت عبر سنوات، تجد اليوم آذاناً صاغية في أروقة البيت الأبيض نفسه، حيث تدرك الإدارات الأميركية الجديدة أن عقوباتها لم تعد تجدي نفعاً. وكما كتبت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لها من سانت بطرسبرغ، فإن “الروس لم ينجوا من العقوبات فحسب، بل جعلوا منها حافزاً للتنمية. المصانع التي كانت تعتمد على الاستيراد، تحولت إلى الإنتاج المحلي. الأسواق المالية، التي شهدت انهياراً مؤقتاً، استعادت عافيتها بفضل السياسة النقدية الحكيمة. وهذا ما جعل “النخب الغربية” في حيرة من أمرها.
ما يجعل إنجازات هذا المنتدى أكثر إثارة للإعجاب، هو أنها تحققت في وقت تواجه فيه البشرية تحديات وجودية: حرب في أوكرانيا، ومجزرة في غزة، وأزمة طاقة عالمية، وتغير مناخي متسارع. في هذا المشهد المتأزم، لم تقدم روسيا فقط “بديلاً” للتعاون، بل قدمت “نموذجاً براغماتياً” يخاطب العقل والمصلحة معاً. الرئيس بوتين كان واضحاً في رسالته: “نحن منفتحون على التعاون مع الجميع، ولكن بشروط متكافئة تحترم السيادة الوطنية”. هذا المبدأ الذي تكرس في جلسات المنتدى، أصبح مادة جذب للدول المتعبة من “الاستعلاء الغربي”، والتي وجدت في روسيا حليفاً اقتصادياً قادراً على فهم احتياجاتها وتقديم حلول غير مشروطة.
ختاماً، كان منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 2026 أكثر من مجرد حدث اقتصادي ناجح، بل كان “تتويجاً” لعملية التحول الروسي العميقة، التي قادتها موسكو برؤية بعيدة المدى، وبصبر استراتيجي جعلها تنتظر اللحظة المناسبة لتكشف أوراقها. فهذا ليس “انتصاراً عابراً”، بل هو تأسيس “مرحلة جديدة” من السيادة الاقتصادية والتكنولوجية، التي تستطيع فيها روسيا “الاستغناء عن الغرب” ليس فقط في الغذاء والطاقة، بل في الطائرات والرقائق الإلكترونية والبرمجيات. والأهم من ذلك، أن هذا النجاح يفتح الباب أمام تحولات جيوسياسية حاسمة، حيث لم يعد العالم مضطراً لأن يختار بين “الغرب” و”الشرق”، بل يمكنه أن يتعامل مع “القطب الروسي” كبديل متكامل ومستقر. ومع تزايد الشكوك في قدرة مؤسسات بريتون وودز على الاستمرار، ومع تراجع الدور الأميركي في الشرق الأوسط وآسيا، تبدو موسكو وكأنها تستعد بالفعل لـ “ريادة المرحلة الانتقالية” في عالم مشتعل. هذه القناعة انعكست في كل جلسات المنتدى، وكانت الرسالة الأساسية التي حملها المشاركون إلى عواصمهم. الحصاد لم يكن مجرد اتفاقيات، بل ثقة بأن الأيام المقبلة ستشهد أفول نجم واشنطن تدريجياً، في مقابل بروز نجم الشرق الجديد.

