
في الرابع عشر من أبريل 2026، وسط الهدوء الحذر الذي خيم على الجبهة الإيرانية بعد أسبوع واحد فقط من بدء الهدنة التي توسطت فيها الصين وباكستان، أطلق جهاز مجلس الأمن الروسي تحذيراً مدوياً قلب الموازين وأعاد تعريف طبيعة الصراع. ففي بيان رسمي صادر عن أجهزة المجلس، حذرت موسكو من أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تسعيان إلى استخدام “السلام المزيف” كغطاء لشن عملية برية شاملة ضد إيران. هذا البيان، الذي نقلته وكالات “إنترفاكس” و”ريا نوفوستي” و”تاس”، لم يكن مجرد تصريح دبلوماسي عابر، بل كان كشفاً استخباراتياً لعباً، يرتكز على متابعة حثيثة لتحركات البنتاغون الميدانية. ففي خضم اللقاءات في إسلام آباد ووعود ترامب الكاذبة، كانت الطائرات الأمريكية تنقل جنوداً وآليات ثقيلة إلى قلب الخليج، استعداداً لمعركة برية طال انتظارها قد تشعل حريقاً إقليمياً لا يمكن السيطرة عليه.
لم يكن التحذير الروسي وليد لحظة هستيرية عابرة، بل كان تتويجاً لتقييم واقعي لقدرات وطموحات البيت الأبيض بعد فشل حملة القصف الجوي التي استمرت 39 يوماً في تحقيق أهدافها. فمنذ بدء الحرب في 28 فبراير، شن الطيران الأمريكي والإسرائيلي آلاف الغارات التي استهدفت المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية وصولاً إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، لكن كل هذه الضربات فشلت في تحقيق الهدف المعلن: إسقاط النظام أو إجباره على الاستسلام. في هذا السياق، أصبح الخيار البري هو الورقة الأخيرة المتبقية في جعبة البنتاغون، ووقف إطلاق النار أصبح مجرد “مماطلة دبلوماسية” تهدف إلى كسب الوقت لاستكمال الاستعدادات اللوجستية قبل ضربة الحسم.
ظهر التحذير الروسي في لحظة دقيقة للغاية. ففي السابع من أبريل، كانت الأمم المتحدة في نيويورك تشهد مشهداً مألوفاً، حيث استخدمت روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار غربي يهدف إلى إعادة فتح مضيق هرمز. المندوب الروسي دميتري بوليانسكي برر الفيتو قائلاً إن القرار كان “مجرد غطاء لتبرير العدوان البري” . استخدم الجانبان الروسي والصيني حقهما في النقض (الفيتو) أيضاً ضد إصدار قرار آخر بمجلس الأمن طالبت فيه إدارة ترامب بـ “القبول الفوري بوقف إطلاق النار”، معتبرين أن القرار الغربي لا يأخذ في الاعتبار الأسباب الجذرية للأزمة المتعلقة بالعقوبات الجائرة والوجود العسري الأمريكي غير الشرعي في المنطقة .
بعد أسبوع واحد فقط، أي في 14 أبريل، كشف جهاز مجلس الأمن الروسي عن تفاصيل تحذيريته التي كانت وراء هذا الموقف المتشدد في مجلس الأمن. جاء في بيان المجلس، الذي نقلته وكالة “ريا نوفوستي”، أن “الولايات المتحدة وإسرائيل قد تستخدمان المفاوضات السلمية كغطاء للتحضير لعملية برية ضد إيران، خاصة أن البنتاغون يواصل تعزيز حشوده العسكرية في المنطقة” . المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، وإن كان قد رحب في البداية بقرار الهدنة واصفاً إياه بـ”الإيجابي”، سرعان ما عاد وأكد أن “موسكو تتعامل مع النوايا الأمريكية بقدر كبير من الشك” .
