
اتفاق إطار حول إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز…. ترامب يتراجع عن تهديداته ويبدل جدول أعماله ويعلن أن الأمر سينتهي قريبا في إيران….
“كما ضيعت الصيف اللبن، كذلك ضيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحربه على إيران، وقبلها على فنزويلا، سمعته وحلمه ليكون رجل سلام بعد إنجازاته وجهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وذلك عندما تورط في الحرب التي أظهرت نتائجها بعد مضي ٨٥ يوما على اندلاعها في الثامن والعشرين من شباط ٢٠٢٦ أن أمريكا تتجه إلى خسارتها سياسيا وعسكريا ومعنويا، وقد تضاءلت شروط ترامب وانخفضت السقوف العالية التي صعد إليها، حتى بات فتح هرمز غاية وأقصى ما يمكنه الوصول إليه بعد استفحال الأزمة الاقتصادية وما نجمت عنه من تداعيات خطيرة على أسعار الطاقة، وأصبح الحديث عن البرنامج النووي الإيراني يأتي في الدرجة الثانية من جدول اهتمام إدارة ترامب، الأمر الذي نزل كالصاعقة على إسرائيل وحكومتها اليمينية برئاسة نتنياهو….
ومع الإعلان عبر وسائل الإعلام عن التوصل إلى اتفاق إطار لإنهاء الحرب وفتح هرمز قبل الإعلان الرسمي، وسط حالة استنفار في أمريكا وإيران وباكستان وعلى المستوى الإقليمي والدولي للاستعداد للبدء بالمفاوضات مع حلول عيد الأضحى، مع الإشارة إلى أن ترامب غير جدول أعماله على ضوء التوصل إلى مسودة اتفاق، مع أن الرؤوس الحامية في البيت الأبيض والكونغرس والبنتاغون على المستوى السياسي والعسكري لا تزال تطالب ترامب بالعودة إلى القتال لهزيمة إيران وتدمير برنامجها النووي وصواريخها الباليستية..
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو استبق الإعلان الرسمي عن التوصل إلى اتفاق إطار وقال إن هناك “بعض المؤشرات الجيدة” في المحادثات، معربا عن أمله في تحقيق تقدم، لكنه تجنب إظهار تفاؤل مفرط بشأن النتائج النهائية.
اتفاق الإطار الذي أعلن عن التوصل إليه أو مسودة الاتفاق تتألف من ٩ بنود، وتقتصر على معالجة أزمة المضيق ونهاية الحرب.
ويتضمن الاتفاق المرتقب بين أمريكا وإيران: وقفا فوريا وشاملا وغير مشروط للنار على جميع الجبهات، ووقف العمليات العسكرية، ووقف الحرب الإعلامية، وإنشاء آلية مشتركة للمراقبة وحل النزاعات، ورفعاً تدريجيا للعقوبات الأمريكية مقابل التزام إيران ببنود الاتفاق.
ويتضمن الاتفاق الذي سيبدأ تنفيذه فور الإعلان عنه رفعا تدريجيا للعقوبات، والإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة، والالتزام بالقانون الدولي، والتعهد بعدم قصف البنى التحتية، والبدء بإجراء مفاوضات خلال سبعة أيام… ولم تعالج مسودة الاتفاق التي أعلنت وسائل الإعلام التوصل إليها قضيتي البرنامج النووي والصاروخي، وما يسمى الأذرع الإيرانية في المنطقة، وقد نجحت إيران بعد ٨٤ يوما من الحرب بتحويل هذه القضايا التي كانت الهدف الأساسي لاندلاع الحرب إلى مسائل ثانوية تأتي في الدرجة الثانية على جدول أعمال إدارة ترامب بعد موضوع مضيق هرمز الذي ملأ الدنيا وشغل الناس….
ورغم انعدام الثقة بين أمريكا وإيران وطول مدة الحرب والعداوات وانقطاع الاتصالات بين واشنطن وطهران منذ أكثر من ٤٧ عاما، إلا أن تعيين إيران متحدثا باسم المفاوضات هو إسماعيل بقائي، المتحدث باسم الخارجية، وتعيين منسق لها مع الصين هو محمد باقر قاليباف، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تغييرات في جدول أعماله، وقوله بأن الأمر سينتهي قريبا في إيران، بالتزامن مع تراجع نبرة التهديد التي طالما كان يستخدمها ضد إيران، إشارات واضحة إلى رغبة واشنطن وطهران بالعودة إلى طاولة المفاوضات بعد فشل اجتماع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف في ١١ نيسان الماضي في إسلام آباد…
ويبدو أن باكستان التي تربطها علاقات متينة بالولايات المتحدة وإيران تجاوزت كل الشكوك حول قدرتها على القيام بمهمة الوسيط، مصممة بالتعاون والتنسيق مع الصين وعدد من دول المنطقة على مواصلة جهودها وصولا إلى اتفاق إطار مرحلي ينهي الحرب ويؤدي إلى فتح مضيق هرمز، وإلى خطوات لرفع العقوبات وترحيل الملفات الحيوية كموضوع التخصيب والبرنامج النووي والصاروخي إلى مراحل لاحقة..
