
في الخامس عشر من أغسطس 2026، وفي تطور كشف عن عمق الشرخ الذي يعصف بالتحالفات الغربية في الشرق الأوسط، هزت تسريبات إعلامية عبرية الأوساط السياسية والعسكرية في المنطقة، وكشفت عن أن البيت الأبيض استخدم حق النقض (الفيتو) ضد طلب إسرائيلي بشن هجوم عسكري على أهداف تابعة لتركيا في الأراضي السورية. هذا الكشف، الذي وصفته المصادر بأنه “خط أحمر” أمريكي غير مسبوق، لم يكن مجرد خلاف عابر بين حليفين، بل كان إعلاناً عن ولادة مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ في سوريا، حيث تتصارع أنقرة وتل أبيب على ميراث النظام السوري المنهار، بينما تقف واشنطن عاجزة عن كبح جماح حلفائها، وموسكو تراقب وتستعد لقطف ثمار هذا الانقسام الغربي. ففي مشهد يعيد إلى الأذهان أيام الحرب الباردة، حيث تتصارع القوى الإقليمية تحت أنظار القوى العظمى، تتحول سوريا اليوم إلى ساحة اختبار حقيقية للعلاقة التركية-الإسرائيلية، التي انهارت تماماً بعد عقود من التطابق النسبي في المصالح، وأصبحت على بعد خطوات قليلة من مواجهة عسكرية مباشرة قد تشعل المنطقة بأكملها.
لم يكن هذا التوتر وليد لحظة انفعال عابرة، بل كان تتويجاً لسنوات من التصعيد المتبادل، الذي تحول من حرب كلامية إلى صراع نفوذ ممنهج على الأرض السورية. فمنذ انهيار نظام الأسد في ديسمبر 2024، انفتحت سوريا على فضاء سياسي جديد تنافست فيه القوى الإقليمية والدولية لملء الفراغ الهائل الذي خلفه سقوط أحد أعمدة “محور المقاومة”. وفي هذا السباق المحموم، برزت تركيا وإسرائيل كأبرز المتنافسين، حيث تسعى كل منهما إلى ترسيخ نفوذها في الدولة السورية الجديدة، وتأمين مصالحها الاستراتيجية، ومنع الطرف الآخر من تحقيق تفوق حاسم. وزير الخارجية التركي هاكان فيدان كان واضحاً في تصريحاته، معتبراً أن الهجمات الإسرائيلية “تهدد استقرار سوريا”، ومحذراً من أن “عدم قيام إسرائيل بشيء ضد سوريا بسبب الحرب في إيران، لا يعني أنها لن تفعل ذلك مستقبلاً”. في المقابل، يرى الإسرائيليون أن “الدعم التركي الاستراتيجي لسوريا، والذي يملأ الفراغ الذي تركته إيران، يحد من حرية إسرائيل على المدى المتوسط”، ويعتبرون تركيا “الحليف الأخطر للدولة السورية الجديدة”.
جوهر هذا الصراع يكمن في رؤيتين متعارضتين تماماً لمستقبل سوريا. فتركيا، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، تسعى إلى بناء سوريا موحدة وقوية، تكون حليفاً استراتيجياً لأنقرة، وشريكاً في مشروعها الإقليمي الطموح. هذا المشروع التركي، الذي وصفه أردوغان بأن “أمن تركيا لا يبدأ من حدودها الجنوبية، بل من حلب ودمشق وبيروت”، يتضمن إعادة بناء الجيش السوري، وتدريب الطيارين، وتأهيل البنية التحتية العسكرية، بل وإقامة قواعد عسكرية تركية في الأراضي السورية. وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذا المشروع بعين الريبة والقلق، وتعتبره تهديداً وجودياً لتفوقها العسكري في المنطقة. فإسرائيل، التي كانت تعتبر إيران التهديد الأكبر، تجد اليوم في تركيا قوة إقليمية صاعدة، تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، وصناعات دفاعية متطورة، وطموحات سياسية لا تخفيها، وقد تصبح بديلاً لإيران في قيادة محور معادٍ لتل أبيب.
