
في حديث خاص مع شبكة شام نيوز إنفو على هواء إذاعة فيرجن إف إم، أكد الكاتب والمحلل السياسي الأستاذ جانبلات شكاي، مراسل صحيفة “القدس العربي” اللندنية، أن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين تستحق كل هذا الاهتمام الإعلامي الواسع، لكونها تجمع قادة أكبر تكتلين اقتصاديين في العالم، بناتج قومي مشترك يشكل أكثر من 40% من الناتج الإجمالي العالمي (الولايات المتحدة تتجاوز 28 تريليون دولار، والصين تفوق 18 تريليوناً). وأوضح شكاي أن ترتيب مثل هذه اللقاءات الاستثنائية يستغرق أشهراً من الإعداد خلف الكواليس، مما ينفي عنها أي طابع روتيني.
وشدد شكاي على أن بكين فرضت نفسها كـ”ند حقيقي” لواشنطن، وهو ما ظهر في التباين الشديد بين الخطاب المرن والودي الذي استخدمه ترامب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ وقوله علناً: “أنا أفتخر أن يكون لي صديق مثلك يا شي”، وبين أسلوبه الفوقي مع قادة الاتحاد الأوروبي الذين اعتاد إلقاء المحاضرات والمواعظ عليهم في البيت الأبيض. وأشار إلى أن الصين تجاوزت بالفعل العتبة التكنولوجية والاستراتيجية التي لا يمكن إيقافها، وباتت تسيطر بنسب خارقة على “المعادن النادرة” التي تشكل عصب الصناعات العسكرية المتطورة والتكنولوجيا العالية، مما جعل أمريكا بحاجة حقيقية إليها.
وحول الملف التجاري، أوضح شكاي أن الأرقام تكشف نجاح سياسات ترامب في الضغط على الشركات الأمريكية للعودة إلى الداخل وفرض الرسوم لتقليص العجز المالي، حيث انخفض حجم التبادل التجاري من 700 مليار دولار عام 2022 إلى نحو 400 مليار دولار بحلول عام 2025. ورغم هذا الانخفاض المستمر بمعدل يقارب 100 مليار سنوياً، إلا أن الميزان التجاري ما زال يميل لصالح بكين بنسبة (3 إلى 1)، بواقع 300 مليار صادرات صينية مقابل 100 مليار صادرات أمريكية، ليبقى هذا الحجم هو الأكبر على مستوى الكرة الأرضية بين أي دولتين.
وفي الأبعاد الجيوسياسية للزيارة، كشف شكاي أن كواليس القمة شهدت مفاوضات معقدة لتقسيم النفوذ وإعادة النظر في المعادلات السياسية التي تتحكم بالكرة الأرضية، بما فيها مؤسسات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، واصفاً ما يحدث بالسعي نحو صياغة “يالطا جديدة”. واعتبر أن الولايات المتحدة اضطرت للذهاب إلى بكين بعد أن نجحت الصين وروسيا، عبر مجموعتي “بريكس” و”شنغهاي”، في حجز مساحة نفوذ مقبولة وقوية في هذا التقاسم الدولي الجديد، مؤكداً أن المصالح الاقتصادية يتم وضع أسسها في النهاية بناءً على القوة العسكرية والنفوذ السياسي.
وربط شكاي بين توقيت الزيارة والملف الإيراني المشتعل، معتبراً أن تعثر المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران عبر الوساطة الباكستانية للتوصل لوقف إطلاق النار، دفع ترامب لفتح قنوات اتصال مع “الخطوط الخلفية” لإيران المتمثلة في بكين وموسكو. وأشار إلى أن صمود إيران وبقاءها واقفة على رجليها بدعم صيني روسي غيّر لغة ترامب تماماً، لافتاً إلى أنه لو زار بكين بعد سحق إيران لكان خطابه مختلفاً كلياً. وأضاف أن واشنطن وإسرائيل دخلتا الحرب بهدف إسقاط النظام الإيراني وتدمير قدراته النووية، لكنهما تبحثان اليوم -بعد 40 يوماً من القصف وهدنة استمرت شهراً- عن آلية دبلوماسية “للنزول عن الشجرة” دون إعلان الهزيمة، لاسيما وأن طهران باتت تفاوض من موقع قوة وتطالب بفرض رسوم حماية على السفن المارة في مضيق هرمز وتكريس “فارسية” الخليج.
وحول المقايضات غير المعلنة وملف تايوان، أكد شكاي أن اللقاء كان جولة مفاوضات متبادلة بالأوراق؛ حيث تملك واشنطن ورقة تايوان، وتملك بكين أوراق حرب الخليج ومضيق هرمز. ورغم محاولة ترامب كسب ود الصينيين بإطلاق تصريحات تحذر تايوان من إعلان استقلالها والتهرب من حسم صفقة الأسلحة البالغة 14 مليار دولار، إلا أن خروج رئيس وزراء تايوان وتأكيده “نحن دولة مستقلة” يعكس تحريضاً أمريكياً مبطناً، ويكشف أن المفاوضات لم تكن ناجحة تماماً خلف الكواليس الإيجابية، خاصة وأن تايوان التي هادنت بكين سابقاً خوفاً من تكرار سيناريو خطف ترامب للرئيس الفنزويلي مادورو، عادت للتصعيد مستغلة غياب الاعتراف الدولي الحقيقي بها والتزام القوى الكبرى بمبدأ الصين الواحدة.
وخلص شكاي في ختام حديثه إلى فك اللبس حول مقولة “توريط نتنياهو لترامب”، مؤكداً أن إسرائيل تمثل قاعدة وحاملة طائرات أمريكية في الشرق الأوسط، وأن الحرب هي قرار أمريكي استراتيجي بالدرجة الأولى. وانتقد محاولات ربط المشهد بنظريات لاهوتية مثل “هرمجدون” التي تستخدم كأدوات ترويج سياسي، معتبراً أن الإدارة الأمريكية، عبر مؤسساتها ومراكز دراساتها، استشعرت تراجع نفوذها العالمي وقرب تصفير الفجوة التكنولوجية مع الصين، فاختلقت هذه الصراعات لإعادة رسم تقاسم كعكة النفوذ الدولي، وتسرِيع انسحابها من بعض المناطق، والضغط على قوى مهيمنة سابقة كالاتحاد الأوروبي الذي بات الجميع اليوم يعمل ضده.

