
سورية ترحب بالانسحاب الأمريكي من أراضيها… والشرع يبحث مع عبدي اتفاق 29 يناير ….واعتصام (قانون وكرامة) في دمشق
**
تراجع الاهتمام الدولي بالملف السوري وتطورات الساحة السورية مع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط بين أمريكا وإيران …
وفي هذه الأثناء، سرعت الولايات المتحدة من خطوات الانسحاب من سورية بشكل لافت، وسلمت الجيش العربي السوري قاعدة قسرك أكبر وآخر قاعدة لها في شرق البلاد بعد أقل من شهر على انسحابها من قاعدة الشدادي. وبذلك ينتهي الوجود الأمريكي الذي استمر عشر سنوات في سورية بعد أقل من عام ونصف على انتصار الثورة السورية التي دعمتها أمريكا بقوة ضد نظام بشار الأسد.
ورغم ترحيب الحكومة السورية بالانسحاب الأمريكي الذي تزامن مع احتفالات سورية بعيد الاستقلال، إلا أن المخاوف تتزايد من عودة تنظيم داعش الذي أعلن الحرب على الحكومة السورية الجديدة، خاصة في المناطق الشرقية التي كانت تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية “قسد”، حيث تمكن أكثر من 15 ألف سجين من التنظيم الإرهابي من الفرار من سجون قسد خلال دخول الجيش العربي السوري إلى المنطقة في شباط الماضي …
ولا شك أن انسحاب الجيش الأمريكي من سورية بهذه السرعة يثير أسئلة كثيرة حول الجهة التي ستملأ الفراغ، ذلك لأن البعض كان يعتقد أن أمريكا التي أصبح لها تأثير ونفوذ سياسي في سورية بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن وإعلان الرئيس الأمريكي ترامب دعم إدارته لحكومته ورفع العقوبات عنها، كان يعتقد أن أمريكا ستقوم بتعزيز تواجدها العسكري، ولكن ما حصل كان العكس. فقد انسحبت أمريكا من قواعدها التي كانت في مأمن ولم تتعرض لأي قصف من إيران أثناء الحرب التي استمرت أربعين يوما بين أمريكا وإيران، رغم تعرض جميع القواعد الأمريكية في المنطقة للقصف ….
والمفارقة العجيبة أن أمريكا التي انتصر عمليا حلفاؤها في سورية تنسحب، رغم أن الحكومة السورية لم تطلب منها الانسحاب، وربما كانت تحتاج إلى وجودها العسكري لدحر تنظيم داعش. ولكن إدارة ترامب تتصرف وفق عقل ترامب دون مبررات سياسية، وهي عمليا تترك الحلفاء عرضة لمخاطر وتحديات معقدة بعد أن كشف تنظيم داعش عن خطط له لاستهداف الحكومة السورية.
ولا شك أن احتفاظ روسيا بقاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية في سورية، وعدم انسحابها منهما، رغم أن الكثيرين يعتقدون أن الانسحاب الأمريكي يعزز ويرسخ التأثير والنفوذ الروسي أكثر، مع الإشارة إلى أن الشرع قام بزيارتين إلى موسكو منذ سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول عام 2024.
كما يعزز الانسحاب الأمريكي من جهة أخرى النفوذ التركي الكبير في سورية، وقد باتت البضائع التركية والحضور التركي في الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية طاغية يشعر بها الشارع السوري على اختلافه … ويشكل الانسحاب الأمريكي من سورية هدية لتركيا التي كانت طوال السنوات الماضية تضغط بكل الوسائل وتحاول فك الارتباط بين الولايات المتحدة والأكراد في سورية، خاصة بعد أن أعلنت قسد عن تشكيل إدارة ذاتية وحاولت الانفصال عن الدولة السورية …غير أن الانسحاب الأمريكي وتوقيع اتفاق التاسع والعشرين من كانون الثاني بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية – وهو الاتفاق الذي يقضي باندماج قسد في الجيش والمؤسسات الحكومية – قد أزاح هذا الثقل. والانسحاب الأمريكي غير الشرعي من سورية حمل ثقيلا عن كاهل تركيا التي تدعم حكومة دمشق وتريد أن تفرض سطوتها وتنافس إسرائيل في الجنوب. وفي نفس الوقت ترتبط تركيا بعلاقات قوية مع كل من الولايات المتحدة وروسيا وتنسق خطواتها معهما بشأن ضرورة إحلال السلام والاستقرار وإعادة الأمن إلى سورية، غير أن لكل دولة أجنداتها المختلفة ….
