
يترقب العراق في 30 سبتمبر 2026 موعد إتمام الانسحاب الأميركي ونزع سلاح الفصائل المسلحة، فيما يستعد لمرحلة ما بعد الاحتلال وسط انقسام سياسي ومجتمعي حول مشاركة الفصائل في الحرب الأميركية الإيرانية، واحتضان شمال العراق لمجموعات كردية إيرانية معارضة.
ويضع هذا الواقع العراق في قلب الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، بما يمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي وأمني، بعد سلسلة حروب بدأت في ثمانينيات القرن الماضي وانتهت بحرب داعش، مروراً بحرب الكويت والغزو الأميركي عام 2003.
رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، الذي تم اختياره في خضم الحرب في 14 مايو 2026 بموافقة واشنطن وعدم اعتراض من طهران، سارع إلى زيارة الولايات المتحدة في أول ظهور خارجي له، تلتها زيارة إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في إشارة واضحة تكشف عن موقفه الوسطي بين الدولتين المتحاربتين.
وفي ما يتعلق بانسحاب القوات الأميركية من العراق بعد 23 عاماً من الاحتلال، قال الزيدي إن العراق سيكون على موعد مع انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق في 30 أيلول المقبل، ليعلن العراقيون اكتمال سيادتهم، مشيراً إلى أن بلاده تسعى إلى انتهاج سياسة جديدة، وأنه لا ينبغي للعراق أن يكون محطة لإيذاء الآخرين.
وبالنظر إلى موقع العراق وأهميته الجيوسياسية بالنسبة لإيران، وفي محاولة للحد من الضغوط الأميركية الهادفة إلى تسريع نزع سلاح الفصائل العراقية، قام محمد باقر قاليباف، رئيس السلطة التشريعية ورئيس فريق التفاوض الإيراني مع الولايات المتحدة، بزيارة إلى بغداد، وأجرى مباحثات مع الزيدي شملت نزع سلاح الفصائل وتصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز.
وحملت الزيارة رسالتين: الأولى أمنية عسكرية تتعلق بضرورة إبطاء مسار نزع سلاح الفصائل إلى حين انتهاء الحرب، خاصة بعد تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران، وبعد الهجوم الأميركي السعودي على قوات الحشد الشعبي في سبع محافظات عراقية، ما أدى إلى خسائر كبيرة في الأرواح وإلى إلغاء زيارة الزيدي التي كانت مقررة في اليوم التالي إلى السعودية.
أما الرسالة الثانية فكانت اقتصادية، وتتعلق بتصدير النفط العراقي عبر مضيق هرمز، في ظل الأضرار الكبيرة التي لحقت بالعراق جراء إغلاق المضيق، حيث تعهد قاليباف باستثناء العراق، الذي كان يصدر 90% من نفطه عبر المضيق، والسماح للناقلات العراقية بعبوره.
وتكتسب المعركة الدائرة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً بين الولايات المتحدة وإيران على الساحة العراقية أهمية لا تقل عن بقية الجبهات في هرمز ولبنان واليمن، إضافة إلى الجبهة الرئيسية في إيران. وهذا الواقع يجعل أميركا وحلفاءها في حالة هستيرية من تقلبات الجبهة العراقية المشتعلة منذ بداية الحرب الأميركية على إيران، وقد خلقت هذه الجبهة مشكلة حقيقية وحرجاً كبيراً لأميركا، بالتوازي مع فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في نزع سلاح حزب الله اللبناني.
ويأتي التركيز الأميركي على الجبهة العراقية والاستعجال في نزع سلاح الفصائل المسلحة من أجل منع هذه الفصائل من تقديم المساندة والدعم لإيران في حال استئناف القتال بعد انتخابات الكونغرس النصفية في 3 نوفمبر 2026.
ورغم الضغوط الأميركية الهائلة ومحاولات الزيدي، خلال زيارتَيه إلى كل من البيت الأبيض وطهران، الإمساك بالعصا من المنتصف وإظهار الحزم والقوة في ملف نزع سلاح الفصائل العراقية وحصر السلاح بالدولة، فإنه بهذه السياسة الحازمة، التي تختلف عن سياسة سلفه محمد شياع السوداني، الذي نجح في موازنة العلاقة بين أميركا وإيران على الساحة العراقية، لا يزال يواجه صعوبات وتحديات حقيقية تجعله عاجزاً عن إرضاء أي من القوتين المتحاربتين.
