
يؤكد إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية «قسد» أن الأمل الكردي بالدعم الأمريكي قد تراجع، بعدما بدا أن إدارة الرئيس ترامب لم تعد تمضي في الرهان السابق نفسه. وفي هذا السياق، سارع مظلوم عبدي إلى قصر الشعب لإعلان حل «قسد» تنفيذًا لاتفاق 29 يناير، وسط حالة من التململ والفوضى.
ويُنظر إلى هذا الإعلان بوصفه خطوة تقلب الطاولة على دعاة التقسيم في سوريا، وتعزز وحدة البلاد، لكنه في المقابل قد يفاقم الخلافات السياسية والأمنية بين تركيا وإسرائيل بسبب تضارب مصالحهما.
وحلت قوات سوريا الديمقراطية نفسها بعد ستة أشهر من اتفاق 29 يناير مع الحكومة السورية، إذ أعلن مظلوم عبدي، خلال اجتماعه مع الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب في 25 أغسطس، حل قوات سوريا الديمقراطية التي يتجاوز تعدادها 30 ألفًا.
وبذلك تلقى مشروع «قسد» ضربة قاصمة في سوريا، أسوة بما حصل للأكراد في تركيا والعراق وإيران، حيث تتراجع الخطوات الانفصالية الكردية في الدول الأربع، بينما تتعرض القضية الكردية بمحدداتها للتهميش جراء تراجع الدور الأمريكي في المنطقة والظروف السياسية والأمنية المعقدة في الشرق الأوسط.
وبالتوازي مع مسار السلام مقابل الحقوق الجاري تطبيقه في تركيا بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، تلقى المشروع الكردي في سوريا ضربة قوية وحاسمة، كان وقعها أشبه بفشل تجربة الاستفتاء على الانفصال في العراق في أيلول/سبتمبر 2017.
وقد ذهبت جهود الأكراد لإقامة إدارة ذاتية في المنطقة الشرقية من سوريا أدراج الرياح، وأعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي من قصر الشعب حل جميع التشكيلات العسكرية التي تضم أكثر من 30000 عنصر من الرجال والنساء، إضافة إلى حل الإدارة الذاتية ووحدات حماية المرأة والمؤسسات المدنية، والموافقة على الاندماج بشكل نهائي والانصهار داخل الجيش العربي السوري في جميع المحافظات، وليس في المناطق الكردية في الحسكة وعفرين والدرباسية والقامشلي وكوباني فحسب.
على أن يتم توزيع وحدات حماية المرأة على وزارة الداخلية، فيما تنضم قوات الأسايش الكردية إلى قوات الشرطة.
واعتبر هذا الحدث تاريخيًا لا يضاهيه في الأهمية سوى سقوط النظام السابق، ورأى محللون أنه يمثل تغييرًا نوعيًا وتحولًا مفصليًا يضع الحكومة السورية أمام مسؤوليات لحفظ حقوق الأكراد والمكونات السورية للمرة الأولى منذ 11 عامًا، مع الحفاظ على وحدة سوريا أرضًا وشعبًا وجيشًا ومؤسسات.
وكان إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية حديث وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وسط حماس السوريين وحالة من الارتياح والبهجة التي عاشها الشارع السوري. وقد أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسومًا ضم بموجبه السيد مصطفى خليل عبدي، الجنرال مظلوم عبدي قائد «قسد» سابقًا، إلى الحكومة بصفة مستشار لرئيس الجمهورية، فيما أصدرت وزارة التربية والتعليم في سوريا قرارًا يعتمد تدريس اللغة الكردية بوصفها لغة وطنية في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل فيها الأكراد أغلبية السكان، وهي مناطق القامشلي وعين العرب والدرباسية وأحياء داخل الحسكة.
وما حصل في 25 أغسطس 2026 في قصر الشعب كان تنفيذًا لاتفاق 29 يناير، فجاء القرار حاسمًا بحل قوات سوريا الديمقراطية، التي انشق عنها خلال معركة الأشرفية والشيخ مقصود ومعارك غرب الفرات ومعركة دير الزور مقاتلو العشائر والقبائل العربية.
