
طهران تشترط رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية للمشاركة في الجولة الثانية من المفاوضات في إسلام آباد
الهدنة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثامن من نيسان لمدة أسبوعين انتهت صباح الأربعاء 22 نيسان 2026، ولكن الحرب لم تنته. والجهود التي بذلتها باكستان لعقد الجولة الثانية من المفاوضات بين أمريكا وإيران في إسلام آباد ذهبت سدى، ذلك أن ترامب يريد إخضاع إيران لا التفاوض معها، ويصر على استمرار الحصار البحري الأمريكي الكامل على الموانئ الإيرانية ويرفض رفع الحصار، وهو الشرط الذي وضعته طهران للمشاركة في المفاوضات …
كل شيء يسير في الحرب الأمريكية الإيرانية عكس التيار وعكس المنطق، فالمنتصر مهزوم والمهزوم منتصر… ولا أحد يعلم.. الدجاجة أولا أم البيضة؟ ترامب يشترط حضور الوفد الإيراني المفاوض إلى إسلام آباد وبعدها يفك الحصار البحري … وعلى الضفة الأخرى تشترط إيران فك الحصار البحري عنها قبل توجه وفدها إلى إسلام آباد .. ..وهكذا بين حانة ومانة ضاعت لحانة… وبقيت المنطقة والعالم واقتصاداتهم على كف عفريت …..
ومع أن النصائح تنهمر على إيران لاحتواء تهور ترامب من كل حدب وصوب، إلا أنها أصرت على عدم إرسال وفدها إلى مفاوضات إسلام آباد، رغم أن ترامب أكد أن نائبه جي دي فانس توجه فعلا إلى باكستان، قبل أن يعلن ترامب نفسه لاحقا ليلة الأربعاء إلغاء الزيارة وتمديد الهدنة إلى أجل غير مسمى .. لتبدو بوضوح حالة التردد والارتباك في اتخاذ القرارات بين المضي في الحرب أو العودة إلى المفاوضات. فلا يختلف الأمر كثيرا في واشنطن عنه في طهران، فكلا العاصمتين تكابر وتعض على الجرح ولا تصرخ. بينما يبدو الوسيط الباكستاني كالبطل الذي يتصدى لرفع وزن أثقل من وزنه، ولا يدري إلى أي الجانبين يميل، فتبدو وساطته باهتة وعاجزة رغم الجدية والجهود الكبيرة التي يبذلها قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير الذي زار طهران ولمع اسمه خلال هذه الحرب وحصل من إيران على كل ما يريده لإنجاح وساطته… ولكن ثمة متربص بالمفاوضات بعيد عن الساحة يتوجس خيفة من وقف الحرب، هو رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو الذي يدفع باتجاه توريط ترامب حتى أذنيه في الحرب، ولسان حاله يقول: لا يضير الشاة المذبوحة السلخ .. ولا يضير ترامب حمل وزر هذه المعركة من أولها حتى آخرها … فهل يصحو ترامب أم يستمر وهو يخوض معركتين معا: معركة عسكرية في الشرق الأوسط نيابة عن نتنياهو، ومعركة انتخابية في الداخل الأمريكي مع الحزب الديمقراطي الذي استفاد من تهور ترامب في الحرب ورفع من رصيده الانتخابي؟…
إذا هي أيام صعبة ومثيرة يتابعها العالم عبر منصة “تروث سوشال” التي يحولها ترامب إلى ساحة معركة لحروبه الدون كيشوتية، فينشر ما يجول في خاطره وفي فكره ولا يهتم بعد ذلك بردود الفعل، وهو المحكوم بالرأي العام الأمريكي والعالمي اللذين يراقبان تصرفاته وقراراته، وهو يردد كل يوم لازمة لا يغيرها ولا يبدلها بأنه انتصر، وأنه دمر إيران وقضى على طموحاتها النووية وعلى قدراتها الصاروخية، وأنها اليوم دولة ضعيفة عاجزة. ولكن إيران ترفض المفاوضات وتسخر من تصريحات ترامب وأكاذيبه، حتى بات الناس لا يصدقون ما يقوله ترامب حتى لو أخبرهم أن الشمس تشرق من الشرق ….