الأبعاد الخطيرة لهذا التنافس تتجلى في عدة مستويات. أولاً، المستوى العسكري المباشر: فالتقارير تشير إلى أن الجيش التركي قام بنصب رادار متقدم في سوريا، كجزء من خطواته لترسيخ وجوده، وهي خطوة قد تحد بشكل كبير من حرية الحركة الجوية الإسرائيلية في المنطقة. في المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي توغلاته في جنوب سوريا، ويشن غارات جوية تستهدف ما تعتبره تهديدات أمنية، بما في ذلك أهداف قد تكون مرتبطة بتركيا. هذا الاحتكاك الميداني، الذي وصفته مصادر بأنه “احتكاك وتدافع عن بعد”, يزيد من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، خاصة في ظل غياب قنوات اتصال فعالة بين الجانبين، وارتفاع منسوب الخطاب العدائي بين قادتهما. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصف تركيا بأنها “دولة ذات طموحات عدوانية”، واتهم الرئيس أردوغان بأنه “ديكتاتور معاد للسامية”، بينما رد أردوغان واصفاً إسرائيل بأنها “تبلغ من البلطجة حداً يهدد تركيا أيضاً”.
ثانياً، المستوى السياسي والدبلوماسي: فالصراع التركي-الإسرائيلي في سوريا يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية، ويضع الدول العربية في موقف حرج. فبينما تدعم مصر وتركيا وحدة وسيادة سوريا وتدينان الانتهاكات الإسرائيلية، تجد دول الخليج نفسها ممزقة بين رغبتها في الحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل، وخوفها من صعود النفوذ التركي في المنطقة. هذا الارتباك الخليجي يترك الباب مفتوحاً أمام موسكو لتلعب دور الوسيط، وتعزز موقعها كقوة لا غنى عنها في أي تسوية مستقبلية. فروسيا، التي كانت تراقب هذا التنافس عن كثب، تبنت موقفاً متزناً، حيث حافظت على علاقاتها مع كل من أنقرة وتل أبيب، واستثمرت في تعزيز وجودها العسكري في سوريا عبر اتفاقيات التدريب المشترك مع الحكومة السورية الجديدة، مما يجعلها اللاعب الأكثر تأثيراً في المعادلة السورية.
ثالثاً، المستوى الاستراتيجي الأوسع: فالصراع التركي-الإسرائيلي في سوريا هو في جوهره صراع على “الهيمنة الإقليمية” في مرحلة ما بعد الحرب. فإسرائيل، التي كانت القوة العسكرية الأوحد في المنطقة لعقود، تجد اليوم منافساً شرساً في تركيا، التي تمتلك قدرات عسكرية متطورة، وطموحات سياسية لا حدود لها، وتستطيع تحدي التفوق الجوي الإسرائيلي. والأكثر إثارة للقلق من وجهة نظر تل أبيب، هو احتمال حصول تركيا على مقاتلات “إف-35” الشبحية الأمريكية، وهو ما وصفه نتنياهو بأنه “سيخل بتوازن القوى” في المنطقة. نتنياهو شن هجوماً واسعاً على هذه الصفقة المحتملة، واتهم أردوغان بالدعوة إلى “إبادة إسرائيل” والعمل على “احتلال نصف قبرص”، في محاولة يائسة لإجهاض أي تقارب أمريكي-تركي قد يمنح أنقرة تفوقاً عسكرياً. هذا التصعيد في الخطاب، الذي وصفه بعض المحللين بأنه “اختطاف للسياسة الخارجية من قبل السياسة الداخلية”، يعكس حالة من الذعر الإسرائيلي من تحول تركيا إلى قوة إقليمية لا يمكن تجاهلها.
