
الرئيس الصيني يزور كوريا الشمالية ويضع أسس علاقة استراتيجية في مواجهة تحالف أوكوس بين بريطانيا وأمريكا وأستراليا واليابان…
القمة التي جمعت رئيسي الصين شي جين بينغ وكوريا الشمالية كيم جونغ أون في بيونغ يانغ في التاسع من حزيران ٢٠٢٦ لم تكن في ظاهر الأمر سوى قمة عادية بين رفاق الدرب الشيوعيين في آسيا في مواجهة تحالف الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية.. فالعلاقات الثنائية الصينية الكورية الشمالية هي علاقات استراتيجية كانت دائماً من أفضل العلاقات، إلا أن توقيت الزيارة والتحديات التي تواجه الصين وهي تستعد للدخول بقوة وبشكل حاسم معترك الحياة السياسية الدولية في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة لاستعادة تايوان ووقف التمدد الأمريكي في آسيا والبحر الأصفر، هذا التوقيت في ضوء نتائج وتداعيات حربي أوكرانيا وإيران والتحالفات التي نتجت عنهما يكتسب أهمية إضافية إذا نظرنا فقط إلى الدور الكبير الذي تلعبه كوريا الشمالية وهي ركن من أركان القوى النووية في آسيا، ولا يخفى على أحد أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي تضع الصين الشيوعية عدواً أول لأمريكا، وليس هذا فحسب فالدول الحليفة لأمريكا تطوق الصين من الجهات الأربعة، وجميع دول جنوب شرق آسيا ومنطقة البحر الأصفر والمحيط الهادئ تقريباً باستثناء كوريا الشمالية هي عملياً دول تدور في الفلك الأمريكي وتعمل سياسياً تحت المظلة الأمريكية مثل اليابان وكوريا الجنوبية اللتين تشكلان رأس حربة أمريكية وتضمان ٣٨ ألف جندي أمريكي، والفلبين وإندونيسيا وفيتنام ولاوس وسنغافورة وتايلاند وماليزيا وغيرها، أضف إلى ذلك التحالفات والمنظمات التي تستهدف الصين بالدرجة الأولى مثل اتفاقية أوكوس الأمنية العسكرية ذات الطابع النووي بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، ومحاولات اليابان الانضمام إلى هذه الاتفاقية التي أساسها ومنطلقها تطويق الصين ومنعها من أخذ دورها على الساحة الدولية.. وهي اتفاقية توحي بأن أستراليا مع أمريكا وبريطانيا يمكن أن تشكل ثالوثاً نووياً ضد الصين وروسيا وكوريا الشمالية….
وبالنظر إلى الظروف المعقدة التي تحيط بزيارة الرئيس الصيني الهامة إلى بيونغ يانغ بعد سبع سنين من زيارته الأولى عام ٢٠١٩، وفي ضوء تطور العلاقات الروسية الصينية التي وصلت إلى مستويات سياسية واقتصادية وعسكرية لم تبلغها طوال فترة الحرب الباردة وما تلاها، خاصة بعد الزيارة التاريخية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين في أيار الماضي وكانت الزيارة الخامسة والعشرين له إلى الصين، مع الإشارة إلى ما يشكله الركن الكوري الشمالي النووي كنقطة التقاء بين العملاقين الصين الشعبية وروسيا الاتحادية النوويين بعد اختبارات وتجارب العظمة والقوة، وما أبلته كوريا الشمالية من بلاء حسن بوقوفها إلى جانب روسيا في الحرب مع أوكرانيا.. ووقوفها مؤخراً إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة……
الرئيس الصيني الذي يحاول منذ فترة أن يبرز الطموحات الصينية التي باتت تشكل هاجساً للغرب وهو يؤكد على الدور الجديد لبلاده على الساحة الدولية، قد اغتنم وجوده في بيونغ يانغ وأعلن دعم بلاده لكوريا الشمالية اقتصادياً وسياسياً، وشدد الرئيس الصيني على “الصداقة التي لا تقهر” بين بكين وبيونغ يانغ، متعهداً بتقديم دعم راسخ للزعيم كيم جونغ أون.
