
عاد الزخم إلى الوساطة الأمريكية لإنهاء الحرب في أوكرانيا بعد سبعة أشهر من الجمود بسبب الحرب في الشرق الأوسط، وتلقفت موسكو هذا الزخم بارتياح على إيقاع التقدم الميداني الذي يحرزه الجيش الروسي على جبهات القتال.
واستقبلت موسكو، في 6 سبتمبر 2026، بأجواء ودية وحفاوة لافتة مبعوثَي الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، اللذين حملا إلى ثامن لقاء يجمعهما مع الرئيس فلاديمير بوتين منذ فبراير 2025 مقترحات أمريكية جديدة وذات جدوى لإنهاء الحرب في أوكرانيا، فيما كان الزمن يتوقف في أول زيارة للمبعوثين الأمريكيين إلى كييف بهدف تسريع الوساطة قدر الإمكان، بالنظر إلى حاجة ترامب إلى تحقيق إنجاز في السياسة الخارجية قبل الانتخابات النصفية في 3 نوفمبر 2026، وكذلك لحفظ ماء وجه زيلينسكي الذي تنتظره، على كل الأحوال، هزيمة مدوية في الشتاء القادم.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قيّم إيجابيا، خلال اتصال هاتفي مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب، المقترحات الأمريكية الجديدة التي حملها ويتكوف وكوشنير لإنهاء الحرب، وكان راضيا عن النتائج، وإلا لما بادر إلى الاتصال بترامب ليعرض له إمكانية عقد قمة أمريكية روسية صينية على هامش قمة «أبيك» في مدينة شنتشن الصينية في 18 نوفمبر 2026. كما قدم بوتين لترامب عرضا حول الواقع العسكري والانتصارات والتقدم الذي أحرزته القوات الروسية على مختلف الجبهات خلال الأشهر السبعة الماضية، والتي استطاعت خلالها روسيا تحرير عشرات القرى والمدن في الدونباس، وأوقعت خسائر كبيرة بالقوات الأوكرانية، ووجهت ضربات قاصمة لمراكز القيادة ومواقع الطاقة الأوكرانية. وتناول الاتصال الهاتفي العلاقات الروسية الأمريكية.
وفي المقابل، أكد الرئيس الأمريكي لنظيره الروسي رغبته في إنهاء الصراع سريعا لفتح آفاق فورية للعلاقات بين موسكو وواشنطن.
ويعد الاتصال الذي أجراه بوتين مع ترامب إشارة إيجابية من موسكو حول تقييم زيارة ويتكوف وكوشنير ولقائهما الذي استغرق 3 ساعات مع الرئيس بوتين في الكرملين، وكان لقاء وديا وإيجابيا مفعما بالمعاني والاحترام لشخص الرئيس بوتين، الذي بادل الوفد الأمريكي التحية بمثلها.
في غضون ذلك، وصفت الرئاسة الأوكرانية الأفكار الأمريكية الجديدة بأنها أكثر فاعلية من ذي قبل لتفادي أزمة طاقة إنسانية مع اقتراب فصل الشتاء. ولم يتم الإفصاح عن هذه المقترحات التي تتضمن، على ما يبدو، ضمانات أمنية جديدة لأوكرانيا، وهذا ما يمكن استنتاجه من مشاركة رؤساء مجالس الأمن القومي في كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا في الاجتماع الذي جمع زيلينسكي مع ويتكوف وكوشنير، اللذين استخدما لأسباب أمنية القطار بدل الطيران خلال تنقلاتهما، مع أن الرئيس بوتين أعلن وقف إطلاق النار ووقف الهجمات الروسية لمدة 3 أيام على كييف، وهي المدة التي استغرقتها زيارة ويتكوف وكوشنير إلى كل من موسكو وكييف، قبل أن يغادرا عبر بولندا.
