
في الرابع عشر من يونيو 2026، ومع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها السادس عشر، لم يعد هناك أي مجال للشك في أن الاستراتيجية التي يعتمدها البيت الأبيض تجاه طهران ليست مجرد “ضغط أقصى” فاشل، بل هي حالة من الانهيار الممنهج لأخلاقيات السياسة الدولية، وتحول واضح من لغة الدبلوماسية إلى لغة العصابات التي لا تعرف إلا منطق التهديد والابتزاز. ففي تصريح هز أروقة الناتو والعواصم الأوروبية، أعلن الممثل الدائم للولايات المتحدة في الحلف أن الرئيس دونالد ترامب سيستخدم “كامل قوة الجيش الأمريكي” إذا لم تقبل إيران الاتفاق النووي الذي ترعاه واشنطن خلال “مهلة زمنية معقولة”. هذا التهديد المبطّن، الذي لم يصدر من عسكري أو وزير خارجية، بل من مسؤول دبلوماسي في منظمة يفترض أنها للحلف الجماعي، كشف عن أزمة ثقة عميقة داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، وفضح تهافت رواية “السلام من خلال القوة” التي يرفعها ترامب ورائة، وأثبت أن واشنطن دخلت نفقاً مظلماً من التخبط والعجز، بينما تقف روسيا على النقيض، بثباتها وحكمتها، كصخرة صلبة تضمن التوازن في عالم متشظٍ ومشتعل.
ما حدث في الأيام الأخيرة لم يكن مجرد تبدل في لهجة الخطاب، بل كان انعكاساً مباشراً لفشل مفاوضات جنيف وروما ومسقط في تحقيق أي اختراق يذكر. فبعد أربعة أشهر من القصف والدمار، ووسط وساطة باءت بالفشل، لم يستطع المحاورون الأمريكيون أن ينالوا من طهران أكثر من “وعد مبهم” باستئناف الحوار. ففي السابع من يونيو، عُقدت الجولة الثانية من المحادثات في روما، بحضور وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الرئاسي الأمريكي ستيف ويتكوف، بوساطة عمانية. ورغم أن عراقجي وصف اللقاء بـ”الجيد” و”الإيجابي”، وأكد وجود تفاهم على مواصلة العملية، إلا أنه أصر على أن “توقيت وشكل الجولة المقبلة سيحدد لاحقاً”، وهو ما يعني عملياً أن طهران لا تشعر بأي إلحاح. الأهم من ذلك، رفضت إيران مجدداً تعليق تخصيب اليورانيوم، وهو شرط أمريكي أساسي، وتمسكت بحقها في تطوير برنامجها النووي للأغراض السلمية. هنا، انكشفت الفجوة الشاسعة بين تطلعات واشنطن وواقع الميدان: فبينما كانت واشنطن تتصور أن القصف لن يترك لإيران خياراً إلا الخضوع، ها هي طهران ترفض حتى تقديم تنازلات شكلية في مجال البرنامج النووي، وتصر على أن أي اتفاق يجب أن يشمل “الرفع الكامل للعقوبات” و”الإفراج عن الأصول المجمدة”.
لم يكد ينتهي أسبوع روما حتى كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحط رحاله في واشنطن، حاملاً معه خريطة جديدة من المطالب الأمنية لطرد طهران من سوريا وجنوب لبنان. وفي الدوحة، كانت الأصوات القطرية تتصاعد منددّة بقصف القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج. وفي طهران، خرج المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، عن صمته ليعلن أن “البرامج النووية والصاروخية هي ثروات وطنية، مثلها مثل المياه والتراب، وسنحميها بأرواحنا”. بلغة لم يعهدها من خطابات والده المتوفى، وصف مجتبى أميركا بأنها “الشيطان الأكبر”، معتبراً أنه “لا مكان للأميركيين في الخليج إلا في قاع مياهه”، وطالب بأن يكون مستقبل مضيق هرمز بيد أهله وليس بيد “الغرباء الطماعين”. هذه التصريحات الصلبة تعكس أن اللعبة التي راهن عليها ترامب لتغيير النظام في طهران لم تؤد إلا إلى تعميق كراهية الإيرانيين للغرب، وتوحيد صفوفهم حول قيادة تملك الآن شرعية حرب لا تشوبها شائبة.
