
يختلط في سوريا الجد باللعب، والحابل بالنابل، فلا يزال بعض السوريين يشككون بالنوايا الأميركية الحقيقية تجاه بلدهم، بالنظر إلى العلاقات والمصالح المشتركة التي تربط الولايات المتحدة مع إسرائيل، والتي تعمل على تفتيت سوريا وتقسيمها، وتواصل اعتداءاتها على مناطق الجنوب.
وبالتوازي مع الحملة الأمنية على تنظيم داعش في الجنوب السوري، والقبض على الخلية المسؤولة عن تفجيرات دمشق أثناء زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا في 7 يوليو/تموز، كانت العاصمة التركية أنقرة تشهد القمة الأميركية السورية الرابعة بين الرئيسين دونالد ترامب وأحمد الشرع، كما شهدت أيضا اجتماعا هاما بين الشرع ووفد كبير من الكونغرس الأميركي. وتخللت القمة قرارات برفع اسم سوريا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، ومنح فرصة حقيقية هذه المرة لتمكين الاستثمارات الأجنبية وتوطينها، والاندماج الكامل في المجتمع الدولي سياسيا واقتصاديا بعد عزلة طويلة. فقد صدر قانون وضع سوريا على قائمة الدول الداعمة للإرهاب عام 1979.
ومع أن استراتيجية الأمن القومي الأميركية في المنطقة تتعارض كليا مع الحرب التي شنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران لخدمة إسرائيل، وهو الأمر الذي خلط الأوراق وجعل أوروبا والناتو خارج الصراع، فإن ترامب يرفض الاعتراف بالفشل والهزيمة، ويحاول أن يقلل الخسائر ويضفي على حربه عناصر جديدة، لعل وعسى يجد لنفسه مخرجا ويحفظ ماء الوجه. وقد وجد ضالته في سوريا ولبنان، اللذين يعتبرهما ساحة خصبة وملائمة لتنفيذ خططه وتصدير صورة له بأنه صانع السلام. وقد استطاع عبر الضغط على الحكومة اللبنانية التوصل إلى اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل في واشنطن. كما أن ترامب لا يترك مناسبة إلا ويشيد فيها بسوريا وقيادتها، وقد التقى مع الشرع في أنقرة على هامش قمة الناتو، وهي القمة السورية الأميركية الرابعة منذ عيد التحرير والنصر في 8 كانون الأول 2025. لكن ظروف هذه القمة تختلف عن القمم السابقة، حيث بدأت سوريا تستعيد مكانتها على الساحة الدولية بالتدريج. وقد لعب الرئيس الأميركي شخصيا دورا رئيسيا في هذه العودة منذ قمة الرياض بمشاركة الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر الفيديو، وبعد ذلك قمة نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة في أيلول 2025. أما ثالث قمة سورية أميركية فكانت قمة واشنطن التاريخية حين قام الشرع بأول زيارة لرئيس سوري إلى البيت الأبيض.
وفي نظرة عامة إلى التحولات الكبرى في سوريا، فإن العلاقات السورية الأميركية تتصدر هذه التحولات، حتى ليكاد يبدو أن العلاقات بين دمشق وواشنطن وُلدت في 8 كانون الأول 2025، ولم تكن شيئا قبل ذلك، رغم أن آخر لقاء قمة سورية أميركية كان في عام 2000 بين الرئيس الأسبق حافظ الأسد وبيل كلينتون.
وبموازاة التحول الكبير على صعيد تحسين العلاقات بين دمشق وواشنطن، كانت العلاقات السورية التركية تشهد نقلة نوعية، مع الإشارة إلى أن أردوغان حضر عبر الفيديو قمة الرياض بين ترامب والشرع. وقمة أنقرة على هامش قمة الناتو كانت تحمل في طياتها، ومكانها وتوقيتها، رسالة أميركية تركية مشتركة. ولم تعد تركيا مجرد دولة جارة تربطها بسوريا الجغرافيا والتاريخ وحدود مشتركة تمتد 950 كم، بل أصبحت صاحبة نفوذ لا يضاهيه نفوذ داخل سوريا، وأصبح المسؤولون الأتراك السياسيون والعسكريون والاقتصاديون لا يبرحون قصر الشعب منذ دخول الشرع إليه. وهذا الموقف التركي يلقى بظلاله أيضا على المواقف الأميركية، حتى إن إدارة ترامب عينت السفير الأميركي لدى واشنطن توم باراك مبعوثا لها في سوريا، قبل أن يتم تعيينه مبعوثا شخصيا للرئيس ترامب في سوريا والعراق.
