في جنوب سوريا، حيث تمتزج قمم جبل العرب التاريخية بذاكرة المقاومة التي لم تنكسر يومًا أمام أي سلطان، تعيش محافظة السويداء حالة فريدة من نوعها في المشهد السوري المضطرب. فبينما تنشغل الأضواء العالمية بالحرب المشتعلة في إيران ولبنان والتهديدات الأمريكية الإسرائيلية، تبقى هذه البقعة الجبلية على حالها: حالة تأهب قصوى، ورفض مطلق للخضوع، وإصرار على إدارة الذات بعيدًا عن سلطة دمشق الجديدة التي يقودها أحمد الشرع. ما يحدث في السويداء اليوم ليس مجرد تمرد محلي تقليدي، بل هو نموذج مصغر لصراع إقليمي أوسع، حيث تتصارع الرؤى حول مستقبل سوريا، وتستخدم إسرائيل هذه المنطقة كورقة ضغط استراتيجية ضد العاصمة، بينما تتعثر أي مفاوضات جادة في ظل غياب الثقة المتبادلة وتراكم الدماء والجراح.
السويداء ليست كغيرها من المحافظات السورية. فهي قلب “جبل العرب” الموحد، حيث يشكل الدروز غالبية ساحقة، وتتمتع بتاريخ طويل من التماسك الاجتماعي والنضال من أجل الحفاظ على الهوية والاستقلالية. منذ سقوط نظام الأسد وانتقال السلطة إلى حكومة الشرع، وقف الدروز في السويداء موقف الرافض، ليس فقط للتخلي عن سلاحهم، بل حتى للاعتراف بشرعية السلطة الجديدة في دمشق. هذا الموقف لم يكن نابعًا من نزعة انفصالية، بل من قناعة راسخة بأن دمشق الجديدة لم تقدم أي ضمانات حقيقية لحماية حقوق المكونات، ولا تزال تتهم بـ”الإرهاب” من قبل أطراف دولية، وفي مقدمتها إسرائيل التي ترى في جماعة “تحرير الشام” تهديدًا وجوديًا لحدودها.
منذ أشهر، والمحافظة تعيش على وقع “لا حرب ولا سلام”. قوات الحرس الوطني، المتطوعون من أبناء المنطقة، يسيطرون على مداخل ومخارج المحافظة، ويمنعون أي توغل لقوات الشرع أو تنظيم داعش الذي لا يزال ينشط في البادية السورية. هذا الوضع الهش لم يتحول إلى مواجهة مسلحة مفتوحة بسبب عاملين رئيسيين: أولاً، الردع المتبادل حيث تدرك دمشق أن أي هجوم على السويداء سيكون مكلفًا عسكريًا وسياسيًا، وقد يجر المنطقة إلى حرب أهلية طائفية لا يمكن السيطرة عليها. ثانيًا، العامل الإسرائيلي، حيث ترى تل أبيب في السويداء “منطقة عازلة” طبيعية على حدودها مع سوريا، وأي محاولة لاختراق هذا التوازن قد يؤدي إلى رد إسرائيلي مباشر.
لكن هذا الجمود لا يعني الاستقرار. فالاشتباكات تتواصل بشكل متقطع، وغالبًا ما تبدأ باستفزازات من قوات الشرع، تليها ردود من الحرس الوطني. في أحدث حادثة، أطلق عنصر من الأمن العام النار على خمسة قرويين درزيين، مما أسفر عن سقوط ضحايا. وزارة الداخلية السورية، في بيانها الروتيني، وصفت الحادث بأنه “حادث فردي” ونتيجة “تصرف عنصر خارج عن السيطرة”. هذا التفسير، الذي بات مألوفًا في دمشق، لا يقنع أحدًا في السويداء، حيث يُنظر إليه على أنه محاولة لتطبيع جرائم متكررة وإفلات الجناة من العقاب.
الأكثر إثارة للقلق هو غياب أي مفاوضات جادة بين الطرفين. الشيخ حكمة الهاجري، الزعيم الروحي والدنيوي للمحافظة، كان واضحًا: لا مفاوضات، ولا تقارب، ولا اعتراف بحكومة الشرع، ما لم تنسحب قواتها من المنطقة وتُقدّم المسؤولون عن المجازر السابقة إلى العدالة. هذا الموقف المتشدد يعكس إحباطًا عميقًا من تجارب سابقة، حيث تعهدت دمشق مرارًا بتحسين الأوضاع، لكنها لم تلتزم بأي وعود.
في خلفية هذا الجمود، تتحرك إسرائيل بذكاء وحذر. بالنسبة لتل أبيب، السويداء ليست مجرد محافظة سورية أخرى، بل هي مفتاح استراتيجي لتحقيق عدة أهداف. أولاً، استخدامها كورقة ضغط على دمشق: فطالما بقيت السويداء خارج سيطرة الشرع، تظل هناك منطقة رمادية يمكن استغلالها لزعزعة استقرار الحكومة الجديدة وابتزازها. ثانيًا، تعزيز فكرة “المنطقة العازلة” التي طالما تحدث عنها بنيامين نتنياهو، حيث يمكن للسويداء أن تكون نواة لمنطقة منزوعة السلاح تحت الحماية الإسرائيلية غير المعلنة، تمنع أي تحرك عسكري سوري نحو الجولان المحتل.
ثالثًا، ورغم أن السويداء لم تكن متورطة في المواجهات مع حزب الله، إلا أن بقاءها عصية على دمشق يضعف قدرة الشرع على توحيد الجبهة الداخلية ضد العدو الإسرائيلي. في هذا السياق، يدرك القادة الإسرائيليون أن أي هجوم جديد للشرع على السويداء سيكون بمثابة “هدية” لتل أبيب، حيث يمكن استخدامه كذريعة لتوسيع السيطرة العسكرية الإسرائيلية على جنوب سوريا، بحجة حماية الأقليات الدرزية. جبهة جنوبية جديدة، مفتوحة على مصراعيها، تخدم الأجندة الإسرائيلية في تفكيك أي مشروع وحدوي سوري.