وكما نقول: الضرورات تبيح المحظورات… ولربما كانت الضغوط الهائلة الداخلية والخارجية وانخفاض شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتحولها إلى درجات قياسية، ونجاته قبل أسابيع من محاولة اغتيال خلال حفل مراسلي البيت الأبيض، ونجاته أيضا قبل أيام من التصويت في مجلس النواب على مشروع قرار يحد من صلاحياته في موضوع إعلان الحرب وتأجيل التصويت، بالتزامن مع إعلان عدد من المسؤولين العسكريين والسياسيين الاستقالة من إدارته على خلفية إخفاقات الحرب على إيران، بالإضافة إلى تعاظم التداعيات الخطيرة المترتبة على إغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي، كل هذه العوامل نزلت كالصواعق على رأس ترامب وإدارته، وأجبرته على تخفيض السقوف العالية في مطالبه، وأرغمته على النزول عن الشجرة التي صعد إليها في محاولة للتخلص من الورطة التي وجد نفسه يتخبط فيها، فإذا به يتراجع عن تهديداته التي كان يعلن فيها أنه سيدمر الحضارة الإيرانية ويمحو إيران عن الخارطة، خاصة بعد زيارته إلى الصين ورفض الرئيس شي جين بينغ بشكل قاطع طلب ترامب وقف دعم الصين لإيران والضغط عليها لفتح مضيق هرمز. وهذا الموقف الحاسم عكسه بوضوح البيان المشترك الصادر عن القمة الصينية الروسية التي تلت زيارة ترامب للصين، حيث أكد الرئيسان فلاديمير بوتين ونظيره الصيني على عدم شرعية الحرب على إيران، ودعا شي وبوتين واشنطن إلى التخلي عن سياسة شريعة الغاب التي تنتهجها ضد الدول المستقلة والالتزام بالقانون الدولي…
الباكستان حشدت منذ الهدنة الأولى التي أعلنها ترامب في الثامن من نيسان الماضي ٢٠٢٦ وحتى الهدنة الخامسة التي تنتهي في عيد الأضحى، حشدت كل إمكاناتها واستنفرت أعضاء بارزين من حكومتها من أجل تسريع التوصل إلى اتفاق إطار أو مسودة اتفاق خلال الأيام الماضية في ٢٢ و٢٣ أيار، وقامت على وجه السرعة بنقل الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران، وشارك في هذه المهمة رئيس الوزراء شهباز شريف، ووزير الداخلية محسن نقوي الذي زار طهران مرتين ذهابا وإيابا، كما قام رئيس الاستخبارات الباكستانية عاصم مالك بزيارة طهران.
وفي نهاية المطاف، قام قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، الذي يلعب دورا أساسيا كوسيط موثوق بين طهران وواشنطن، بوضع اللمسات الأخيرة لمسودة الاتفاق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وذلك خلال لقائهما في طهران، كما أجرى منير لقاءات مع كبار المسؤولين في إيران، فيما كانت وسائل الإعلام العربية والإقليمية والدولية تشكك على نطاق واسع بإمكانية نجاح هذه الجهود، وذلك بالنظر إلى الثغرات التي يتضمنها الاتفاق، وبسبب الخلافات العميقة والهوة المتسعة والعصية بين الجانبين وانعدام الثقة بينهما… ولكن وكالة “إيسنا” الإيرانية ذكرت بأن المشاورات بين طهران وواشنطن مستمرة للتوصل إلى إطار اتفاق، مشيرة إلى أن الخلافات المتبقية لم تحسم بعد، لكنها باتت محصورة في عدد محدود من الملفات التي يجري بحثها عبر الوسيط الباكستاني…..
يضغط عامل الوقت على إدارة ترامب أكثر من إيران التي تسعى لإطالة مدة المفاوضات، وتتعمد استخدام عامل الوقت تحت عنوان الصبر الاستراتيجي، فيما فشل ترامب في استخدام سياسة الغموض الاستراتيجي، ذلك لأن الزمن بالنسبة إليه عامل أساسي، فالانتخابات النصفية للكونغرس واقتراب موعد كأس العالم في الولايات المتحدة في ١٢ حزيران مواعيد تفرض على الولايات المتحدة أن تكون مستقرة وفي حالة سلام، إذ لا يعقل أن تكون أمريكا تستضيف كأس العالم وهي تجري مفاوضات مع إيران على هذا المستوى من الأهمية التي تحدد موقعها ودورها في النظام العالمي الجديد، فيما الجيش الأمريكي يقصف طهران، فلا يمكن أن تكون الحرب والسلام في آن واحد.
وهكذا يبدو جليا أن الخيارات أمام ترامب محدودة، والضغوط على إدارته هائلة، ومسألة العودة إلى الحرب لا يمكن استبعادها، لكنها خيار عقيم، لأن ما لم يحققه الجيش الأمريكي في حربي الـ١٢ يوما وحرب رمضان ضد إيران أو حرب الـ٣٨ يوما لن يحققه في بضعة أيام. مع الإشارة إلى أن هذا الخيار لا يزال ممكنا في ضوء التحريض الإسرائيلي، في حال شعر ترامب بأن إيران تريد إذلال الولايات المتحدة وكسر هيبتها لصالح النظام العالمي الجديد الذي تقوده روسيا والصين، والقائم على أساس القانون والشرعية الدولية واحترام سيادة واستقلال الدول…
وبانتظار استئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية بعد استكمال الزخم السياسي والدبلوماسي المكثف على المستويين الإقليمي والدولي بعد قمتي بكين الصينية الروسية والصينية الأمريكية، فإن من المتوقع أن يشارك الرئيس ترامب بالمفاوضات المرتقبة ويتابعها أولا بأول عن بُعد، بعد أن غير مواعيده ووضع جدول أعمال جديدا للشهر القادم بما يتناسب مع سير المفاوضات، على أمل إبرام صفقة مع إيران تحفظ ماء وجهه وتزيح عن كاهله كابوسا ثقيلا سيبقى جاثما على صدره طوال ولايته الثانية، وشبحا يلاحقه طوال حياته……

