
قبل ستة أسابيع من الانتخابات الأمريكية النصفية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ووزير الخزانة الأمريكي حزمة عقوبات صارمة ضد إيران، غير مسبوقة في تاريخ العقوبات، وسط معارضة صينية وروسية، فيما تتجه إيران، بعد إغلاق مضيق هرمز، إلى السعي للسيطرة على باب المندب عبر جماعة أنصار الله في اليمن.
بعد فشل الضربات الأمريكية على مدى ستة أشهر ضد إيران، واشتداد التنافس بين الجمهوريين والديمقراطيين للفوز بانتخابات الكونغرس النصفية في 3 تشرين الثاني المقبل، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دفعة واحدة عن جميع الأوراق القوية والمؤثرة بين يديه لتركيع إيران وخنقها اقتصاديا، معلنا إجراءات اقتصادية صارمة وغير مسبوقة في تاريخ العقوبات. واستخدم شعار الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن خلال غزو العراق: «من ليس معنا فهو ضدنا». كما أعلن منع إيران من تصدير نفطها، وأمر بقصف أي سفينة أو ناقلة نفط تحاول تهريب النفط الإيراني، وهدد باتخاذ إجراءات صارمة ضد أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو هيئاتها الحكومية بتوفير أي نوع من شرايين الحياة لإيران.
وترجمت هذه الإجراءات الأمريكية القاسية عبر فرض عقوبات على شركات تركية تتعامل مع الحرس الثوري الإيراني، فيما قصفت البحرية الأمريكية ناقلة نفط إيرانية في 4 ديسمبر وأغرقتها قبالة جزيرة خارك.
وتسببت الإجراءات الأمريكية القاسية بتراجع العملة الإيرانية بنسبة 15% خلال الأسبوع الأول من أيلول، إلا أن هذا التصعيد الاقتصادي والعسكري ضاعف المخاوف في الداخل الأمريكي، مع ارتفاع نبرة التحدي الإيرانية وازدياد الثقة بالقدرات العسكرية الإيرانية، التي تواجه بنجاح عمليات القصف الأمريكية على الموانئ الإيرانية وعلى جزيرة خارك النفطية. وقد أعلنت إيران أنها قصفت، بالإضافة إلى القواعد الأمريكية في الأردن وقطر، سفنا أمريكية في عرض البحر، مع الإشارة إلى وجود حاملة طائرات أمريكية وأكثر من 20 سفينة حربية.
وأدى التصعيد المتبادل إلى اختناقات في سوق النفط العالمية، وإلى ارتفاع في أسعار البنزين في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا. ولم تنفع ترامب كل هذه الحملة التي شنها مع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ضد إيران، التي تمرست واعتادت منذ 47 عاما على العقوبات، وإن كانت هذه المرة أكثر مضاءً وأكثر اتساعا وأكثر تأثيرا.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة ستفرض ما وصفه بـ«أقسى العقوبات في التاريخ» على إيران، موضحا أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على ضربة مزدوجة تجمع بين الحصار والعقوبات، مضيفا أن الضغط الاقتصادي يهدف إلى دفع النظام الإيراني نحو الانهيار.
ومع أن الملف النووي الإيراني هو السبب الحقيقي لنشوب الحرب في الشرق الأوسط، إلا أنه بعد ستة أشهر من القتال لم يعد أحد يتحدث عن هذا الملف، بل أصبحت الممرات المائية في الخليج وبحر العرب، كمضيق هرمز وباب المندب، هي الشغل الشاغل لإدارة ترامب والدول التي تضررت من الحرب الأمريكية على إيران، وبخاصة أوروبا والصين، لأنهم يعتمدون على النفط القادم من الخليج.
لكن ما يحصل عكس ما يتمنى ترامب؛ فكلما ارتفعت تهديداته اليومية وهو يسعى لتركيع إيران وإسقاط نظامها بكل الوسائل، ازداد الحرس الثوري الإيراني ثقة وتحديا للإجراءات الأمريكية. ما دفع بعض المحللين إلى توقع أن تقوم إيران بخطوات تصعيدية ردا على الإجراءات وعمليات القصف الأمريكية مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية، وذلك لإسقاط ترامب وحزبه الجمهوري في هذه الانتخابات. وكان ترامب قد بدأ يضخ الأموال من أجل الفوز على الديمقراطيين تحت شعار «المال أولا»، مع توقعات بأن يخسر الانتخابات النصفية بسبب الحرب في الشرق الأوسط، كما خسر الرئيس الأسبق جيمي كارتر الانتخابات الرئاسية عام 1980 بسبب أزمة الرهائن.
ويبدو أن التاريخ يكرر نفسه، وإيران تستخدم جميع أوراق القوة لديها، وبخاصة الممرات المائية كمضيق هرمز، الذي يعادل بأهميته ومفاعيله سلاحا نوويا، وهي تتجه إلى إغلاق مضيق باب المندب في حال استمرار الحصار الأمريكي الخانق على موانئها.
وترى قراءات عسكرية أن السيطرة على مسارات الطاقة وحركة الملاحة أصبحت جزءا من معادلة الضغط المتبادل؛ فواشنطن تريد منع إيران من الحصول على عائدات نفطية، بينما تملك طهران أوراقا يمكنها التأثير من خلالها على أمن الطاقة العالمي.