وأما القوة العسكرية الثالثة المتبقية على الساحة السورية بعد تركيا وروسيا فهي إسرائيل التي تتربص بسورية شرا، وتسعى لتقسيمها، وتدعم الدروز في السويداء على حساب وحدة البلاد وسيادتها. وكلما حاولت الحكومة السورية إعادة السيطرة على السويداء والمنطقة الجنوبية، تتدخل إسرائيل عسكريا وتقصف الجيش السوري وتقدم كل أشكال الدعم للسويداء بقيادة الشيخ حكمت الهجري…. وحتى خلال الحرب بين أمريكا وإيران، حاولت القوات السورية الدخول إلى مناطق في السويداء، فقام الطيران الحربي الإسرائيلي بقصف الجيش السوري لمنعه من التقدم ….
ويبدو أن الحكومة السورية التي رحبت بالانسحاب الأمريكي من سورية لم تكن راضية تماما عن هذا الانسحاب السريع، رغم أنها قولا واحدا كانت على علم بمواعيده. وعدم التصفيق والرضى ينبع من حاجة سورية الماسة لقوات التحالف بقيادة أمريكا لمواجهة داعش، وكذلك لخلق نوع من التوازن مع قوتين كبيرتين ومتنافستين على الساحة السورية وهما إسرائيل وتركيا، وسط مخاوف حقيقية من أن تركيا ستكون الهدف التالي لإسرائيل بعد إيران …
ومع أن نتائج الانسحاب الأمريكي من سورية لن تظهر سريعا، غير أن إعلان الرئيس الشرع من منتدى أنطاليا في نسخته الخامسة في تركيا… أن الجولان المحتل عربي سوري، وأن اتفاقية فصل القوات عام 1974 بين سورية وإسرائيل هي الأساس في أي اتفاق سلام مع إسرائيل. كما أن الشرع الذي يصفه الرئيس ترامب دائما بالرئيس القوي والرائع، لم يتردد أمام المنتدى في الغمز من قناة ترامب بالقول إن أي اعتراف لإسرائيل بالجولان فهو باطل، في إشارة إلى اعتراف ترامب بأن الجولان أرض إسرائيلية ….
وبعيدا عن القوى التي سوف تتأثر بطريقة أو بأخرى بالانسحاب الأمريكي من سورية، فإن ثمة موقفين من هذا الانسحاب: أحدهما سلبي والآخر إيجابي….