وجرى الاتفاق على تشكيل أربعة ألوية كردية مستقلة في المنطقة الشرقية، ومن المتوقع أن يتم توزيع هذه الألوية على وحدات الجيش وفرقِه في معظم المحافظات، وربما ستحظى دمشق بالنسبة الأكبر، بالنظر إلى الضغوط الدولية على الحكومة السورية للتخلص من العناصر الأجنبية داخل الجيش، وهو ما يعد شرطًا أساسيًا لإعادة الانفتاح على الحكومة السورية. ومن المنتظر أيضًا أن يتم إعادة حقول النفط والمعابر الحدودية والسجون والمؤسسات ذاتية الإدارة إلى سلطة الدولة السورية الانتقالية.
كما جرى التوافق على انضمام 1500 عنصر من وحدات حماية المرأة التابعة لـ«قسد» المنحلة إلى وزارة الداخلية السورية، بعد رفض الجيش دمجها داخل صفوفه، على أن تحافظ على خصوصيتها كقوات لمكافحة الإرهاب، مع الإشارة إلى أن الوحدات النسائية في «قسد» حظيت بشهرة واسعة بسبب دورها في الحرب على تنظيم داعش.
وتندرج هذه الخطوات ضمن سياسة الاستيعاب والصبر التي تتبعها حكومة الشرع في تعاطيها مع المكون الكردي، وفق المرسوم رقم 13 لعام 2026 الذي أصدره الرئيس الشرع، وحدد مرتسمات واضحة وغير مسبوقة للعلاقة الجديدة بين الأكراد والدولة السورية، بما ينهي الصورة التي ترسخت منذ إحصاء الحسكة في عام 1962، وهو الإحصاء الذي ألحق ضررًا بحقوق الأكراد المدنية وحرم بعضهم حق الجنسية.
لكن هذه الصورة تغيرت بعد انتصار الثورة السورية، إذ اعتبر المرسوم 13 لعام 2026 السوريين الأكراد جزءًا أساسيًا وأصيلًا من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. كما ضمن المرسوم حماية التنوع الثقافي واللغوي، وأتاح تدريس اللغة الكردية في المدارس، واعتمد عيد النوروز عطلة رسمية.
ويرى مراقبون أن حل «قسد» جاء في سياق أوسع من التحولات الإقليمية والدولية، وأنه ينعكس على حسابات تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة في سوريا، وسط ترقب تركي وقلق إسرائيلي من مآلات المرحلة المقبلة.
ويُقال إن «مكره أخاك لا بطل» يصح على مظلوم عبدي الذي أعلن حل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية مرغَمًا، جراء تخلي الولايات المتحدة عن مشروع إقامة كيان كردي واستبداله بالتطبيع مع الحكومة السورية برئاسة الشرع، بعد أكثر من عقد على تأسيس «قسد» والإدارة الذاتية لمحاربة داعش في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2015.
كما ألغت واشنطن العقوبات المفروضة على سوريا منذ فترة النظام السابق، وشطبت اسم سوريا مؤخرًا من قائمة الإرهاب الأمريكية. ورب ضارة نافعة، فالتخلي الأمريكي عن دعم «قسد» لصالح حكومة الشرع اعتبره الكاتب قرارًا أمريكيًا مفيدًا وصائبًا، وانتصارًا لخيار وحدة سوريا ووحدة جيشها وأرضها، وهو خيار تدعمه وتقف إلى جانبه معظم دول العالم، ويؤيده القرار الصادر عن مجلس الأمن 2254 الذي ينص على المحافظة على سيادة سوريا واستقلالها ووحدة أراضيها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي استدعى حل «قسد» اليوم؟ والجواب، كما يورد النص، يكمن في الظروف العامة، إضافة إلى الوضع في الشمال مع تركيا والأوضاع المعقدة في الجنوب مع إسرائيل والتنافس الدولي الحاد على الساحة السورية.