فكلا القوتين تريدان العراق كله إلى جانبها، وفق مقولة جورج بوش خلال غزو العراق: «من ليس معنا فهو ضدنا»، وهو ما يعجز أي رئيس وزراء في العراق عن تحقيقه، بالنظر إلى طبيعة الحكم الطائفية وتوزع القوى داخل العراق، وميل الكفة لصالح إيران في الجانب العسكري، ولصالح أميركا في الجانب السياسي والاقتصادي.
من جانبه، اعتبر الرئيس العراقي نزار أميدي، خلال لقاء قاليباف، أن نزع السلاح قرار دستوري وطني لا رجعة عنه، وبخاصة السلاح الثقيل. غير أن الأقوال غير الأفعال، وزيارة قاليباف كانت تهدف إلى ضمان بقاء الجبهة العراقية مفتوحة في حال تجدد القتال بين إيران والولايات المتحدة، ذلك أن هناك فصائل عديدة تمتلك أسلحة متطورة وطائرات مسيرة، ويشرف على تدريبها ضباط من الحرس الثوري، وهذه الفصائل لا تعتبر تاريخ 30 سبتمبر مقدساً لتسليم سلاحها.
وقد أكدت مصادر رسمية أن هذا الموعد يعتبر البداية لتسليم الأسلحة من الفصائل التي تتقاضى رواتبها من إيران، فيما انضمت عدة ألوية من هذه الفصائل إلى الحشد الشعبي لتكسب المشروعية داخل الدولة وتتقاضى رواتبها من الحكومة العراقية.
ومن الصعوبة بمكان الحكم على نتائج زيارة قاليباف ولقاءاته المتعددة مع القيادات العراقية، وحتى لو تم تسليم السلاح فإن استرداده لا يستغرق وقتاً طويلاً، ذلك لأن علاقة الفصائل العراقية مع الحشد الشعبي علاقة عضوية بسبب الحرب المشتركة الطويلة مع تنظيم داعش والاحتلال، وتداخل هذه الفصائل وقياداتها.
واليوم يحظى الحشد الشعبي بدعم الإطار التنسيقي العراقي الذي يضم 190 نائباً في مجلس النواب، وينتمي الزيدي إلى الإطار التنسيقي أيضاً، ويشكل الكتلة الأكبر التي تدعم الحشد باعتباره مؤسسة أمنية رسمية وجزءاً من القوات المسلحة.
وفي ظل توازن النفوذ الأميركي والإيراني على الساحة العراقية، ومحاولات واشنطن الضغط بأقصى ما تستطيع على حكومة الزيدي عبر الامتناع عن تحويل الأموال الكافية إليها وتخفيض كمية الدولارات التي تصل إلى العراق لخنقها اقتصادياً وتركيع حكومتها، في وقت لا تزال طهران تحكم إغلاق مضيق هرمز الذي يمر منه 90% من النفط العراقي، عدا عن أزمة المياه وانخفاض مستوى المياه في نهري الفرات ودجلة والضائقة الزراعية، يضاف إلى ذلك عامل الجغرافيا وتشابك المصالح والأيديولوجيا الدينية والعقائدية التي تجمع العراق وإيران.
لكن الوعود بتصدير النفط العراقي عبر هرمز تبدو محكومة بالفشل بسبب الحصار الأميركي البحري خارج المضيق، فيما تبدو الحصيلة المرجوة من هذا الكباش والتنافس الأميركي الإيراني على الساحة العراقية هي تحييد هذه الجبهة. غير أن وجود القواعد الأميركية القريبة من إيران، ووجود المعارضة الإيرانية على الأرض العراقية، يعقد الوضع ويزيد من التدخل الإيراني والأميركي في الساحة العراقية.
وتبدو عملية نزع سلاح الفصائل العراقية الجارية، وقد شملت حتى الآن سبعة فصائل صغيرة وتخزين السلاح لدى قوات الحشد الشعبي المناهضة للوجود الأميركي، كناقل التمر إلى بغداد، عملية لا تقدم ولا تؤخر، والجبهة العراقية ستبقى مشتعلة في حال استئناف القتال بين أميركا وإيران، حتى لو سلمت الفصائل أسلحتها، لأن إيران تستطيع فور اندلاع القتال إعادة التسليح.
وهكذا فإن أميركا التي غزت العراق عام 2003 لإقامة الشرق الأوسط الجديد، تجد نفسها بعد 23 عاماً عاجزة عن حماية سفارتها المحصنة في بغداد، وهي أكبر سفارة أميركية في العالم، لكنها اليوم تبدو جثة هامدة لا حياة فيها ولا حراك، لأن من يزرع الشوك لا يحصد إلا الندامة.
يحيى كوسا