وقال شي لكيم خلال أول رحلة دولية له هذا العام: «أشعر بالسعادة البالغة، وأشعر أيضاً بتقارب خاص».
وشدد الرئيس الصيني على أن الصين ستستمر في تقدير صداقتها التاريخية مع كوريا الشمالية، بغض النظر عن التغيرات التي تطرأ على الوضع الدولي.
وقال شي إن العلاقات بين بكين وبيونغ يانغ وصلت إلى «نقطة انطلاق تاريخية جديدة»، قبل أن يدعو إلى تعزيز التعاون المشترك في مجالات الدبلوماسية وإنفاذ القانون والجيش، وكذلك الزراعة والتجارة والتكنولوجيا والبناء. وأعلن شي التزام بلاده بتقديم حوافز اقتصادية ومساعدات لكوريا الشمالية، وإعادة فتح خطوط القطارات والسياحة وتنسيق المواقف لمعارضة التحالفات الأمريكية في آسيا……
الاستقبال الكبير والحافل الذي أعدته كوريا الشمالية للرئيس الصيني شي جين بينغ خلال الزيارة الثانية له منذ العام ٢٠١٩ يشير إلى أن بيونغ يانغ تولي تعاونها السياسي والاقتصادي والعسكري مع الصين أهمية كبيرة لترسيخ القطب الصيني الكوري الشمالي الشيوعي في آسيا، والذي سيكون له بالتعاون والتنسيق مع القطب الروسي الإيراني المتعاظم أهمية في صياغة نظام عالمي جديد وسط مؤشرات قوية ومحاولات جادة لنقل مركز ثقل ونفوذ العالم من الغرب إلى الشرق بعد حربي أوكرانيا وإيران، ومع احتمال قيام الصين بضم تايوان إلى الوطن الأم مثل هونغ كونغ وجزيرة ماكاو، حيث تشكل التحالفات الصينية مع روسيا وباكستان وكوريا الشمالية وهي دول نووية مقدمة لهذه الخطوات الهادفة لتقويض النفوذ الأمريكي في آسيا، ومنع اليابان وكوريا الجنوبية من إنشاء تحالفات جديدة لزعزعة شبه الجزيرة الكورية ومنطقة البحر الأصفر، باعتبار التحالف الاستراتيجي الصيني مع كوريا الشمالية إحدى الضمانات لتحقيق هذه الأهداف والطموحات التي تعيد رسم خارطة المنطقة من منظور التعاون والتكاتف ومواجهة النزعات الاستعمارية والهيمنة من خلال نشر السلام وترسيخ القانون الدولي ودور الأمم المتحدة بدلاً من سياسة شريعة الغاب الأمريكية، بالاستناد إلى قوة الردع النووي من جهة، وعلى التقدم والبناء الاقتصادي والتكنولوجي الذي أثبتت الصين في هذا المضمار أنها أصبحت تملك زمام المبادرة فيه كقوة اقتصادية وبشرية عالمية هائلة لا يمكن لأحد الوقوف في وجهها….
هي زيارة هامة وتاريخية بكل المقاييس للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى كوريا الشمالية، ولا يمكن فصلها عن التحالف الصيني الروسي المتين الذي أرسى الرئيسان شي وبوتين أسسه ودعائمه خلال العقد الأخير، وقد باتت كوريا الشمالية أحد أهم أركان هذا التحالف بعد تجربة الحرب في أوكرانيا والمساندة الصادقة التي قدمتها بيونغ يانغ لروسيا…
ولا شك أن الدعم الصيني الاقتصادي لكوريا الشمالية يتكامل مع الدعم الروسي المتعاظم.. خاصة أن بيونغ يانغ تتعرض لضغوط أمريكية وحصار دولي مزمن بعد أن أصبحت قوة نووية آسيوية معترفاً بها تدعم القانون الدولي وسياسة تعدد الأقطاب وتشكل قوة أساسية في مواجهة الهيمنة الأمريكية في البحر الأصفر والمحيط الهادئ…