اللافت أن السويداء نفسها لم تطلب الحماية الإسرائيلية، ولم تعلن أي ولاء لتل أبيب. لكن الجغرافيا والتاريخ يفرضان نفسيهما. فالمحافظة، الواقعة على بعد كيلومترات قليلة من الحدود الإسرائيلية، تشعر بأنها معزولة عن بقية سوريا، وأن أي دعم قد يأتي من أي طرف يضمن بقاءها، حتى لو كان هذا الطرف هو إسرائيل. هذه المعادلة المعقدة تجعل من السويداء نقطة ارتكاز حساسة، قد تنقلب في أي لحظة إلى جبهة مشتعلة.
في 24 فبراير 2026، أي قبل شهرين تقريبًا من كتابة هذه السطور، عُقدت في العاصمة الفرنسية اتفاقية باريس، التي جمعت ممثلين عن دمشق وإسرائيل بوساطة فرنسية. نص الاتفاق، الذي تسربت تفاصيله لاحقًا لوسائل إعلام غربية، كان مفاجئًا في بنوده ومثيرًا للجدل. وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قدّم مطالب صريحة: السماح لقوات الشرع بدخول السويداء، وفرض السيطرة عليها بشكل كامل، وإقالة الشيخ حكمة الهاجري وتعيين شخصية موالية لدمشق بدلاً منه.
هذه المطالب كانت تهدف إلى إنهاء الاستقلال الفعلي للسويداء وضمها إلى السلطة المركزية في دمشق، وهو ما كان يمثل انتصارًا سياسيًا للشرع على جبهة داخلية حساسة. لكن الجانب الإسرائيلي رفض هذه المطالب بشكل قاطع. الرفض الإسرائيلي لم يكن مجرد تعنت، بل كان مبنيًا على اعتبارات استراتيجية عميقة. فتل أبيب ترى في الشرع وجماعته مجرد “جماعات تكفيرية وإرهابية” كما تصفها، ولا تثق في أي ضمانات تقدمها دمشق بعدم استخدام السويداء كقاعدة لتهديد إسرائيل.
الأهم، أن إسرائيل تعتبر السويداء جزءًا لا يتجزأ من أي “منطقة عازلة” مستقبلية في جنوب سوريا، ونزع سلاحها ودمجها في الدولة قد يخلخل هذا المخطط. الاتفاقية انتهت دون تحقيق أي تقدم يذكر، لكنها كشفت لنا كم كانت الرغبة دمشقية جامحة في السيطرة على السويداء، وكم كانت المقاومة إسرائيلية صلبة لإبقائها خارج السيطرة. كما أظهرت أن الموقف السوري الرسمي لا يزال يعتمد على إرضاء إسرائيل في ملفات أخرى مقابل الحصول على ضوء أخضر في السويداء، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى استقلالية القرار السوري.
في تطور إيجابي محدود، تم تبادل للأسرى بين دمشق والحرس الوطني في أوائل أبريل. أطلق سراح 25 أسيرًا من قوات الشرع مقابل 61 معتقلًا من الحرس الوطني. هذه الخطوة، وإن كانت تبشر باحتمال فتح قنوات تواصل، إلا أنها بقيت محدودة النطاق. فمصير المئات من المعتقلين والمختطفين من السويداء ما زال مجهولًا، وهناك قوائم طويلة بالأسماء التي تنتظر العدالة أو حتى مجرد معرفة مكان وجودهم. تبادل الأسرى لم يغير من طبيعة الصراع شيئًا. فغياب المفاوضات الجادة وإصرار كل طرف على موقفه يجعل أي حل سياسي مستبعدًا في المدى المنظور. في السويداء، يعيش الناس حالة من الترقب، ليس فقط لمواجهة عسكرية محتملة، بل لانهيار اقتصادي وشيك، حيث تعاني المحافظة من الحصار ونقص السلع الأساسية، بينما تُمنع أي مساعدات من دمشق.
ما يجري في السويداء اليوم ليس مجرد تمرد محلي، بل هو مرآة عاكسة لصراعات سوريا الكبرى. إنها صراع بين مشروع وحدوي تسعى إليه دمشق الجديدة، وبين تطلعات مناطقية تخشى التهميش والاضطهاد. إنها صراع بين الشرق والغرب، بين إسرائيل وسوريا، بين الأمس والغد. السويداء، بهدوءها المسلح ورفضها المبدئي، تُذكّر العالم بأن سوريا لم تحسم أمرها بعد، وأن أي سلام دائم لا يمكن أن يبنى على استبعاد أو إقصاء مكون بأكمله. مستقبل هذه المحافظة الجبلية قد يحدد مستقبل سوريا بأكملها. فإذا تمكنت حكومة الشرع من ترويض السويداء وضمها، فقد يكون ذلك بداية مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي. وإذا بقيت عصية، فقد تتحول إلى جبهة مشتعلة تستقطب كل الأطراف الفاعلة في المنطقة. في المحصلة، تبقى السويداء مفتاحًا من مفاتيح المستقبل السوري، وإسرائيل تمسك بالجزء الأكبر من هذا المفتاح. والأيام المقبلة كفيلة بمعرفة ما إذا كانت دمشق قادرة على فتح هذا الباب من جديد، أم أن السويداء ستتحول إلى “دولة داخل دولة” تحت ظلال الطائرات الإسرائيلية، في مشهد يعيد إنتاج لوحات التقسيم والتدويل التي مزقت المنطقة لعقود.

