
استقبال رسمي حافل لبوتين في بكين…. وحصاد القمة الصينية الروسية وفير وكبير..
لم يكن مستغربا هذا الاستقبال الرسمي الصيني الكبير، وهذا الاهتمام الإعلامي المحلي والدولي المنقطع النظير لزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين بعد أيام من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الباهتة.. فالشيء يظهر حسنه الضد…
ولم تكن نتائج القمة الروسية الصينية الخامسة والعشرين في بكين في التاسع عشر من مايو/أيار ٢٠٢٦ نتائج عادية، فالقمة تميزت من ناحية الشكل والمضمون والتوقيت بعد أيام من زيارة ترامب للصين ومحاولاته دق إسفين بينها وبين إيران وخلخلة التوازنات التي تسعى موسكو وبكين لبنائها وتكريسها وتعزيز العلاقات الثنائية والتعاون على الساحة الدولية في ضوء التوافق التام بين الدولتين العظيمتين بشأن الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية والدفاعية المشتركة، والسعي لإقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب بدلا من نظام الأحادية القطبية…
فالقمة التاريخية الصينية الروسية التي انعقدت بمناسبة اليوبيل الفضي لمعاهدة حسن الجوار، وشارك فيها وفد روسي سياسي واقتصادي وأكاديمي كبير يضم خمسة نواب لرئيس الوزراء وعددا من الوزراء وممثلين عن مختلف الوزارات والمؤسسات، كانت حافلة باللقاءات والمواقف والفعاليات، بدءا بجلسة المحادثات السياسية وافتتاح المركز العلمي الروسي الصيني لتبادل الخبرات العلمية بين الجامعات، واللقاء بين الرئيس بوتين ورئيس وزراء الصين لي تشيانغ، وصولا إلى حفلة الشاي بين الرئيسين وسط أجواء الصداقة والذكريات القديمة، ثم اختتام القمة على أمل اللقاء بين الرئيسين بوتين وشي جين بينغ العام القادم في موسكو، وانتهاء فعالياتها وجدول أعمالها بحضور الرئيسين، حيث جرى التوقيع على أربعين اتفاقية ومذكرة تشمل بالدرجة الأولى التبادل التجاري والطاقة وتسريع الخطوات لبناء الممرات والمشاريع الاقتصادية المشتركة، وتنشيط السياحة والزيارات وعبور الأشخاص دون تأشيرات دخول بين البلدين، وتسهيل الممرات كممر الشمال عبر المتجمد الشمالي وممر آسيا الوسطى عبر بحر قزوين، وتوريد الغاز إلى الصين عبر خط الغاز الذي يعبر سيبيريا، وتعزيز التنسيق السياسي بين البلدين وتطوير العلاقات الاقتصادية وزيادة التبادلات التجارية التي بلغت قيمتها ٢٤٠ مليار دولار في العام الماضي، حيث يتم ٩٠ بالمئة من المبادلات بالعملات الوطنية الروبل واليوان كبديل عن الدولار….
ومن الصعب الإحاطة بالزيارة وفعالياتها وما تخللها وما نتج عنها من مواقف وتصريحات.. غير أن جلسة المحادثات السياسية وما تضمنه البيان الصادر عن القمة لخصا إلى حد كبير مجمل المواضيع التي تضمنها جدول أعمال القمة الروسية الصينية، مع الإشارة إلى أن القمة الصينية الأمريكية في الثالث عشر من مايو ٢٠٢٦ لم يصدر عنها بيان مشترك، ولم يعقد الرئيسان مؤتمرا صحفيا مشتركا، ولهذا بلا شك مغزى ودلالة سلبية لاقت انتقادات حادة باعتبارها مؤشرات على فشل زيارة ترامب للصين، مقابل أجواء الارتياح الرسمية والشعبية لنجاح زيارة بوتين إلى الصين، وقد خاطب نظيره الصيني لدى لقائهما بعبارة “الصديق العزيز، شي جين بينغ”، مستشهدا بمثل صيني شهير يعبر عن شوق اللقاء حين قال: “لم نر بعضنا يوما واحدا، وكأن ثلاثة خريف قد مضت”.
ووصف بوتين العلاقات بين روسيا والصين بأنها وصلت إلى مستوى غير مسبوق، وتشكل نموذجا لشراكة استراتيجية حقيقية.
وأكد بوتين أن بلاده تحافظ على دورها كمورد موثوق لمصادر الطاقة في ظل الأزمة في الشرق الأوسط، فيما تواصل الصين أداء دور المستهلك المسؤول لموارد الطاقة في ظل الأزمة الراهنة في منطقة الشرق الأوسط.
وشدد الرئيس الروسي على أن روسيا والصين تسعيان إلى بناء نظام عالمي أكثر ديمقراطية.
من جانبه قال الرئيس الصيني خلال محادثاته مع بوتين: إن بوتين صديق قديم.
ووصف الوضع على الساحة الدولية بالفوضوي، ودعا إلى وقف الأعمال العدائية في الشرق الأوسط بشكل فوري، في إشارة إلى الحرب الأمريكية على إيران.
وأكد أنه يجب على روسيا والصين بناء نظام أكثر عدلا للحوكمة العالمية، وأكد أن العلاقات بين روسيا والصين وصلت إلى مستوى متقدم بفضل تعزيز الثقة السياسية بين الجانبين.