ويرى المراقبون أن التشكك الروسي ينبع من قاعدة ذهبية في العلاقات الدولية: تاريخ واشنطن الطويل مع خرق التعهدات واستغلال فترات التهدئة لتحقيق مكاسب عسكرية. فبالنسبة لموسكو، التي عانت من تمدد الناتو شرقاً على الرغم من “الضمانات الشفهية” التي قدمت في التسعينيات، فإن أي اتفاق لا يُوقّع ملزماً قانونياً هو مجرد قطعة ورق لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.
إذا كانت كلمات موسكو تحمل في طياتها تحذيراً سياسياً، فإن الأرقام العسكرية التي رافقت البيان حملت إدانة مادية لا تقبل الجدل. فبحسب بيان مجلس الأمن الروسي، فإن عدد القوات الأمريكية المنتشرة حالياً في الشرق الأوسط تجاوز حاجز الـ 50 ألف جندي. هذه القوات لم تأتِ للاستعراض، بل تم تزويدها بأحدث الأسلحة الهجومية والدفاعية استعداداً لسيناريو الحرب الشاملة. وتحديداً، أوضح مصدر في المجلس أن تجمع البنتاغون يضم أكثر من 2,500 من مشاة البحرية “المارينز”، يضاف إليهم 1,200 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً، وهي وحدات تُعرف بأنها “قوات الرد السريع” التي تُستخدم في عمليات الاختراق الأولى في الأراضي المعادية .
لكن الأكثر خطورة من القوات البرية، ما يجري في عرض البحر. حيث أعلن مجلس الأمن الروسي عن توجه “مجموعة استطلاع وهجوم برمائي” ضخمة تقودها السفينة “بوكسر” (Boxer) وعلى متنها آليات ثقيلة ودبابات، بالإضافة إلى “مجموعة هجوم حاملة طائرات” كاملة بقيادة السفينة “جورج بوش” (George H.W. Bush) التي تحمل طائرات إف-35 الشبحية القادرة على توجيه ضربات جوية قبل عبور حاملات الطائرات التقليدية .
هذه التعزيزات العسكرية، التي وصفتها وكالة “بلومبرغ” بأنها “الأكبر منذ حرب الخليج عام 1991″، لم تتوقف رغم إعلان الهدنة، وهو ما يؤكد أن البيت الأبيض لا يتعامل مع فترة التهدئة كفرصة للسلام بل كفرصة “لنفَس” لوجستي لاستكمال العدوان.
من العناصر المركزية في التحليل الروسي هو تأكيد أن طهران تدرك هذا الخطر جيداً، وأنها ليست غافلة عن نوايا الخصم. ففي الوقت الذي تتهادى فيه وسائل الإعلام الغربية بحديث “ثورة شعبية” ضد الحرس الثوري، يؤكد تقييم مجلس الأمن الروسي عكس ذلك تماماً. حيث أشار البيان إلى أن الحكومة الإيرانية والإدارة العسكرية تعملان بشكل “مستقر ومنتظم”، وأن طهران لا تزال تسيطر بشكل كامل على الوضع الداخلي دون أي مظاهر لعدم الاستقرار التي كان ترامب ونتنياهو يراهنان عليها . هذه النقطة بالغة الأهمية، لأنها تفند السردية الغربية التي كانت تروج أن القصف الجوي سينتج حالة من الفوضى تسمح للقوات البرية بالتدخل بسهولة. ما يعنيه ذلك، ببساطة، هو أن أي قوات برية أمريكية ستواجه جيشاً منظماً يحتفظ بمعظم قدراته، خاصة الصواريخ الباليستية المضادة للسفن والقدرات الدفاعية الجوية.
