
موسكو ترد على التصعيد الغربي وتصف مجموعة الراغبين بدول سدوم وعمورة، فيما وصفت دول البلطيق بالفزاعات. كما اعتبرت الخارجية الروسية أن أي قوات متعددة الجنسيات في أوكرانيا تمثل تهديدًا وهدفًا مشروعًا، وفي تطور لافت أعلنت بلغاريا انسحابها من مجموعة الراغبين.
عندما تقوم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بزيارتها الحادية عشرة إلى كييف، بعد أسبوع من قمة الناتو التي قررت منح أوكرانيا دعمًا عسكريًا وماليًا كبيرًا بزعم إلحاق الهزيمة بروسيا، وهي تصرح بأن زيارتها إلى العاصمة الأوكرانية تهدف إلى دمج الصناعات العسكرية للاتحاد الأوروبي وأوكرانيا وسط هيستيريا غربية ضد موسكو تهدف إلى تأجيج الحرب وإشعال الجبهات، وعندما تشن أوكرانيا ضرباتها على روسيا هكذا خبط عشواء، من دون ضوابط أو قواعد، وتستهدف البنية التحتية الروسية وتقصف مخازن الحبوب ومحطات الطاقة في المدن الروسية وتقتل الأطفال في دونيتسك، وتطلق يوميًا مئات المسيّرات وتقصف السفن التجارية في الموانئ الروسية في البحر الأسود وجزيرة القرم، عند ذاك ماذا نتوقع من موسكو أن تفعل؟ وماذا نتوقع من القوات الجوفضائية الروسية، وماذا نتوقع من وحدات مجموعة قوات المركز والغرب والشرق والشمال والجنوب ووحدات مجموعة دنيبر الروسية الضاربة؟ ماذا نتوقع أن تفعل هذه القوات غير ما تفعله دفاعًا عن روسيا وأرضها وشعبها؟
وكما يقول الرئيس بوتين: ما نفع العالم من دون روسيا، التي تواجه عمليًا ليس أوكرانيا وإنما تواجه الغرب والناتو منذ 4 سنوات و4 أشهر، وتثبت للجميع رغم ضراوة المعركة أنها تلتزم بأهداف العملية العسكرية الخاصة في دونباس ولا تتعداها رغم كل الاستفزازات الأوروبية. فلم تقصف روسيا أي دولة باستثناء أوكرانيا التي تهدد أمن القارة العجوز بنظامها النازي المعادي لروسيا.
ورغم فرص السلام المتعددة منذ محادثات إسطنبول عام 2022 وحتى مبادرة ترامب ومحادثات جنيف 2026، إلا أن التباين بين الأطراف الأربعة المعنية، روسيا وأوكرانيا وأوروبا والولايات المتحدة، أدى إلى عرقلة الحل، وصولًا إلى مجموعة الراغبين الشريرة التي تهدف إلى تحطيم روسيا وشيطنتها وهزيمتها بأي ثمن. لكن لنر كيف كان الرد الروسي على آخر موجة من الهيستيريا الغربية على المستويين السياسي والعسكري.
الرد الروسي على موجات التصعيد الأوكرانية والغربية الأخيرة التي أعقبت انعقاد قمة الناتو جاء حاسمًا وقويًا على جميع الجبهات، وتكبدت القوات الأوكرانية خسائر فادحة. وأكدت وزارة الدفاع الروسية أن المئات من الجنود الأوكرانيين قتلوا في المعارك الأخيرة، وأعلنت أنها قصفت ميناء أوديسا الأوكراني ردًا على الهجوم الذي استهدف السفن التجارية في البحر الأسود وجزيرة القرم. وأشارت الوزارة إلى أن قواتها نفذت ضربات دقيقة استهدفت موانئ أوديسا وتشورنومورسك في منطقة أوديسا، إضافة إلى ميناء دنيبرو-بوغ في جنوب أوكرانيا.
وقالت الوزارة إن هذه الموانئ تُستخدم لإمداد القوات المسلحة الأوكرانية، موضحة أن الضربات استهدفت منشآت لتفريغ الوقود وخزاناته وورش إنتاج وتجميع الطائرات المسيّرة، فضلًا عن 4 سفن إمداد تابعة للجيش الأوكراني.
كما أسقطت مئات الطائرات المسيّرة التي يعمل الغرب بأجمعه على تصنيعها لمد نظام كييف بها لمواصلة الحرب ضد روسيا.
وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الردود على الضربات التي تشن على الأراضي الروسية ستكون مماثلة، بل أكثر قوة بعدة مرات، وسيشعر العدو بذلك على نطاق متزايد باستمرار.