أما الموقف الإيجابي فهو الذي أشار إليه الشرع وهو يتحدث عن خلق فرص التنمية والاستثمار ودعم الدول العربية والإقليمية لسورية التي تحتل موقعا جغرافيا واستراتيجيا هاما لنقل الطاقة. وهذا الرأي يرى أن الأمور في سورية ستكون جيدة بعد الانسحاب الأمريكي وخطة شركة شيفرون الأمريكية للعمل في استخراج الغاز في الساحل السوري، وعملية اندماج قسد مع مؤسسات الدولة. واللقاءات بين الحكومة السورية وقيادة قوات سورية الديمقراطية، حيث التقى الرئيس الشرع في قصر الشعب مع القياديين العسكري والسياسي في قسد الجنرال مظلوم عبدي وإلهام أحمد. كما حضر عبدي وأحمد قبل أشهر إلى جانب وزير الخارجية أسعد الشيباني مؤتمر ميونيخ للأمن في أوروبا. وتلك إشارات إيجابية إلى أن سورية رغم كل التحديات التي تواجهها تسير إلى الاستقرار بتوافق عربي وإقليمي ودولي …
أما الموقف السلبي من الانسحاب الأمريكي من سورية فهو يرى أن أمريكا تريد أن تحضر الساحة والمناخ في المنطقة كلها من أجل إشعال حرب طائفية بين المكونات الكبرى الدينية (شيعية / سنية) على مستوى المنطقة، واستهداف تركيا، وذلك لمصلحة قيام الدولة اليهودية أو ما يسمى “إسرائيل الكبرى” التي ستتحول إلى مملكة تحكم المنطقة بعد أن تضعف الحرب الدينية الطويلة والواسعة التي تسعى واشنطن لإشعالها جميع الدول، باستثناء مملكة إسرائيل اليهودية التي يقول ترامب عنها إن مساحتها صغيرة. ويبدو أن ترامب الذي يفكر بالاستيلاء على كندا وجزيرة غرينلاند الدانماركية الكبيرة في القطب الشمالي وعلى نفط فنزويلا وإيران، فإنه يريد أيضا أن يسلم صديقه نتنياهو مفاتيح المنطقة إذا استطاع إلى ذلك سبيلا.
ولكن في واقع الحال، فإنه لا يجب أن ننظر إلى الانسحاب الأمريكي المتسارع من سورية على أنه خير مطلق أو شر مؤكد. ولكن الخوف في الشارع السوري الذي خرج لأول مرة للتظاهر في قلب العاصمة دمشق تحت عنوان (قانون / كرامة) يدق جرس إنذار من أن البلاد تنزلق أكثر إلى المجهول، في ظل الموروث والذاكرة التي يحملها السوريون عن أمريكا وطبيعة تصرفها، وأنها كانت عنوانا ورمزا للشر والحرب، ولم تكن أبدا منذ استقلال سورية عام 1947 حتى اليوم. وقد كان من الصدف أيضا أن أمريكا أنهت انسحابها من سورية بالتزامن مع احتفالات سورية بعيد الاستقلال في السابع عشر من نيسان وهو عيد الجلاء. وهذه المرة الثانية التي تحيي سورية هذه المناسبة الوطنية بعد سقوط نظام بشار الأسد وانتصار الثورة السورية. التي يرى أصحاب الموقف السلبي من الانسحاب الأمريكي أن أمريكا سوف تستغل علاقاتها القوية مع الحكومة السورية، وتعاود استخدام المقاتلين الأجانب داخل الجيش السوري لخدمة أجنداتها في المنطقة، وفي حروبها ضد خصومها. وهي خطط تتطابق مع الخطط الإسرائيلية للسيطرة على المنطقة واستهداف دولها واحدة بعد الأخرى فور الانتهاء من الحرب الدائرة على إيران ….
ومع كل ما يحمله الانسحاب الأمريكي المتسارع من سورية من تساؤلات حول القوى التي سيكون لها نفوذ والتي ستملأ الفراغ مستقبلا، إلا أن خطر تنظيم داعش مع خطر التقسيم يظهر جليا على سورية التي هي اليوم أحوج ما تكون إلى الأمن والأمان والاستقرار والسلام والوحدة بعد 15 عاما من الحرب والفوضى … والسؤال: هل تستطيع حكومة الشرع أن تستعيد عبر سياسة التوازن التي تنتهجها حيال الجميع الأمن والاستقرار المفقودين في البلاد، أم أن عليها أن تجهز أدواتها وعدتها لمواجهة التحديات الأمنية المعقدة جراء تداعيات المشروع الإسرائيلي الخطير الذي يقوده نتنياهو ومن ورائه ترامب لتدمير المنطقة وإشعال حرب دينية واسعة لا تبقي ولا تذر …..

