
زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سورية، ومباحثاته السياسية والاقتصادية مع الرئيس السوري أحمد الشرع، وبرفقته عدد من رجال الأعمال ورؤساء الشركات الفرنسية الكبرى في قصر الشعب، وتوقيع عدد من مذكرات التفاهم في مجالات النقل والطاقة والاستثمارات والصحة والإعمار، أعادت رسم ملامح العلاقات السورية الفرنسية. كما أشارت إلى أن الاهتمام الفرنسي بسورية ليس خيار ماكرون وحده، بل هو خيار الدولة الفرنسية التي دعمت الثورة السورية ونظمت مؤتمرات دولية لدعم سورية.
ثم قام الرئيس الشرع بزيارة باريس في أول زيارة له إلى أوروبا. غير أن التفجيرات التي وقعت خلال زيارة الرئيس ماكرون إلى دمشق، في التوقيت والمكان وطريقة التنفيذ، تركت الجميع في حالة صدمة، وأجمع المحللون على أن الهدف باريس وليس دمشق، مع أن التفجيرات أدت إلى مقتل شخص وإصابة 26 آخرين، خمسة منهم أصيبوا بجروح بالغة.
كانت تلك رسائل بالنار إلى فرنسا الطامحة للعب دور متقدم على الساحة السورية، ومفادها أنه لا مكان لباريس ولا للرئيس إيمانويل ماكرون. فالطريق الفرنسي إلى سورية مغلق ومليء بالمطبات، رغم الإرادة الفرنسية الصادقة لتطوير العلاقات، لكن لا يمكن للرئيس الفرنسي أن يكذب ما رأته عيناه. ولأنه قرأ الرسالة، أصر على مواصلة الزيارة.
فالتفجيرات التي سمعها ماكرون وشاهدها من نافذة غرفة الفندق لم تكن خرقا أمنيا، ولم تكن عملا إرهابيا عاديا ضد الحكومة السورية بهدف ضرب الاستقرار في سورية وتشويه صورة الحكومة، وإنما كانت رسالة شخصية بالنار إلى الرئيس ماكرون تقول له إن الساحة السورية محجوزة، وإن الزمن الفرنسي ولى في الشرق، فمن ضرب ضرب ومن هرب هرب.
ولا مجال لأي دور فرنسي. وما حصل في لبنان من استبعاد لفرنسا خلال مفاوضات واشنطن بين إسرائيل ولبنان يتكرر في سورية، رغم إصرار ماكرون على الجلوس على طاولة المفاوضات المتعلقة بمستقبل المنطقة. لكن ترامب يرفض أي دور لفرنسا، وكما تم استبعاد فرنسا وأوروبا من المفاوضات حول أوكرانيا وإيران، فإن إدارة ترامب تريد استبعاد فرنسا من أي دور لها في سورية ولبنان، لأن المشروع الأمريكي الإسرائيلي يختلف كليا عن المشروع الفرنسي الذي عبر عنه ماكرون.
وهو إعلان رفض فرنسا لدخول الجيش العربي السوري إلى لبنان، والحفاظ على وحدة سورية، ومساعدتها بإعادة قسم من الأموال المجمدة وتقديم الدعم لحكومة الشرع، بعد الموقف الحاسم الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع والقاضي برفض الطلب الأمريكي بالدخول إلى لبنان، وإرسال الجيش السوري لقتال المحور الإيراني ونزع سلاح المجموعات المسلحة في لبنان، وهو الأمر الذي تطالب به أمريكا والرئيس ترامب، وقد أعاد ترامب تأكيده بعد لقاء أردوغان على هامش قمة الناتو في 7 تموز 2026.
وهنا بيت القصيد في زيارة ماكرون إلى دمشق؛ فهو يسرع الخطى إلى دمشق لكي يطلب من الرئيس الشرع عدم الدخول إلى لبنان مهما بلغت الضغوط الأمريكية، لأن ذلك يعد توريطا للحكومة السورية في المستنقع الطائفي في وقت تحتاج فيه سورية إلى الاستقرار، ولديها أولويات داخلية. وربما تجد دمشق نفسها، رغم علاقاتها القوية مع إدارة ترامب، أقرب إلى فرنسا ومواقفها من أمريكا.
فالفرنسية، الدولة الأوروبية العظمى التي لعبت دورا تاريخيا في سورية منذ مئة عام، تريد الاستمرار بهذا الدور عبر مجموعة من الخطوات، لكن واشنطن تقف في وجه باريس التي تبحث عن موضع قدم لها على الساحة السورية من خلال محاولتها تعويم مناف طلاس أحيانا، ومن خلال محاولاتها التعاون مع تركيا ودول الخليج لمد خطوط الغاز القطرية عبر الأراضي السورية واستخدام الموانئ السورية أحيانا أخرى.
