
بعد مضي ستة أشهر على توقيع الاتفاق الشامل بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في 29 يناير/كانون الثاني 2026، برعاية أمريكية، يبدو أن تضييق الفجوة الواسعة بين الطرفين يتطلب خطوات إضافية من الجانبين على المستويين العسكري والأمني، مع أخذ التأثيرات الخارجية التركية والإسرائيلية والأمريكية في الساحة السورية بعين الاعتبار، إلى جانب الدور النشط الذي يلعبه إقليم كردستان العراق كعرّاب لقسد وداعم لها.
وفي إطار إعادة تشكيل المشهد السوري بما يكفل تفكيك قسد وحلها، مع الحفاظ على وحدة سوريا وإرضاء الحليف التركي وضمان استمرار الدعم والانفتاح العربي والدولي لحكومة الشرع، وسعت دمشق اتصالاتها مع مختلف الأطراف، وشهدت الساحة السورية نشاطا سياسيا ودبلوماسيا مكثفا تمثل بلقاءات الرئيس أحمد الشرع مع القيادات الكردية السورية والعراقية. وجاءت بعد ذلك زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى تركيا في 6 أغسطس، حيث أجرى مباحثات مع نظيره التركي هاكان فيدان تمحورت حول تعزيز العلاقات وإنهاء جميع التشكيلات المسلحة خارج الدولة على الساحة السورية، في إشارة إلى قسد والانفصاليين الدروز في السويداء.
وأظهر اجتماع الرئيس السوري أحمد الشرع، الثلاثاء 4 أغسطس، مع مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية، وإلهام أحمد مسؤولة الشؤون الخارجية في الإدارة الذاتية، في قصر الشعب، بتوقيته وبعد ساعات من الزيارة التي قام بها رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان البرزاني، الدور الجديد الذي يؤديه البرزاني كشخصية كردية محورية في المنطقة، في إطار الجهود الهادفة إلى تسريع عملية الدمج العسكري والأمني والمؤسساتي بين الحكومة السورية وقسد.
وتشير زيارة عبدي وأحمد إلى دمشق بعد ستة أشهر من توقيع اتفاق 29 يناير إلى أن مسألة الاندماج التام أصبحت على نار حامية، وأنه حان الوقت لاستكمال هذه العملية وصولا إلى حل قوات سوريا الديمقراطية نهائيا.
ولا يمكن الفصل بين المحادثات التي أجراها الرئيس الشرع مع مظلوم عبدي وبين المحادثات التي أجراها مع رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، والتي تناولت ملف استكمال خطوات الدمج بين الحكومة السورية وقسد والإدارة الذاتية. كما حمل بارزاني معه إلى دمشق الملف الاقتصادي والعلاقات الثنائية بين سوريا وإقليم كردستان العراق.
ويتضمن الملف الاقتصادي بحث آليات التعاون في مجال الطاقة، بما في ذلك دور الإقليم المحتمل في نقل النفط العراقي إلى الموانئ السورية، سواء عبر الشاحنات أو من خلال إعادة تشغيل خط بانياس – كركوك، على أن يتم ذلك بالتنسيق مع الحكومة العراقية.
ومع أن الاجتماع بين الشرع وعبدي بحد ذاته يعد رسالة إيجابية في الزمان والمكان، فإن الزخم الذي تشهده عملية الاندماج بين الحكومة وقسد لم يكن ذاتيا صرفا، وإنما جاء بعد الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، بوصفه زعيما كرديا يرتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ويلعب دورا مركزيا في تشجيع عملية الاندماج الجارية في إطار تنفيذ اتفاق 29 يناير بين الحكومة السورية وقسد.
فقد انضم إلى الجيش العربي السوري أربعة ألوية تمركزت في المناطق الشرقية في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة، معظم عناصرها من قوات سوريا الديمقراطية، كما قام 6000 عنصر من قسد بدورات تدريبية في مركز النبك بريف دمشق بإشراف مدربين من الجيش العربي السوري. أما قوات الأمن الداخلي الكردية (الأشايس) فقد تم ضم 15000 عنصر منها إلى وزارة الداخلية السورية، فيما لا يزال الوضع في وزارة التربية يسجل المزيد من الأخذ والرد حول اللغة الكردية والمناهج. وقد شعر الأكراد بالظلم بعد أن اكتفت وزارة التربية بتخصيص حصتين أسبوعيا لتعليم اللغة الكردية، مع أن المرسوم 31 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع يقدم مزايا للأكراد لم يحصلوا عليها خلال فترة حكم البعث والفترات التي سبقتها.