وثمة ثلاثة أحداث سياسية وأمنية ترافقت مع إعلان مظلوم عبدي قرار حل قوات سوريا الديمقراطية خلال اجتماعه مع الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب في 25 يناير 2026، وكانت لهذه الأحداث صلة مباشرة بالإعلان.
ففي الداخل السوري بلغ التوتر بين إسرائيل وتركيا الذروة إثر عملية قصف وتدمير مطار أبو الظهور، الذي يبعد 70 كم عن الحدود التركية، في رسالة إسرائيلية بالنار ضد محاولات تركيا توسيع نطاق نفوذها العسكري داخل سوريا، خاصة أن حكومة رجب طيب أردوغان حققت نجاحًا سياسيًا جراء إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية، بوصفه خطوة ذات أبعاد إقليمية ضمن مشروع حل القضية الكردية برمتها في المنطقة والمصالحة الجارية بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني.
لكن مقابل الرضى التركي المشروط بضرورة انصهار «قسد» ضمن الجيش السوري، وليس عبر عملية دمج شكلية، فإن الجانب الإسرائيلي حقق مكسبًا أمنيًا على حساب حكومتي دمشق وأنقرة من خلال الاجتماع الأمني الذي عقد في الأردن بين وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان والمبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك.
وقد عُقد هذا الاجتماع رفيع المستوى في الأردن لبحث خفض التصعيد ومناقشة مقترح إنشاء غرفة عمليات مشتركة بإشراف أمريكي لإدارة التوترات الأمنية، لكن عدم إشراك تركيا تسبب بردود فعل غاضبة تجاه الاجتماع، الذي انعقد إثر الغارات الإسرائيلية الثمانية على مطار أبو الظهور في ريف إدلب في 23 أغسطس، وترافق مع توغلات مكثفة في مناطق الجنوب السوري.
كما تزامن إعلان حل «قسد» مع زيارة مفاجئة قام بها مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية جون راتكليف إلى موسكو. ورغم عدم توفر معلومات حول الملفات التي جرى بحثها، فإن التطورات في الشرق الأوسط تبقى في صلب الاهتمام الروسي والأمريكي، مع الإشارة إلى أن التنسيق بين واشنطن وموسكو لم ينقطع بخصوص سوريا، وبخاصة بعد انتصار الثورة السورية في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024.
وبعد عام ونصف على سقوط نظام بشار الأسد، بدأت تتضح الخيوط الخفية والأطراف الدولية المؤثرة على الساحة السورية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية التي يتسع دورها ودور حليفتيها تركيا وإسرائيل على الساحة السورية، بعد أن حسمت واشنطن موقفها إلى جانب الحكومة وتخلت على دفعات عن معظم الالتزامات تجاه قوات سوريا الديمقراطية.
وقد قدّم هذا الموقف، كما يرد في النص، نصراً جديدًا للحكومة السورية، أثلج صدر السوريين جميعًا، إذ لا تزال وحدة البلاد، رغم الشكوك التي تظل تحيط بالمكاسب المتحققة خلال عام ونصف، خطًا أحمر. ورغم المخاوف الأمنية التي يعيشها السوريون جراء عمليات الخطف والتفجيرات، والتي كان آخرها انفجار قنبلة أمام القصر العدلي في الحسكة، ورغم مطالبة السويداء بالانفصال، فإن إسرائيل تبقى، بحسب النص، الداعم الأساسي للانفصاليين الدروز، وهو ما يضعه أبناء السويداء في ميزان العمالة والخيانة للوطن.
ولا شك أن انتهاء ظاهرة «قسد» وتراجع مشروع الإدارة الذاتية في شرق سوريا سيكون نموذجًا يحتذى في الجنوب السوري لتقليص النفوذ الإسرائيلي، وحافزًا لاستعادة السويداء في ظل توافق دولي شبه كامل على أن وحدة سوريا شعبًا وأرضًا تسهم في استقرار المنطقة والعالم، وهو ما عكسته بوضوح بيانات الترحيب العربية والدولية بحل قوات سوريا الديمقراطية بعد 11 عامًا على تشكيلها.
يحيى كوسا