بالإضافة إلى رغبة باريس بتنمية استثماراتها الطاقوية في سورية بعد الاكتشافات النفطية البحرية مقابل اللاذقية، واستئثار شركة شيفرون الأمريكية بالمنطقة البحرية الغنية بالنفط.
ويبدو أن المصالح الأمريكية لا تتطابق ولا تتوافق مع التوجهات الفرنسية، لأن واشنطن تميل بقوة إلى حماية أمن إسرائيل على حساب أمن المنطقة.
وهي رسالة تحذير بالنار إلى ماكرون الذي وصفه الرئيس الشرع بالشجاع، لأنه لم يسارع إلى المغادرة بعد التفجيرات في محيط إقامته في دمشق، وأصر على استكمال الزيارة، وهو يعلم أن التفجيرات لم يكن الهدف منها اغتياله ولا اغتيال أحد من الحكومة السورية، وإنما كانت تهدف إلى زرع الشك والخوف في قلوب الفرنسيين بأنهم في المكان الخطأ.
فإذا ما تأمل ماكرون المشهد السوري وهو في فندق الفورسيزون وسط دمشق، وعلى بعد أمتار منه تم تفجير سيارة، ثم بعد دقائق وعلى بعد 150 مترا وقع انفجار آخر بعبوة ناسفة، وكان يمكن لأي من الانفجارين أن يوصل الرسالة إلى ماكرون. لكن من قام بهذا الجرم كان يتعمد القول: انظر يا ماكرون حولك، كم عدد الانفجارات وما عساك تصنع هنا؟ إننا ننصحك أن تحمل أمتعتك وتعود… فهنا لا مكان لفرنسا ولا لمشاريعها.
إن المكابرة التي أبداها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عندما أصر على استكمال برنامج زيارته، على غير ما هو متوقع، إلى دمشق، تحسب له بعد أن تجاهل الرسالة الدامية التي وصلت إليه عبر التفجيرات التي وقعت في محيط إقامته في فندق الفورسيزن وسط العاصمة دمشق. رسالة تقول إن فرنسا التي تقود الاتحاد الأوروبي وتطمح بدور كبير لها في سورية الجديدة، وربما في الشرق الأوسط، لن تأخذ هذا الدور طالما أنها لم تحارب مع أمريكا ضد إيران، وطالما أنها ترفض اتفاق الإطار الإسرائيلي اللبناني، وطالما أنها ترفض دخول الجيش العربي السوري إلى لبنان لقتال حزب الله ونزع سلاحه، وطالما أنها ترفض السياسة الترامبية التي تدعو إلى الحوار مع روسيا.
ورغم أن كل زوار دمشق، وهم كثر ومن مختلف أنحاء العالم، يمكنهم أن يشعروا بالأمان ويستمتعوا بزيارة دمشق دون أي إحساس بالخطر أو الخوف، إلا أن الخرق الأمني الخطير والغريب الذي حصل خلال وجود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يمكن لأي حكومة تداركه أو منعه، لأنه يرتبط بمعركة النفوذ الدائرة على الساحة السورية، وله ارتباط بعمل الاستخبارات الأجنبية، وبخاصة الإسرائيلية.
وربما أصبحت هذه الاستخبارات قادرة على تهديد العاصمة دمشق عبر هذه التفجيرات التي تجعل سكان المدينة رهائن الخوف والقلق والشعور بانعدام الأمن.
وربما يكتشف ماكرون بعد فوات الأوان أن إصراره على مواصلة الزيارة لم يغير شيئا، ولن يضيف لفرنسا أي دور، لأن من يسيطر على الأرض اليوم هو من يتحكم بكل شيء.
هي زيارة هامة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، لكنها ليست كزيارات ديغول وميتران في النصف الماضي من القرن الماضي، عندما كان القادة في أوروبا يصنعون التاريخ. فماكرون، في نهاية المطاف، يزور سورية وهو يودع الساحة السياسية الفرنسية بعد فترتين رئاسيتين تراجع خلالهما الدور الفرنسي والأوروبي على الساحة الدولية. ومع اقتراب موعد الانتخابات الفرنسية العام القادم، بات ماكرون خارج الحسابات، وربما تدخل فرنسا بعده عصرا جديدا وسياسة شرق أوسطية مختلفة.
يحيى كوسا