ويبدو أن اجتماع الشرع مع عبدي خلص إلى نتائج حاسمة تتعلق بضرورة حل قسد والانتهاء من هذا الملف، خصوصا وأن الحكومة السورية وضعت خططا واسعة للتعامل مع المنطقة الشرقية وتنميتها وإعادة إعمارها. ونشير هنا إلى مشاركة الرئيس الشرع في افتتاح مطار دير الزور الدولي الجديد، في حين ربط البعض بين التغييرات في الجيش والتطورات الجارية لتسريع دمج قسد بمؤسسات الدولة.
وأشارت رئاسة الجمهورية السورية إلى أن لقاء الرئيس أحمد الشرع، في قصر الشعب بدمشق، مع مظلوم عبدي، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني ومحافظ دير الزور زياد العايش، تناول استكمال تنفيذ اتفاق التاسع والعشرين من يناير مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومتابعة مسار الاندماج ضمن مؤسسات الدولة.
ومن جهته، نشر الرئيس الشرع خبر لقائه مع البرزاني باللغة الكردية في إشارة رمزية، وقال إن اللقاء تناول العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون والتنسيق، ولا سيما في المجالات الاقتصادية، إضافة إلى بحث التطورات الإقليمية والقضايا ذات الاهتمام المشترك بما يدعم الأمن والاستقرار.
من جانبه، قال نيجيرفان البرزاني خلال زيارته الأولى إلى دمشق إن سوريا تقف أمام فرصة لإعادة البناء وتحقيق الاستقرار، مؤكدا دعم أربيل لسوريا مستقرة وموحدة تصان فيها حقوق جميع المكونات القومية والدينية.
أما المتحدث باسم رئاسة إقليم كردستان العراق، دلشاد شهاب، فقد أكد أهمية الحفاظ على حقوق جميع المكونات السورية، ومشاركة الأكراد في مؤسسات الدولة، وأشار إلى أن زيارة البرزاني جاءت بدعوة رسمية من الرئيس أحمد الشرع وبالتنسيق مع الحكومة العراقية، موضحا أنها تناولت، إلى جانب الملفات السياسية، قضايا اقتصادية ذات اهتمام مشترك.
ورغم الزخم الذي أخذته عملية دمج قسد، فإن العقبات لا تزال تنحصر في قضايا عامة تتعلق بانعدام الثقة بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية، أولا من جهة الاستفزازات التي يقوم بها عناصر مرتبطون بحزب العمال الكردستاني في محافظة الحسكة، وثانيا من جهة دعوات القبائل العربية والعشائر لحسم المسألة عسكريا من خلال الفزعات. غير أن الحكومة السورية والجيش العربي السوري وقوات الأمن حالت دون حدوث احتكاك ومواجهات بين القبائل والأكراد، وقامت بجهود حثيثة لإتمام عمليات الدمج التي لا تزال حتى الآن تسير ببطء بسبب هذه المشاحنات والتراكمات المتعلقة بهوية الدولة وطبيعة المرحلة الانتقالية، عدا عن تأثيرات التجاذب الدولي ومعارك النفوذ الإقليمية الدائرة، وتواجد آلاف العناصر الأجنبية ضمن فرق وألوية وكتائب الجيش العربي السوري.
وبالنظر إلى تسارع الأحداث في المنطقة والأدوار التي تلعبها سوريا في ظل التنافس المتصاعد والكبير بين تركيا وإسرائيل على الساحة السورية، فإن حل مشكلة الأكراد وإعادة اللحمة الوطنية يعد أولوية للحكومة السورية، مع الإشارة إلى أن حكومة إقليم كردستان العراق تدعم استكمال عملية الدمج وعودة الاستقرار إلى محافظة الحسكة بمختلف مكوناتها.
وفي ضوء هذه التطورات، جاءت زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى أنقرة لتدعم هذا المسار وتؤكد جملة مواقف ذكرها الوزير الشيباني خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره التركي هاكان فيدان، من أن سوريا تسعى لتحقيق الاستقرار في المنطقة ومنع الحروب، وهو موقف تدعمه تركيا التي تعمل على لجم إسرائيل من جهة ونزع سلاح قوات سوريا الديمقراطية من جهة ثانية.