اجتماع بوتين والمبعوثين الأمريكيين كان مختلفا هذه المرة شكلا ومضمونا، وقد تبادل خلاله الجانبان الكلمات الودية. وقال ويتكوف إنه عندما يتقاعد فإنه سوف يتذكر هذه اللقاءات مع الرئيس بوتين، وهذه أيضا إشارة إيجابية على أن المباحثات بشأن إنهاء الحرب تسير على ما يرام، لأن التحضيرات التي سبقت زيارة الوفد الأمريكي إلى موسكو وكييف استغرقت وقتا طويلا وتأجلت عدة مرات حتى يتم ضمان نجاحها. وفي نهاية المطاف، اجتمع زيلينسكي مع ويتكوف وكوشنير لأول مرة منذ بدء الحرب، ورغم كل التقييمات بقي الغموض يسيطر على نتائج المباحثات وعلى المقترحات الأمريكية التي وصفت بأنها ذات جدوى وتستوجب، كما ذكر ويتكوف، عقد لقاءات ثلاثية أمريكية روسية أوكرانية، مشيرا إلى رغبة واشنطن في تحقيق اختراق ملموس قبل الشتاء القادم.
ومع أن الجميع وصف المحادثات في موسكو وكييف بالبناءة والهامة، فإنه لم يتم تحديد أي مواعيد لاجتماعات أخرى، ولم يحدد المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أي موعد لعقد اجتماعات ثلاثية روسية أمريكية أوكرانية، مع أن تركيا أيضا تحاول منذ أشهر الدخول على خط الوساطة مستندة إلى المحادثات التي جرت في إسطنبول عام 2022، والتي عبرت روسيا عن استعدادها للعودة إليها لاستكمالها. غير أن الرئيس ترامب، الذي وعد مرارا بأنه سيوقف الحرب الأوكرانية، كان يصر دائما، لأمر في نفسه، على أن يواصل جهوده دون مشاركة تركيا والاتحاد الأوروبي.
وفي هذا السياق، لم يستبعد الكرملين إجراء مفاوضات ثلاثية أمريكية روسية أوكرانية، ولكن موسكو تعتبر أن الحديث عن التواريخ والموقع لا يزال مبكرا.
ومنذ إطلاق ترامب خطته لإنهاء الحرب في أوكرانيا في العام 2025، تم الاتفاق على معظم النقاط، فيما بقيت بعض الخلافات التي تتعلق بالأراضي التي لا تزال تحت سيطرة أوكرانيا، وهي لا تتجاوز 15 بالمئة من الدونباس، وتصر روسيا على استعادتها، بالإضافة إلى مسألة الضمانات الأمنية. كما زاد الموقف الأمريكي من مسألة مشاركة أوروبا في المفاوضات المخاوف في أوكرانيا التي تريد إشراك أوروبا في أي ضمانات أمنية، وهذا الأمر لم يكن مدرجا في الخطة الأمريكية التي يعمل عليها ويتكوف وكوشنير منذ دخول الرئيس ترامب البيت الأبيض في ولايته الثانية، وكان يراهن على أنه الوحيد القادر على إنهاء الصراع في أوكرانيا. غير أن الحرب الأمريكية الإيرانية قلصت الاهتمام الأمريكي بالأزمة الأوكرانية.
ويبدو أن المقترحات الأمريكية، التي وصفت بأنها ذات جدوى والتي تمت مناقشتها مع زيلينسكي بحضور ممثلين عن الاتحاد الأوروبي، تتضمن تقديم ضمانات أمنية كاملة لأوكرانيا. وقد أكد الرئيس الروسي وجميع المسؤولين الروس مرارا أن روسيا لا تنوي ولا تسعى لمهاجمة أي دولة أوروبية، فيما تصر روسيا على استعادة كامل أراضي الدونباس باعتراف رسمي من أوكرانيا وأوروبا بالسيادة الروسية على الدونباس وجزيرة تلقرز، كما اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تضمنت خطة ترامب للسلام في أوكرانيا إقرارا أمريكيا بالنتائج التي تمخضت عنها الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ 24 فبراير 2022.
ولا شك أن زيارة ويتكوف وكوشنير تحمل معها آمالا حقيقية لإنهاء القتال، لأن الروس شعروا بالملل جراء إطالة أمد الحرب وقد حققوا معظم أهدافهم، ولم يبق سوى القليل لتحقيق كامل الأهداف. وربما تخدم خطوة إيقاف القتال فورا كلا من روسيا والولايات المتحدة، أما أوكرانيا فإنها سوف تتجرع مع الاتحاد الأوروبي مرارة الهزيمة أمام روسيا التي تستعيد مكانتها الدولية بعد أن كان البعض يظن أن روسيا لن تقوم لها قائمة بعد سقوط جدار برلين. غير أن الواقع العسكري والسياسي يشيران إلى أن روسيا تأخذ مكانها المرموق بين الدول الكبرى في الفضاء الأوراسي، كأقوى دولة في أوروبا، وتسعى إلى لعب دور الدولة القائدة لأوروبا، بفضل ما تمتلكه من موارد بشرية وثروات طبيعية ومساحة جغرافية تعادل مساحة روسيا تقريبا مساحة الولايات المتحدة والصين مجتمعتين. كما أنها دولة قائدة في أوراسيا بعد أن بنت، عبر منظمة شنغهاي للتعاون ومنظمة البريكس، وبتحالفها الاستراتيجي مع الصين والهند وإيران، صرحا عاليا في وجه الغرب الذي يتجه بعد أزمة الطاقة إلى المزيد من التفكك والانقسام، وقد أظهرت الحرب في أوكرانيا وإيران حاجة أوروبا الماسة إلى النفط والغاز الروسيين.