وخلال زيارته لمعرض الجبهة الشعبية «كل شيء من أجل النصر» واطلاعه على مجسم لمنظومة الدفاع الجوي الصاروخية المدفعية «بانتسير-إس»، أكد بوتين: «ردودنا ستكون دائمًا بالمثل؛ فأينما حاولوا توجيه ضرباتهم داخل الأراضي الروسية، سنرد بالطريقة نفسها، ولكن بقوة مضاعفة عدة مرات».
وأضاف بوتين: «العدو سيشعر بذلك، بل هو يشعر به بالفعل كما آمل، وسوف يستمر في الشعور به مستقبلًا بنطاق متصاعد».
وفي الردود اللافتة على التصعيد الغربي، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، الذي شبه ليتوانيا ولاتفيا بالفزاعات لبثهما الشائعات والأكاذيب بأن موسكو تريد غزوهما. كما قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن دول الغرب، أو مجموعة الراغبين التي تدعم أوكرانيا عسكريًا وسياسيًا وماليًا، تشبه مدينتي سدوم وعمورة اللتين ورد ذكرهما في الكتب المقدسة، وكان قومهما زمن النبي لوط يفاخرون بالفاحشة.
واستدعت حالة التصعيد العسكري الخطير في البحر الأسود والأجواء المشحونة بين روسيا وأوروبا تحركات سياسية عاجلة من قبل تركيا وصربيا، من خلال زيارة هاكان فيدان وزير خارجية تركيا إلى كل من موسكو وكييف في محاولة لإحياء الوساطة التركية التي أثمرت في عام 2022 عن التوقيع على مذكرة تفاهم. ومن خلال زيارة الرئيس الصربي إلى كييف، قال المتحدث باسم الكرملين إن موسكو لم ترسل أي رسائل إلى زيلينسكي عبر الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش.
وشدد بيسكوف على أنه حتى الآن لم يكن لصربيا أي علاقة بجهود الوساطة في أوكرانيا، مشيرًا إلى أن روسيا تتلقى إشارات من الولايات المتحدة تفيد بأنها مستعدة لمواصلة جهود الوساطة في أوكرانيا بعد أن تتحرر من مشاكلها الخاصة، في إشارة إلى الحرب في الشرق الأوسط والانتخابات النصفية للكونغرس.
وفي مقابل الهيستيريا الأوروبية السياسية التي تجسدت بدعم نظام كييف بمنظومات دفاع جوي وتسريع عملية تصنيع منظومات باتريوت الأمريكية في ألمانيا، التي حولت مجمع صناعاتها العسكرية لصالح الحرب الأوكرانية ضد روسيا، أعلنت بلغاريا موقفًا جريئًا وغردت خارج السرب الأوروبي.
وفي هذا الإطار، أعلن رئيس الوزراء البلغاري رومين راديف انسحاب بلاده من مجموعة الراغبين، وقال إن بلغاريا لن تشارك في تحالف يصر على مواصلة تقديم المساعدات المالية والعسكرية لأوكرانيا.
واعتبر راديف أن حل هذا الصراع لا يكمن في إطالة أمده بالوسائل العسكرية، بل في مهمة دبلوماسية قوية تضع حدًا نهائيًا للتصعيد.
أوروبا قبل الحرب الأوكرانية ليست كما بعدها، والوضع الأمني في أوروبا يزداد تعقيدًا وخطورة بسبب الهيستيريا الأمنية الأوروبية وظاهرة الروسوفوبيا واعتبار روسيا بمثابة العدو. وهذا الوضع الخطير تعززه القرارات الجماعية والفردية الأوروبية، فـألمانيا تسخر مصانعها لتنفيذ طلبات نظام كييف العسكرية، والرئيس الفرنسي يدعو الجيش الفرنسي في خطاب له في عيد فرنسا الوطني يوم الباستيل إلى الاستعداد للحروب، في حين يؤكد كبار المسؤولين الروس وعلى رأسهم الرئيس بوتين أن روسيا لا تنوي الاعتداء على أي دولة أوروبية، وأن أعضاء الناتو يبررون استعدادات الحلف لصراع كبير بادعاء كاذب حول وجود تهديد قادم من روسيا.
ومع انتشار الشعبوية في أوروبا وعودة كل دولة إلى تقاليدها وأصولها، فإن تفكك الاتحاد الأوروبي كمنظومة سياسية واقتصادية أصبح أمرًا واقعًا بعد انكشاف ظهر القارة العجوز.
وإعلان ترامب أن أمريكا لن تحمي أوروبا بعد الآن، لن يكون أمام بروكسل من خيار إلا الحوار مع موسكو بدلًا من زيارات كييف وتشجيعها على إطالة أمد الحرب.
يحيى كوسا