ويرى كثيرون أن المشهد السوري وخارطة النفوذ الإقليمي والدولي يتوقفان بالدرجة الأولى على نتائج الكباش الدائر بين إسرائيل وتركيا على الأرض السورية، وقد ربط البعض بين عمليات تسريع الاندماج وبين التغييرات التي طالت قيادات في الجيش السوري.
ويترافق الحراك السياسي والدبلوماسي مع تغيرات في المشهد الإقليمي جراء تداعيات الحرب الأمريكية على إيران، حيث تحاول واشنطن تجميع قواها وحلفاءها من كل حدب وصوب، وتسعى بعد أن شعرت بالخذلان لعدم دخول الأكراد الحرب إلى جانبها ضد إيران إلى دعم الحكومات في دمشق وأنقرة، وتخفيف حدة الخلاف بين المكون الكردي والعربي في الجزيرة السورية، بعد أن شهدت المناطق الشرقية خلال شهر يوليو/تموز 2026 الكثير من المشاحنات والمواجهات، وارتفعت الدعوات من القبائل العربية والعشائر لتسريع عملية الاندماج وحسم الموضوع عسكريا وحل قسد وجميع هياكلها العسكرية والمدنية والإدارية بالقوة. غير أن الحكومة السورية وقفت على الحياد وأعطت فسحة من الوقت للحوار والحل السياسي، وحالت دون تفاقم الأوضاع بين العرب والأكراد.
ومع أن الغموض لا يزال يلف نتائج اجتماعات الشرع وعبدي والبرزاني المفاجئة، والتي تلتها زيارة الشيباني إلى أنقرة وتزامنت مع حملات إعلامية وشائعات بشأن الدور الذي سيقوم به الجيش السوري في لبنان والعراق لنزع سلاح حزب الله والحشد الشعبي، وذلك لتسميم الأجواء وزيادة التوتر في المنطقة وتغطية الفشل الأمريكي في إسقاط النظام الإيراني، فإن التعقيدات في المنطقة لا تزال مستمرة في ظل تنمر إسرائيل وتوحش حكومتها المتطرفة برئاسة بنيامين نتنياهو، ورفضها خطة السلام التي طرحها ترامب حول غزة، ورفضها أيضا الانسحاب من جنوب لبنان كما ينص اتفاق الإطار بين إسرائيل والحكومة اللبنانية، ورفضها الانسحاب من الجنوب السوري واستمرارها في انتهاك السيادة السورية.
وفي ظل هذا الوضع، فإن زيارة البرزاني ومظلوم عبدي إلى دمشق والتغيرات داخل قيادات الجيش السوري تكشف أن الأكراد، رغم شعورهم بالخذلان، لا يزالون كما كانوا دائما في الخندق الأمريكي، رغم أن إدارة ترامب اختارت التخلي عنهم مقابل تحسين العلاقات مع حكومة دمشق المركزية.
ومع هذه التداخلات في الملف الكردي بين الداخل والخارج، والتنافس الشديد والمتصاعد على النفوذ بين إسرائيل وتركيا على الساحة السورية، فإن الأكراد يحاولون أن يميلوا مع الرياح كي لا ينكسروا بانتظار ما ستكشف عنه الحرب في الشرق الأوسط. ولهذا فإن موقف قسد اليوم يبدو صعبا بعد أن وُضعوا في زاوية ضيقة: فإما أن يتم الحسم عسكريا ويفقدوا جميع الأوراق التي بأيديهم بعد أن تخلى عنهم الغرب وأمريكا وأوروبا، أو أن يتوقفوا عن سياسة التأجيل والتسويف ويعلنوا بوضوح قبولهم العودة إلى الدولة السورية وحل قسد وتحويلها لاحقا إلى حزب سياسي، مع الإشارة إلى وجود تيار كردي داخل قسد نفسها يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي، يرتبط عضويا وأيديولوجيا بحزب العمال الكردستاني التركي، وهذا التيار انفصالي يسعى للسيطرة على الجزيرة السورية الغنية بثرواتها النفطية وخيراتها.
لكن الأحداث قد تنقلب رأسا على عقب وتتغير بين ليلة وضحاها، ويبقى انتظار مزيد من الوضوح ضروريا لمعرفة الأهداف المباشرة والمهمة العاجلة وراء زيارة البرزاني إلى دمشق، ومدى ارتباطها بالمشروع الأمريكي الإسرائيلي الهادف إلى تقسيم المنطقة طائفيا وعرقيا لخلق حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، ومدى استجابة الحكومة السورية للمطالب الكردية التعجيزية.
يحيى كوسا