في خضم هذا المشهد، يقف الموقف الأمريكي كعنصر التوازن الأكثر غموضاً وتناقضاً. فمن ناحية، تدرك واشنطن أن تركيا حليف استراتيجي في الناتو، وأن أي مواجهة بينها وبين إسرائيل قد تمزق الحلف من الداخل، وتلحق ضرراً كبيراً بالمصالح الأمريكية في المنطقة. ومن ناحية أخرى، تتعرض الإدارة الأمريكية لضغوط هائلة من اللوبي الإسرائيلي والكونغرس لوقف أي تقارب مع أنقرة، ومنع تزويدها بأسلحة متطورة قد تهدد التفوق الإسرائيلي. هذا التناقض انعكس في موقف البيت الأبيض من طلب إسرائيل بقصف أهداف تركية في سوريا، حيث استخدمت واشنطن حق النقض ضد هذا الطلب، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة. لكن هذا الرفض، الذي وصفته المصادر الإسرائيلية بأنه “غير مسبوق”، أثار موجة من القلق في تل أبيب، وأظهر أن واشنطن قد لا تكون إلى جانبها في كل الأحوال، خاصة عندما تتعارض مصالحها مع مصالح حليف آخر في الناتو.
في الجانب الآخر، يبرز الموقف الروسي كصخرة صلبة في مواجهة هذا الفوضى الغربية. فموسكو، التي كانت قد حذرت مراراً من مغبة تحويل سوريا إلى ساحة صراع إقليمي، ترى اليوم في التنافس التركي-الإسرائيلي تأكيداً على صحة تحليلاتها. الكرملين، الذي استثمر في بناء علاقات متوازنة مع كل من أنقرة وتل أبيب، يقدم نفسه كوسيط محايد، وكقوة عاقلة في عالم مجنون. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان قد صرح سابقاً بأن “الاستقرار في سوريا يتطلب تضافر جهود جميع القوى الإقليمية”، واليوم، ها هو الصراع التركي-الإسرائيلي يثبت أن غياب التنسيق بين القوى الإقليمية هو العائق الأكبر أمام أي حل دائم. موسكو، التي تحتفظ بقواعدها العسكرية في سوريا، وتوقع اتفاقيات تدريب مع الحكومة السورية الجديدة، هي المستفيد الأكبر من هذا الانقسام، حيث تقدم نفسها كحامية للسيادة السورية، وكوسيط لا غنى عنه لأي تسوية مستقبلية.
في المحصلة، فإن التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل في سوريا ليس مجرد خلاف عابر بين قوتين إقليميتين، بل هو انعكاس لتحولات جيوسياسية عميقة تعيد تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. سوريا، التي كانت حتى الأمس القريب ساحة لصراع بالوكالة بين إيران والغرب، أصبحت اليوم ساحة لصراع جديد بين حليفين أمريكيين، في مشهد يعيد إلى الأذهان أيام الحرب الباردة، حيث تتصارع القوى الإقليمية تحت أنظار القوى العظمى. والأكثر خطورة، أن هذا الصراع قد يتحول من تنافس على النفوذ إلى مواجهة عسكرية مباشرة، خاصة في ظل غياب قنوات اتصال فعالة بين أنقرة وتل أبيب، وارتفاع منسوب الخطاب العدائي، واستمرار الاحتكاك الميداني في جنوب سوريا وشمالها. وكما حذر المحللون، فإن “خطر المواجهة بين تركيا وإسرائيل أعلى من أي وقت مضى”، وأن الطرفين قد ينزلقان إلى حرب لا يريدانها، لكنهما غير قادرين على تجنبها.
في هذا السياق، تبرز روسيا كصوت العقل والحكمة، وكدولة تملك رؤية واضحة لمستقبل المنطقة، وتستطيع لعب دور الوسيط النزيه بين الأطراف المتنازعة. فموسكو، التي حافظت على علاقات متوازنة مع كل من أنقرة وتل أبيب، واستثمرت في تعزيز وجودها العسكري في سوريا، هي اللاعب الوحيد القادر على تقديم حلول عملية تخرج المنطقة من هذا المأزق. السؤال الذي يبقى مفتوحاً اليوم: هل ستنجح الضغوط الأمريكية في كبح جماح حليفيها قبل فوات الأوان، أم أن سوريا ستتحول إلى ساحة مواجهة جديدة بين قوتين إقليميتين، تاركةً المنطقة برمتها على صفيح ساخن؟ موسكو حذرت، والأدلة تتحدث، والقادم سيكون أكثر إيلاماً للجميع مما نتصور.