وبينما كان اليأس والصخب يملآن الأرجاء حول نتائج زيارة الرئيس ترامب إلى الصين، كان الرئيس بوتين ونظيره الصيني يحتفلان معا بالشراكات المتعددة وبمستوى العلاقات السياسية والصداقة بين قيادتي وشعبي البلدين، وبمستوى التعاون الاقتصادي والتبادلات التجارية..
وقد عكس البيان الصادر عن القمة مستوى هذه العلاقات بين العملاقين الآسيويين، والثقة المتبادلة والإرادة السياسية، بالإضافة إلى أهمية الجغرافيا والتاريخ المشترك بين الروس والصينيين في صهر العلاقات الدولية وخلق أجواء من الإخوة والصداقة وحسن الجوار، وقد خاضت الصين الحرب العالمية الثانية ضد اليابان، كما خاضت روسيا الحرب ضد النازية.
وبدأ البيان المشترك بعبارة: (إن روسيا والصين):
تؤكدان أن شن الهجمات واغتيال قادة الدول والتحريض على تغيير السلطة بها انتهاك لميثاق الأمم المتحدة.
(وأن روسيا والصين) ستعملان معا على منع الهجمات الإرهابية ومكافحة استخدام الجماعات الإرهابية لتحقيق أهداف سياسية.
(وأن روسيا والصين) تؤكدان مجددا دعمهما لنظام دولي للحد من التسلح تكون هيئة الأمم المتحدة محوره..
(وأن روسيا والصين) أعربتا عن قلقهما إزاء خطط دول الاتحاد الأوروبي غير النووية لامتلاك أسلحة نووية، في إشارة إلى سعي ألمانيا لامتلاك سلاح نووي.
وحول الأزمة في تايوان والحرب في أوكرانيا، قال البيان إن روسيا تؤكد التزامها بمبدأ “الصين الواحدة”، فيما أعلنت الصين دعمها الجهود الروسية لضمان السيادة وسلامة الأراضي، وأكدت أنها تعارض التدخل في شؤون روسيا الداخلية….
وفي نظرة سريعة لنتائج القمة بين الرئيسين بوتين وشي جين بينغ، نكتشف أن القمة الصينية الروسية بما تضمنته من التوقيع على ٤٠ اتفاقية ومذكرة تعاون شملت مختلف مجالات التعاون، وبخاصة الطاقة والتعليم والتكنولوجيا، وبما أظهرته من ثقة وصداقة عبر عنها الرئيسان شي وبوتين بلغة تنبض بالاحترام والأمل والإصرار والإرادة، وبما نضح به البيان المشترك الصادر عن القمة من رسائل سياسية شديدة الأهمية أصابت في الكبد الولايات المتحدة التي اتبعت سياسة الغاب ضد فنزويلا وإيران وكوبا، في وقت تحاول واشنطن إدارة ترامب دق إسفين بين روسيا والصين، كما فعل نيكسون في ستينات القرن الماضي عندما زار الصين خلال الحرب الباردة أثناء حرب فيتنام.
ولكن زمن أول تحول، وما جاء به البيان المشترك الصادر عن قمة بوتين وشي يعكس عمق الثقة السياسية بين البلدين ومستوى العلاقة الاستراتيجية بينهما…
هو خطاب روسي صيني موحد وصريح تتكامل أهدافه على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني عبر منظمة البريكس، وعلى المستوى الأمني عبر منتدى شنغهاي، وعلى المستوى السياسي من خلال هذا المستوى الرفيع من التعاون العسكري والعلمي والتجاري والتكنولوجي، وعلى المستوى الدولي في مجلس الأمن والمحافل الدولية لبلورة نظام عالمي جديد وبناء عالم متعدد الأقطاب خارج شروط وإطار الهيمنة الأمريكية.
ولا شك أن زيارة بوتين إلى الصين من ألفها إلى يائها، وما نتج عنها من توحيد للقوى والمقدرات والإمكانات بين روسيا الاتحادية والصين الشعبية لمواجهة الضغوط والعقوبات الغربية، يمكن اعتبارها ضربة معلم في توقيتها ومكانها في الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لمعاهدة حسن الجوار بين روسيا والصين، والتي أنهت عقودا من عدم الثقة والتوترات بين البلدين الآسيويين العملاقين خلال فترة الحرب الباردة، غير أن هذه الصورة تبدلت، وبدأت الدولتان عهدا جديدا من الصداقة والتعاون رغم الاختلاف الأيديولوجي، وهما اليوم تكافحان معا لنقل مركز ثقل العالم من الغرب إلى الشرق، ولبناء نظام متعدد الأقطاب بدلا من نظام القطب الواحد، وقد قطعت الدولتان شوطا هاما في هذا المسار الطويل والشاق، والذي يحتاج إلى تضحيات وجهود لتحقيق حلم آسيا وشعوبها، وهي أكبر قارة في المساحة وعدد السكان، للعب دور أساسي على الساحة الدولية بتحالف القوى الثلاث: روسيا والصين وإيران، واستكمال مشروع الحزام والطريق الصيني الذي تشكل إيران قلبه النابض، والذي أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تأييد بلاده لاستكماله ليكون جسرا للتجارة وللسلام يربط بين دول العالم….