ومع أن الدور التركي كان الأبرز على الساحة السورية، وله ركائز تاريخية واجتماعية، فإن ترامب يتبجح ويعلن أنه هو من جلب الرئيس الشرع إلى الحكم في سوريا. ومع أن الجميع أصبح لا يقيم وزنا لتصريحات ترامب الخلبية والمزاجية في كثير من الأحيان، وبخاصة حول سوريا، فإنه يحاول من خلال علاقاته القوية مع الرئيس الشرع، ومع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، أن يطفئ النار بالبنزين بدلا من حل القضايا العالقة والمعقدة بين هذه الأطراف. وهو يدفع بسوريا إلى الدخول في قلب المعركة الدائرة في الشرق الأوسط، دون مراعاة ظروفها الموضوعية والذاتية، ويسعى لإشعال حرب إسلامية إسلامية بين السنة والشيعة في لبنان تحت عنوان نزع سلاح حزب الله، مستغلا روح الانتقام المتأججة عند العناصر والفصائل الأجنبية، ويدفع منذ البداية لزج الجيش العربي السوري في معركة لصالح إسرائيل ضد حزب الله اللبناني.
ولكن مع تطورات الحرب الأميركية الإيرانية وفشل إسقاط النظام في إيران والقضاء على حزب الله، فإن هذا الأمر أصبح يحتل الأولوية في السياسة الأميركية، بالنظر إلى دور حزب الله المؤثر على مجريات الحرب المستمرة بأشكال مختلفة، والمتواصلة عبر تبادل الصفعات بين أميركا وإيران، رغم وقف إطلاق النار والتوقيع في سويسرا على اتفاق إنهاء الحرب.
أربع لقاءات بين الرئيس ترامب والرئيس الشرع في الرياض ونيويورك وواشنطن، وأخيرا في أنقرة، ومع كل لقاء هدية. فواشنطن تتبع سياسة العصا والجزرة مع سوريا، والهدايا السياسية التي يقدمها ترامب بشكل تدريجي تثير تساؤلات أكثر مما تقدم من إجابات عن أهدافه، وهل أن أميركا جادة في إعادة الأمن والاستقرار إلى سوريا وإعطاء السوريين فرصة كما يقول مسؤولوها، أم إنها تخدم مصالحها وتحقق الأمن لإسرائيل على حساب الجميع. فرفع العقوبات الاقتصادية وقانون قيصر كان هدية ترامب الأولى في الرياض، وخطاب الشرع أمام الجمعية العامة وعودة سوريا إلى المجتمع الدولي في أيلول 2025 كان الهدية الثانية. أما قمة واشنطن فحدث ولا حرج، فقد انضمت سوريا خلالها إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، وأصبحت الدولة التسعين ضمن هذا التحالف، وتم رفع اسم الشرع عن قائمة الإرهاب بعد جهود أميركية في مجلس الأمن، مع زجاجة عطر قدمها ترامب إلى الرئيس السوري في إشارات إيجابية ومدائح شخصية من ترامب تجاه الشرع.
أما الهدية الرابعة في القمة الرابعة، فكانت قرار ترامب رفع اسم سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب، وإرسال رسالة من الخارجية الأميركية إلى الكونغرس لتسريع البت بالمسألة المستمرة منذ عام 1979.
في مكان ما، يشعر المتابع للأحداث التاريخية الجارية في الشرق الأوسط والتحولات الكبرى في هذه المنطقة أن الرئيس ترامب بات ينتظر من الرئيس الشرع، بعد كل هذا الإطراء وهذه الأوصاف التي يطلقها عليه كالرجل الشجاع والذكي والقائد الكبير، أن يصبح جزءا مركزيا ضمن منظومة التحالفات الأميركية في المنطقة. فعلاقات سوريا مع حزب العدالة والتنمية ومع الرئيس أردوغان لا حدود لها أمنيا وعسكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا.