وقد أكد هذا التحليل تقارير ميدانية أخيرة. فوكالات الأنباء ذكرت أن طهران شرعت في تحصين جزيرة “خارك” النفطية، أهم ميناء لتصدير النفط، بوضع عشرات الآلاف من الألغام البرية المضادة للأفراد والدروع حول محيطها، تحسباً لأي عملية إنزال أمريكي . وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أيضاً تحدث بلهجة لا تخلو من التحدي، معلناً أن إيران تمتلك “بطاقات جديدة” على الطاولة لم تستخدم بعد، وأن الجيش الإيراني “ينتظر” القوات الأمريكية لتدوس على الأرض لتجد النار تحت أقدامها . هذا التطابق في الرؤى بين طهران وموسكو حول طبيعة التهديد يشير إلى تنسيق استخباراتي وعسكري وثيق في أروقة الحرب.
من العجيب أن الهدنة ذاتها التي يشتبه الروس في أنها “شرك” لجلب القوات، تمت برعاية ووساطة دولتين رئيسيتين هما الصين وباكستان . وبينما ترى موسكو أن بكين تلعب دوراً دبلوماسياً “بنّاءً” في العادة، إلا أن بعض المراقبين تساءلوا: لماذا وافقت إيران على وقف إطلاق النار في الوقت الذي كانت واشنطن تتعرض فيه لضغوط داخلية هائلة لوقف نزيف خسائرها الجوية؟ الإجابة التي يطرحها المحللون الموالون للكرملين هي أن إيران أرادت كسر العزلة وكسب الوقت، ولكن بنفس الوقت، ربما سقطت في فخ الدبلوماسية.
إذ أن باكستان، الوسيط الرئيسي، هي حليف تقليدي لواشنطن، وهي دولة نووية تتمتع بعلاقة وثيقة مع الجيش الأمريكي. لكن يبقى الموقف الباكستاني الرسمي حتى الآن متزناً، حيث رفضت الحكومة الباكستانية السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها لأي عمل عسكري ضد إيران، مكتفية بلعب دور الوسيط المحايد. روسيا من جانبها دائمًا ما تنتقد غياب التمثيل الأوروبي أو الأممي الحقيقي في طاولة الحوار، معتبرة أن إبعاد موسكو عن المفاوضات هو دليل على أن واشنطن تريد اتفاقاً لا يخدم السلام بل مصالحها التوسعية الضيقة.
نظراً لتنامي الحشود العسكرية، يتوقع الكثير من المحللين الدوليين، ومنهم مجلس الأمن الروسي نفسه، أن هذه الهدنة لن تدوم. التصعيد الوشيك بات وشيكاً، بل قد تكون الأيام القليلة المقبلة هي الأخيرة للهدوء المصطنع. وكما صرح مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب السابق جو كينت، فإن الوجود العسكري الضخم في المنطقة هو “فتيل جاهز للاشتعال”، وإن تركيا وأوروبا تدركان أن أي انفجار جديد سيكون بوتيرة عنف غير مسبوقة، قد تنزلق معه القوى الكبرى إلى حرب إقليمية شاملة.
في الخلاصة، إن تحذير مجلس الأمن الروسي ليس مجرد تصريح عابر، بل هو جرس إنذار أخير يطلقه الكرملين في وجه المغامرة الأمريكية في إيران. فموسكو، التي أثبتت خلال الحرب الأوكرانية قدرتها على كسر الآلة العسكرية الغربية عبر التحالفات الاقتصادية والصبر الاستراتيجي، تدرك اليوم أن سقوط طهران أو حتى إخضاعها تحت الاحتلال سيكون ضربة قاصمة للاستقرار العالمي، وستفتح الباب أمام هيمنة أمريكية-إسرائيلية كاملة على الشرق الأوسط، وهو ما يتعارض مع الرؤية الروسية لنظام عالمي متعدد الأقطاب. بين المفاوضات في إسلام آباد، والغواصات في الخليج، والجنود في ثكنات الكويت، يبقى السؤال المطروح: هل ستنجح الدبلوماسية في نزع فتيل هذه القنبلة، أم أن العالم على موعد مع خوذات “المارينز” على أراضي طهران قريباً؟ موسكو حذرت. والباقي متروك لقدرة العقلاء في البيت الأبيض على الإصغاء قبل فوات الأوان.