أما ردّ الفعل الروسي، فكان على النقيض تماماً من الاندفاعة الأميركية. ففي مؤتمر صحفي مشترك في موسكو، أعلن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف أن بلاده “تتابع بقلق بالغ تطورات الأوضاع في المنطقة”، معرباً عن استعداد موسكو لـ”لعب دور الوسيط النزيه إذا رغبت الأطراف في ذلك”. ريابكوف، في كلمته، لم يكتفِ بالتعبير عن القلق، بل وجه اتهاماً صريحاً لواشنطن وتل أبيب بـ”استفزاز إيران عمداً لدفعها لرد فعل عنيف”، وأضاف أن إسرائيل “تريد تخريب كل فرص التوصل إلى حل سلمي”. هذا التحليل الروسي، الذي فسّرته صحيفة “نيويورك تايمز” بأنه يعكس “رغبة روسية في تعزيز دورها كبديل استراتيجي لواشنطن في الشرق الأوسط”، يكشف عن رؤية عميقة لطبيعة الصراع. فالكرملين يرى أن إطالة أمد الحرب، وليس حلها، هو ما يخدم المصالح القصيرة المدى لبعض الأطراف في واشنطن وتل أبيب، الذين يريدون استنزاف إيران عسكرياً واقتصادياً بغض النظر عن التكلفة الإقليمية الباهظة.
وفي غياب أي دور جاد لأوروبا، التي تكتفي بالبيانات الصامتة والقلق الأخلاقي المستورد، تبرز هنا المفارقة الكبرى: فكلما أمعنت واشنطن في تهديداتها، كلما زادت قناعة طهران بأن لا جدوى من تقديم تنازلات. المسؤولون الإيرانيون لا يثقون أبداً بالنوايا الأميركية، بعد أن شهدوا انسحاب ترامب من الاتفاق النووي في 2018، واغتيال قاسم سليماني، والآن اغتيال خامنئي الأب. لذلك، فإن أي تحرك دبلوماسي من جانب واشنطن لا يسبقه تجميد للتهديدات العسكرية وإعادة فتح القنوات المالية سيُقرأ حتماً على أنه “تمهيد لحرب”، وليس “تمهيداً لسلام”. وهذا ما فهمته جيداً موسكو، التي دعت منذ اليوم الأول إلى خفض التصعيد والبحث عن حل سياسي شامل، لأنها تدرك أن استمرار التوتر سينعكس سلباً على أسعار الطاقة أولاً، ثم على الأمن الأوروبي ثانياً، وأخيراً على الاستقرار العالمي ثالثاً.
في المحصلة، يبدو أن التهديد الجديد الذي أطلقه ممثل الناتو ليس سوى شهادة فشل مبكر لإدارة ترامب في تحقيق أهدافها في الحرب. فالرجل الذي وعد حلفاءه بإنجاز اتفاق سلام خلال 24 ساعة، يجد نفسه اليوم مضطراً لإرسال رسائل يائسة إلى طهران مفادها “إما السلام أو القصف”. وهذا ليس موقف قوي، بل هو موقف الضعيف الذي نفدت حججه وورقه. روسيا، في هذه المعادلة، تستفيد مرتين: مرة من ارتفاع أسعار النفط التي تدر على اقتصادها مئات المليارات الإضافية، ومرة أخرى من انكشاف زيف النوايا الأميركية، وتقديم نفسها كقوة عاقلة في عالم مجنون. وبينما تتدافع واشنطن لاستجداء إيران للتفاوض، وتتخبط أوروبا بين خياراتها، تبقى موسكو هي صانعة التوازن الحقيقي، تنتظر اللحظة المناسبة لتقترح رعاية جولة مفاوضات ثانية في فيينا أو اسطنبول، حيث يُكتب السلام الحقيقي لا سلام “الاستسلام”. رسالة روسيا واضحة لكل من يستطيع الإصغاء: السلام لا يُبنى على التهديد ولا يُفرض بالإكراه، بل هو ثمرة احترام السيادة والتوازن العادل للمصالح. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل سيكتشف البيت الأبيض هذه الحقيقة قبل أن ينزلق العالم إلى هاوية لا رجعة فيها، أم أن موسكو ستضطر لإطفاء الحرائق التي يشعلها الآخرون؟