ومن المؤكد أن المباحثات بشأن أوكرانيا ستأخذ المخاوف الروسية بعين الاعتبار، وسوف تجني روسيا من هذه المباحثات ما كانت تأمله، وهو منع تمدد الناتو شرقا وحماية حدود الدولة الروسية وعدم انضمام أوكرانيا إلى الناتو، وتحسين العلاقات مع الغرب ورفع العقوبات الاقتصادية عن روسيا، خاصة وأن المصالح الأمريكية والروسية تتلاقى في كثير من الأماكن، حيث يحتاج العالم إلى السلام والاستقرار بعد حربي أوكرانيا وإيران. ومن المتوقع أن تكون العلاقات الروسية الأمريكية والحديث يدور حول لقاء ثلاثي بين رؤساء أمريكا وروسيا والصين، وذلك في نوفمبر القادم خلال قمة «أبيك» في الصين، وقبلها سيقوم الرئيس بوتين بزيارة إلى الهند، ما يضيف أوراق قوة سياسية إلى الجانب الروسي، فيما تبقى دول أوروبا كالنعاج الشاردة خارج القطيع لا تدري إلى أي الجانبين تميل بعد أن خسرت الدعم الأمريكي وخسرت الحرب التي دفعت لأجلها الغالي والنفيس في أوكرانيا تحت عنوان هزيمة روسيا، ولكن النصر كان دائما حليف الجيش الروسي والقوات الجوفضائية الروسية التي لا قبل لأوروبا بالوقوف في وجهها.
ومع أن الرئيس بوتين وضع الرئيس ترامب في صورة الوضع الحقيقي على جبهات القتال مع قوات كييف، فإن الصورة النهائية لطريقة إنهاء الحرب لا تزال غير واضحة، خاصة في ظل محاولات أوروبا تعطيل أي اتفاق مع روسيا. وربما تعطي الخطة الأمريكية والمقترحات الجديدة دافعا إضافيا للرئيس بوتين لإنهاء الحرب بعد أن تحققت عمليا كامل الأهداف التي حددتها في بداية الحرب، وباتت روسيا اليوم، بعد 4 سنوات و7 أشهر من القتال، تسيطر على الجزء الأكبر من الدونباس، ولم يبق سوى جزء بسيط تحت السيطرة الأوكرانية، يجري التفاوض عليه بوساطة أمريكية.
ولا شك أن التمعن في مضمون المحادثة الهاتفية بين بوتين وترامب يكشف لنا أن الوضع الميداني هو الأساس في أي تسوية مستقبلية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، كما أن الربط بين وقف الحرب في أوكرانيا وتحسين العلاقات الأمريكية الروسية بات من المسلمات في السياسة الدولية. ومن المحتمل أن يقدم الرئيس بوتين هدية معنوية للرئيس ترامب قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي ويعلن وقف الحرب، ما يمكن ترامب من تسجيل إنجاز شخصي ونصر معنوي، خاصة وأن جهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا كانت حقيقية وصادقة، وهي الحرب التي سترسم نتائجها ملامح النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب، مع الإشارة أيضا إلى احتمال عقد قمة روسية أمريكية صينية بين بوتين وترامب وشي جين بينغ على هامش قمة «أبيك» في الصين، ما يمنح ترامب، المولع بحكم التاريخ على ولايته الحالية، فرصة المشاركة أيضا في وضع أسس هذا النظام الجديد، ويعوضه أيضا جزءا من الخسارة المعنوية التي لحقت بإدارته الجمهورية جراء الحرب على إيران.
يحيى كوسا

