
تثبت الأحداث والتطورات أن أرض روسيا وروح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مجبولتان في مادة واحدة.. فقد أضحت خطاباته يوم النصر صرخة للمجد تتجاوز مساحة روسيا الشاسعة وتصل أرجاء العالم ..
ولم يعد بوتين بعد الصراع الأوكراني رئيسا، وإنما أصبح رمزا وشعارا، وهو يحمل الشعلة الروسية التي تنبض بالحياة وتزداد اتقادا ووهجا عاما بعد عام، في وقت تتحرك فيه صفائح السياسة بين موسكو وواشنطن وبين الغرب والشرق لإنتاج نظام عالمي جديد …
في الذكرى الواحدة والثمانين العظيمة للنصر على النازية، ازدانت الساحة الحمراء بوحدات عسكرية من الضباط والجنود في صفوف منظمة ثابتة، وبأعلام النصر السوفيتية وأعلام روسيا الاتحادية، مع ثلة قليلة باقية من المحاربين القدامى الذين خاضوا الحرب عندما كانوا في ريعان الشباب، وقد ارتدوا الأوسمة المتعددة …
كل ما تحلم به روسيا من قوة ومنعة ودور يصوغه الرئيس بوتين في رسالة واضحة متكاملة إلى الداخل لتعزيز الوحدة والمحافظة على إرث النصر وعلى مآثر الشعب الروسي من أجل حماية روسيا وقواتها الجوفضائية.. وقد أظهرت كل الحروب التي خاضها الجيش الروسي أن الولاء للوطن هو السمة التي تجمع الروس، كما قال الرئيس بوتين في عيد النصر على النازية، مشيرا إلى أن حب الوطن هو القوة التي توحد روسيا بأكملها، وأن النصر كان وسيظل دائما لروسيا…
وفيما تثبت روسيا أنها أصبحت في قمة العالم رقما عالميا صعبا كما كانت خلال الحرب الباردة، بعد الانتصارات التي حققها الجيش الروسي وبعد أن استعادت معظم أراضيها من أوكرانيا وضمتها إلى الوطن الأم، فإن الدول الغربية لم تكف عن محاولاتها سرقة النصر على النازية والتشكيك في الدور الروسي في تلك الحرب. وهذه الدول لا تزال رغم التقدم الكبير للجيش والأسلحة الروسية تحاول هزيمة روسيا، التي قال رئيسها أن بلاده والنصر صنوان وحليفان …
الرئيس بوتين جدد التذكير بأن الشعب السوفيتي قدم الإسهام الحاسم في هزيمة النازية، واعتبر الرئيس بوتين بأن الغرب توقع انهيار روسيا في غضون ستة أشهر.
وأضاف: “كانوا يعتقدون أن كل شيء سينهار، ستتوقف الشركات عن العمل، وسيتوقف النظام المصرفي عن العمل، وسينتهي المطاف بملايين الأشخاص في الشوارع”.
وتابع: “كلما ازدادت قوة روسيا، تلاشى هذا الأمر أسرع”. وشدد بوتين على أن سبب نشوب النزاع الأوكراني أصلا هو “خطط دبرتها النخب الغربية العالمية”….
وفي يوم النصر، ألقى الرئيس بوتين خطابه السنوي في الساحة الحمراء أمام وحدات منتظمة من الجيش الروسي، وبرفقته عدد كبير من الضيوف والقادة من بينهم الرئيس البيلاروسي لوكاشينكو ورئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيتسو، بعدما هدد الرئيس الأوكراني زيلينسكي باستهداف احتفالات عيد النصر في الساحة الحمراء. كما التقى الرئيس بوتين الصحفيين في الكرملين ووجه رسائل سياسية متعددة، كان أهمها ما قاله لأول مرة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 من أن الصراع الأوكراني يقترب من نهايته، وأنه على استعداد للقاء زيلينسكي في موسكو في حال التوصل إلى اتفاق سلام نهائي. مؤكدا أن الإنجاز العظيم لجيل النصر يلهم المشاركين في العملية العسكرية الروسية الخاصة الذين يتصدون لقوة عدوانية يدعمها حلف “الناتو” بأكمله.
أما وزير الخارجية سيرغي لافروف فقد أشار إلى عدم قدرة الولايات المتحدة على فرض تنفيذ اتفاق ألاسكا بين بوتين وترامب في قمة أنكوريج، وذلك بسبب موقف زيلينسكي ودعم أوروبا له والرغبة في إطالة أمد الحرب، على عكس رغبة ترامب الذي يعمل على إنهاء القتال والتوصل إلى اتفاق سلام. وأكد لافروف أنه في قمة ألاسكا بين الرئيسين ترامب وبوتين تم الاتفاق حول إنهاء الحرب في أوكرانيا ….
واليوم تكتب القوات الجوفضائية الروسية تاريخ روسيا، وتسجل السياسة الروسية حضورا موازيا لأمريكا والصين على الساحة الدولية وداخل مجلس الأمن بعد تراجع الدور الأوروبي. وتبدو محاولات أوروبا، وبخاصة ألمانيا، للنيل من الهيبة والقوة الروسية ومحاولة امتلاك سلام نووي وهزيمة روسيا مجرد أوهام مصيرها الفشل مع تراجع دور أوروبا وتفكك الناتو واتساع الهوة بين أمريكا وحلفائها الغربيين …
رسائل روسيا في عيد النصر تحمل معاني ودلالات، وترتكز على أن النصر سيبقى دائما حليف روسيا التي لا تعرف الهزيمة .. وأن روسيا التي تعادل مساحتها أمريكا والصين معا تعود بقوة للعب دور محوري على المسرح العالمي وداخل مجلس الأمن الدولي لمواجهة التحديات واستعادة الأمن والسلام العالميين بعد حربي أوكرانيا والشرق الأوسط ….