لكن هذه التحالفات وظهور الشرع مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد زيارته دمشق، وأخذه الشرع إلى قمة الناتو بما تحمل من رمزية ودلالات، تشير إلى أن الموقع والدور الذي يتم إعداده لسوريا وللرئيس الشرع في إطار الصراع الدائر في المنطقة يتجاوز كثيرا الواقع السوري الحالي، ويتصل بالاستراتيجية الأميركية الشاملة في المنطقة، والتي تختلف بشكل كبير عن النظرة الإسرائيلية التوسعية والعنصرية. فما يهم أميركا هو استمرار الصراع الطائفي في المنطقة وحماية أمن إسرائيل، غير أن إسرائيل تتخوف من تنامي قوة سوريا بقيادة الشرع، ولدى إسرائيل ما يشبه الفوبيا من التنظيمات الدينية العقائدية بعد تجربتها مع حماس وحزب الله. ولهذا يبرز الخلاف والتباين بين ترامب ونتنياهو في موضوع دعم الرئيس الشرع، الذي يريد حقا أن يخفف من الصراع في المنطقة وينأى بسوريا قدر الإمكان لمصلحة البناء والإعمار والاستثمار. غير أن التنافس الشديد بين تركيا في الشمال وإسرائيل في الجنوب، وإصرار ترامب على دخول سوريا الحرب ضد حزب الله، ودعواته المتكررة للرئيس الشرع للقضاء على حزب الله والعمل على تهيئة الأجواء شمال لبنان والبقاع لدخول الجيش السوري، وترحيب أبناء طرابلس وأبناء القبائل والعشائر في وادي خالد بهذه الخطة الترامبية، أصبح حديث المحللين الذين يعتقدون أن الرئيس الشرع في موقف لا يحسد عليه، وهو يحاول الموازنة بين هذه المتناقضات التي تجذبه ثلاث دول باتت تتحكم عمليا بسوريا: إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة. لكن تركيا قطعت كل الجسور والحبال ورفضت بشكل قاطع السماح بدخول الجيش السوري للقضاء على حزب الله في لبنان. وهذا الموقف التركي وضع المنطقة أمام وقائع جديدة، وجعل ترامب يعود من جديد لوضع الخطط ورسم السياسات بعد أن كان المخطط المرسوم والمعد مسبقا أن يدخل الجيش السوري والفصائل الأجنبية المتطرفة، والتي تعد بالآلاف، من سوريا إلى لبنان. ولكن هذا لم يحدث، وفشلت خطط ترامب ونتنياهو حتى الآن بسبب تركيا.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن إسرائيل تريد زعزعة استقرار المنطقة، وإن بلاده غير متأكدة من أن إسرائيل تريد رؤية سوريا مستقرة وقوية ومتطورة. وحذر إسرائيل من أن أي محاولات لعرقلة التقدم في سوريا قد تؤثر على استقرار المنطقة، وأكد أنه لا يوجد سبب يدفع إلى مواجهة مباشرة بين تركيا وإسرائيل رغم التصريحات والتوترات الأخيرة. وشدد فيدان على ضرورة ضمان أمن وسيادة ووحدة الأراضي السورية.
وسط هذه الأجواء والتناقضات، فإن الرئيس ترامب لا يزال يساوم الجميع، وقد وعد تركيا، كما ذكرت بعض التقارير، بتزويدها بطائرات إف 35 إذا أعطت الضوء الأخضر للشرع للدخول إلى لبنان. وفي المقابل، أصلح ترامب ما أفسده الدهر بينه وبين نتنياهو ودعاه لزيارة واشنطن. ذلك أن العلاقة بين نتنياهو وأردوغان وصلت إلى الشيطان الرجيم، مع أن ترامب أعلن أنه ما كان ليشارك في قمة الناتو لولا عمق الصداقة التي تربطه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في إشارة إلى غضبه الشديد من الاتحاد الأوروبي الذي يخرج شيئا فشيئا من المعادلة السورية، رغم إصرار ماكرون وحرصه على دعم سوريا وزيارته دمشق. لكن كل هذا لم يشفع لماكرون عند ترامب، في موقفه الحيادي من الحرب بين أميركا وإيران.
اختلاف أميركا مع حلفائها بشأن الموقف من سوريا أصبح حقيقة، وبخاصة تركيا وإسرائيل وأوروبا. وحرب التصريحات والتصعيد السياسي بين أنقرة وتل أبيب ربما يتحول مع الأيام إلى صدام عسكري، مع أن تركيا تحصن نفسها بتحالفات قوية مع روسيا أحيانا، وبكونها عضوا في الناتو أحيانا أخرى، بالإضافة إلى التحالف مع مصر وباكستان والسعودية.