فالمعركة الإعلامية التي يخوضها ترامب والإعلام المؤيد للحرب على إيران تسير نحو الفشل، خاصة بعد سلسلة الانتكاسات التي تعرض لها ترامب سياسيا وعسكريا عندما أرسل الوفد الأمريكي إلى إسلام آباد وسط التهديد والوعيد، ولكن الوفد الإيراني لم يحضر إلى إسلام آباد. وقبل ذلك عندما وضع الإيرانيون في معركة أصفهان حدا للغطرسة الأمريكية ودمروا طائراتهم، حتى أمسى الجيش الأمريكي مهزلة وهو يحاول عبثا استعادة الطيار الأسير.
ورغم أن هناك الكثير من الدول تحاول أن تمد لترامب خشبة الخلاص من هذه الورطة، ولكنه يحاول الهرب إلى الأمام ويصر على استسلام إيران، وعلى استخلاص كمية اليورانيوم المخصب منها، وعلى وقف التخصيب، ومحاصرة الموانئ وخنقها اقتصاديا، وسرقة نفطها، ودعم المعارضة الإيرانية في الداخل بهدف تغيير النظام كما فعل في فنزويلا. ولكن في المقابل، تستخدم إيران كل مخزونها التاريخي وموروثها الثقافي وقدراتها العسكرية وأوراقها التفاوضية بإتقان، وتعتمد بالدرجة الأولى على الدعم الروسي والصيني. ولا ننسى أن الصين شريكة مع باكستان في الوساطة التي تقوم بها إسلام آباد لوقف الحرب. أما روسيا التي تنسق بشكل يومي مع الصين خطواتها، فإنها لم تترك فرصة إلا وحاولت استغلالها، وأعلنت استعدادها للعب دور الوسيط لإنهاء الحرب بما تملكه من وزن وثقل على المستوى الدولي. ونذكر هنا الاتصالات الروسية الإيرانية المستمرة بين الرئيسين فلاديمير بوتين ومسعود بزشكيان منذ اندلاع الحرب، وأكثر من عشرة اتصالات بين وزيري خارجية روسيا وإيران سيرغي لافروف وعباس عراقجي.
فالوساطة في هذه الحرب المعقدة لم تعد ترفا، إنما ضرورة لحفظ الأمن والاستقرار في العالم. فنار الحرب تأكل الأخضر واليابس في منطقة الشرق الأوسط وتهدد أمن أهم مناطق النفط في العالم. فالحرب ليست نزهة، والنار تحت الجمر منذ 47 عاما بين إيران وأمريكا. فيما ينسى ترامب تاريخه وحملته الانتخابية التي بناها على أساس أنه رجل سلام ولا يريد الحروب، وأنه يطفئ الحروب، وكان يسعى للحصول على جائزة نوبل للسلام. ولكن الحرب التي أشعلها ضد إيران لوحده تعادل جميع الحروب التي زعم أنه أوقفها ويقول إنه كان وراء إطفائها. وفي نفس الوقت يتفاخر بأنه الرئيس الأمريكي الوحيد الذي فعل ما لم يفعله أسلافه مع إيران التي تجدد ثورتها ضد الشيطان الأكبر أمريكا، وتشحذ جيشها لمواجهة إسرائيل والانتقام لقادتها وانتهاك سيادتها …
ويبدو أنه لن يكون بين واشنطن وطهران سلام قريب، حتى لو توصل الجانبان إلى اتفاق وتوقفت الحرب، ذلك أن الآثار العسكرية والاقتصادية والسياسية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لن تمحى بسهولة وتحتاج إلى وقت طويل ليتم تجاوزها. كما أن ارتفاع أسعار النفط وانعكاسات الحرب على منطقة الشرق الأوسط وعلى العلاقات بين ضفتي الخليج بين إيران وجيرانها لا يمكن أن تمحى بسهولة. فيما يساهم استمرار الحرب على إيران في شحذ وتحفيز الجيش الإيراني وتجديد روح الثورة في هذا البلد ضد أمريكا الشيطان الأكبر وضد إسرائيل بعد حربها المدمرة واغتيالهما الإمام علي الخامنئي قائد الثورة في إيران …