وتزامن التصعيد الاقتصادي مع الهجوم الواسع الذي تقوم به جماعة أنصار الله الحوثيين على الساحل الغربي لليمن وعلى عدة جبهات، وقد حققت اختراقات في جبهة تعز والخوخة وميناء الحديدة. وحذر رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن والحكومة المعترف بها دوليا، من محاولات الحوثيين السيطرة على باب المندب من خلال الهجوم الواسع على مناطق قريبة في الخوخة، الأمر الذي يعزز الربط بين هجوم أنصار الله وإعلان الرئيس ترامب إجراءات اقتصادية صارمة ضد إيران تحت عنوان «النبذ الاقتصادي».
كما تزامن العزل الاقتصادي مع اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين ومحافظي البنوك المركزية في الولايات المتحدة الأمريكية بمشاركة روسيا، حيث أكد وزير الخزانة الأمريكي في رسالة واضحة إلى المجتمعين أن على المؤسسات المالية قطع علاقاتها الاقتصادية مع إيران، وإلا فإنها ستواجه العقوبات الثانوية. لكن تحذيرات واشنطن لم تلق آذانا صاغية لدى روسيا والصين والهند وباكستان وتركيا.
وهكذا، فإن الحرب وإن ضاقت عسكريا إلى حد ما، إلا أنها توسعت اقتصاديا وتسببت بأزمة طاقة على مستوى العالم، كما أشعلت من جديد حرب اليمن بعد أن اكتشف الجميع فجأة أهمية المضائق البحرية، في وقت أكد الرئيس ترامب أن أمريكا تسيطر على مضيق هرمز. فقد أشار إلى أن سورية يمكن أن تكون بديلا عن هرمز لتمرير النفط العراقي والخليجي، وجاءت تصريحاته في إطار محاولاته تسويق خطته لخنق إيران ومنع التمويل والتجارة والنقل منها وإليها ودفعها إلى تقديم تنازلات سياسية.
الرد الإيراني لم يأت عبر التذكير بأن إيران لديها تجربة طويلة في التعامل مع العقوبات الأمريكية وأصبحت لديها مناعة منها، وإنما عبر تجميع أوراق قوتها الداخلية والخارجية وزجها في معركة أصبحت معركة حياة أو موت بالنسبة لها، أو معركة ند للند بينها وبين الولايات المتحدة.
ومن أوراق القوة لمواجهة العقوبات ليس الصواريخ الباليستية، وإنما الاعتماد على الحلفاء بالدرجة الأولى، وبخاصة الصين وروسيا. وفيما لا يريد ترامب فتح حرب اقتصادية مع الصين، فإن بكين رفضت الإجراءات الأمريكية المشددة ضد إيران ونددت بالموقف الأمريكي، وقال متحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن إن العقوبات والضغوط لا تساعد في حل المشكلة، داعيا الأطراف المعنية إلى التعامل مع القضية عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية.
ومن الصعب أن نتصور قيام الولايات المتحدة بمعاقبة الشركات الصينية التي تستورد النفط الإيراني، ولهذا فإن الإجراءات الأمريكية الهادفة إلى خنق إيران مصيرها الفشل طالما بقيت الصين، ومعها دول كثيرة كروسيا وباكستان وتركيا، رافضة الإجراءات الأمريكية. ويبدو أن واشنطن تحاول حتى الآن السير على حافة دقيقة لرفع تكلفة تعامل الصين مع إيران، من دون دفع بكين إلى معركة اقتصادية مفتوحة مع الولايات المتحدة.
وسبق الإعلان الصيني الواضح من الإجراءات الأمريكية ضد إيران بيان قمة شنغهاي الذي صدر بعد أيام من قرار تشديد العقوبات على إيران، وأكد إعلان بشكيك الصادر عن منظمة شنغهاي للتعاون، بحضور 28 دولة بينها روسيا والصين والهند وباكستان وتركيا، رفض المنظمة العقوبات. كما أكد البيان رفض هذه الدول العقوبات الأمريكية ضد إيران، ودعا إلى إنهاء الحرب فورا.
وفي تعليقه على مواقف الحلفاء من العقوبات الأمريكية ضد إيران، أشار رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى أن الشركاء التجاريين لإيران لا يأخذون التهديدات الأمريكية على محمل التنفيذ.
وهكذا، فإن من جرب المجرب عقله مخرب، ويبدو أن العقوبات الأمريكية، لو كانت وحدها قادرة على إسقاط النظام الإيراني، لما احتاجت أمريكا إلى حشد قواتها، خاصة أن إيران أصبحت تطور أساليب للالتفاف على العقوبات، كما أنها تبيع نفطها بأسعار مخفضة وتعتمد على الوسطاء. وبالتالي، فالعقوبات، كما يرى محللون، لن تؤدي إلى أي تنازلات سياسية من قبل إيران، بل على العكس، وفي ظل استمرار الهجمات المتبادلة والتصعيد العسكري، فإن إيران ستلجأ إلى استخدام كل الوسائل المتاحة لإغلاق مضيق باب المندب، بالإضافة إلى مضيق هرمز، وذلك في حال استمرار الضغط والخناق الاقتصادي الأمريكي عليها، وفق مبدأ: «عليّ وعلى أعدائي».
يحيى كوسا