فتركيا، في نهاية المطاف، تحرص على ألا يصل الخلاف بينها وبين إسرائيل على الأراضي السورية إلى صدام عسكري، وأن يبقى في الإطار السياسي. ومع أن النفوذ التركي يتسع أفقيا وعموديا على المستوى السياسي والأمني بما يرضي الحكومة السورية، مع وجود ملايين النازحين في تركيا، فيما تستغل إسرائيل ظروف سوريا المعقدة لاحتلال المزيد من الأراضي بعد أن اعترف ترامب بحق إسرائيل في الجولان، ما يشجعها على المزيد من التغول، وباتت عمليا تسيطر على الجنوب السوري، وبخاصة وادي اليرموك، الذي تتوغل قواتها يوميا وتعتدي على أبناء القرى والمزارعين، وعينها على مياه اليرموك الغزيرة. كما تواصل دعم الانفصاليين في السويداء بقيادة الشيخ حكمت الهجري، وتدعم مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، كوسيلة ضغط على الحكومة السورية وعلى تركيا أيضا.
والمفارقة أن سوريا التي يطمع الجميع بثرواتها وأرضها تلعب دور رجل الإطفاء بين هذه الدول المتنافسة على ثرواتها، ولا تزال تقف وسط الحلبة تتجاذبها القوى المختلفة يمينا ويسارا وشرقا وغربا، وقد نجحت بعد عام و7 أشهر في تعطيل هذه القوى المتناقضة، وبقي الموقف السوري المتوازن يحظى باحترام الجميع في واشنطن وأنقرة وموسكو والاتحاد الأوروبي والخليج العربي. ولا يزال الرئيس الشرع يتبع سياسة المجاملة مع الجميع من أجل المحافظة على مصالح سوريا، ويرفض الدخول في مواجهة عسكرية مع العدو الإسرائيلي من خلال السياسة اللينة والمتوازنة والدعوة إلى العودة لاتفاق 1974.
وتأمل الحكومة السورية من الولايات المتحدة أن تقوم بلجم الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب السوري، وأن تدعم إعادة توحيد سوريا، وتواصل جهودها للتوصل إلى اتفاقية أمنية سورية إسرائيلية. وباتت تعول كثيرا على أميركا وعلى العلاقات الأميركية السورية التي تهدف إلى تقوية الاقتصاد السوري بعد رفع العقوبات والإجراءات العقابية ضد سوريا، واستعادة سوريا دورها ومكانتها الكاملة في المجتمع الدولي، وانضمامها إلى التحالف ضد داعش، حيث تخوض القوى الأمنية والجيش حربا واسعة ضد التنظيم. وقد أعلنت الداخلية السورية إلقاء القبض على أفراد خلية تنتمي إلى داعش كانت مسؤولة عن تفجيرات دمشق خلال زيارة ماكرون إلى سوريا في السابع من تموز.
غير أن الاهتمام الأميركي والدلال والمديح الذي يحظى به الرئيس الشرع لا يزال مجرد تصريحات مجانية لم يتم صرفها على أرض الواقع، حيث لا تزال سوريا بلا استثمارات حقيقية، وهي تنتظر من أميركا المبادرة بعد التوقيع مع شركة شيفرون للتنقيب عن النفط والغاز أمام الشواطئ السورية.
كما لا تزال الأراضي السورية محتلة وتتعرض للخرقات اليومية. ومع أن الرئيس الأميركي ترامب يتباهى دائما ويقول: أنا من جلب الرئيس الشرع إلى الحكم، فإن الشرع يضع تصريحات ترامب في سياق طبيعة هذا الرئيس النرجسي وتقلباته ومزاجه، وقد رفض الشرع بشدة حتى الآن الدخول إلى لبنان تحت أي ظرف، كما كان متوقعا، حيث كان الاتفاق أن تدخل سوريا إلى لبنان تحت ذريعة نزع سلاح حزب الله، لكن رفض تركيا التعاون مع إدارة ترامب جعل هذا الأمر يبدو مستحيلا اليوم، بالنظر إلى ما تتمتع به تركيا من نفوذ داخل سوريا، وهي تستطيع أن تقلب الطاولة على الجميع متى أرادت.
يحيى كوسا

