
في الثامن عشر من أغسطس 2026، وفي مشهد كشف عن عمق الشرخ الذي يعصف بالتحالف الغربي في الشرق الأوسط، شنت إسرائيل غارة جوية مدمرة على قاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب الشرقي، في عملية وصفها الجيش الإسرائيلي بأنها “ضربة استباقية” لمنع تمركز عسكري تركي في الموقع الاستراتيجي. هذه الضربة، التي جاءت بعد ساعات من تحذيرات متكررة من تل أبيب لأنقرة، لم تكن مجرد حلقة جديدة في سلسلة الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية، بل كانت إعلاناً عن تحول نوعي في طبيعة الصراع السوري، حيث لم تعد المواجهة بين إسرائيل وإيران أو بين إسرائيل والميليشيات الموالية لها، بل أصبحت مواجهة مباشرة بين تركيا وإسرائيل، وهما حليفان استراتيجيان لواشنطن، على أرض سورية، تحت أنظار موسكو التي تراقب هذا الصراع باهتمام بالغ، وتستعد لقطف ثمار الانقسام الغربي.
المفارقة الكبرى في هذه الحادثة تكمن في أن الضربة الإسرائيلية استهدفت قاعدة جوية سورية، لكنها كانت موجهة في جوهرها إلى تركيا. فقاعدة أبو الظهور، التي تقع في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، كانت قد شهدت في الأسابيع السابقة نشاطاً مكثفاً للقوات التركية، التي تعمل على تأهيل المدرج وإعادة بناء البنية التحتية تمهيداً لاستخدامها قاعدة عسكرية دائمة. هذه الخطوة التركية، التي تأتي في إطار استراتيجية أنقرة لتعزيز وجودها العسكري في سوريا، أثارت قلقاً إسرائيلياً بالغاً، حيث ترى تل أبيب في أي وجود عسكري تركي قرب حدودها الشمالية تهديداً استراتيجياً قد يحد من حرية عملها في الأجواء السورية. لكن ما يجعل هذه الحادثة غير مسبوقة هو أنها المرة الأولى التي تشن فيها إسرائيل ضربة عسكرية مباشرة على موقع يسيطر عليه حليف لواشنطن، مما يضع الإدارة الأمريكية في موقف بالغ الحرج، بين حليفين استراتيجيين لا يمكنها التخلي عن أي منهما.
لم يكن هذا التوتر وليد لحظة انفعال عابرة، بل كان تتويجاً لسنوات من التصعيد المتبادل بين أنقرة وتل أبيب، التي تحولت من شراكة استراتيجية وثيقة في التسعينيات إلى عداء مفتوح في العقد الأخير. فمنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا عام 2002، بدأت العلاقات التركية الإسرائيلية تتدهور تدريجياً، ووصلت إلى نقطة الانهيار بعد حادثة أسطول الحرية عام 2010، ثم انقطعت تماماً بعد حرب غزة عام 2023. لكن الصراع على النفوذ في سوريا بعد سقوط نظام الأسد أضاف بعداً جديداً لهذا العداء، حيث أصبحت سوريا ساحة تنافس مباشر بين مشروعين إقليميين متعارضين: المشروع التركي، الذي يسعى إلى بناء سوريا موحدة وقوية تكون حليفاً لأنقرة وشريكاً في مشروعها الإقليمي، والمشروع الإسرائيلي، الذي يسعى إلى إبقاء سوريا ضعيفة ومجزأة، ومنع أي قوة إقليمية منافسة من ترسيخ وجودها على حدودها الشمالية.
جوهر هذا الصراع يكمن في رؤيتين متعارضتين تماماً لمستقبل سوريا. فتركيا، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، ترى في سوريا عمقاً استراتيجياً لا يمكن التخلي عنه، وتسعى إلى بناء علاقات وثيقة مع دمشق، وتدريب الجيش السوري، وإعادة إعمار البنية التحتية، بل وإقامة قواعد عسكرية تركية في الأراضي السورية. هذه الاستراتيجية، التي وصفها أردوغان بأن “أمن تركيا لا يبدأ من حدودها الجنوبية بل من حلب ودمشق وبيروت”، تهدف إلى تحويل سوريا إلى حليف استراتيجي لأنقرة، وشريك في مشروعها الإقليمي الطموح. وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى هذا المشروع بعين الريبة والقلق، وتعتبره تهديداً وجودياً لتفوقها العسكري في المنطقة. فإسرائيل، التي كانت تعتبر إيران التهديد الأكبر، تجد اليوم في تركيا قوة إقليمية صاعدة، تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو، وصناعات دفاعية متطورة، وطموحات سياسية لا تخفيها، وقد تصبح بديلاً لإيران في قيادة محور معادٍ لتل أبيب.
الأبعاد الخطيرة لهذا التنافس تتجلى في ثلاثة مستويات. أولاً، المستوى العسكري المباشر: فالتقارير تشير إلى أن الجيش التركي قام بنصب رادار متقدم في سوريا، وهي خطوة قد تحد بشكل كبير من حرية الحركة الجوية الإسرائيلية في المنطقة. وفي المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي توغلاته في جنوب سوريا، ويشن غارات جوية تستهدف ما تعتبره تهديدات أمنية، بما في ذلك أهداف قد تكون مرتبطة بتركيا. هذا الاحتكاك الميداني، الذي وصفته مصادر بأنه “احتكاك وتدافع عن بعد”، يزيد من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، خاصة في ظل غياب قنوات اتصال فعالة بين الجانبين، وارتفاع منسوب الخطاب العدائي بين قادتهما. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصف تركيا بأنها “دولة ذات طموحات عدوانية”، بينما رد أردوغان واصفاً إسرائيل بأنها “تبلغ من البلطجة حداً يهدد تركيا أيضاً”.
ثانياً، المستوى السياسي والدبلوماسي: فالصراع التركي-الإسرائيلي في سوريا يعيد تشكيل التحالفات الإقليمية، ويضع الدول العربية في موقف حرج.
فبينما تدعم مصر وتركيا وحدة وسيادة سوريا وتدينان الانتهاكات الإسرائيلية، تجد دول الخليج نفسها ممزقة بين رغبتها في الحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل، وخوفها من صعود النفوذ التركي في المنطقة. هذا الارتباك الخليجي يترك الباب مفتوحاً أمام موسكو لتلعب دور الوسيط، وتعزز موقعها كقوة لا غنى عنها في أي تسوية مستقبلية. فروسيا، التي كانت تراقب هذا التنافس عن كثب، تبنت موقفاً متزناً، حيث حافظت على علاقاتها مع كل من أنقرة وتل أبيب، واستثمرت في تعزيز وجودها العسكري في سوريا عبر اتفاقيات التدريب المشترك مع الحكومة السورية الجديدة، مما يجعلها اللاعب الأكثر تأثيراً في المعادلة السورية.
ثالثاً، المستوى الاستراتيجي الأوسع فالصراع التركي-الإسرائيلي في سوريا هو في جوهره صراع على “الهيمنة الإقليمية” في مرحلة ما بعد الحرب. فإسرائيل، التي كانت القوة العسكرية الأوحد في المنطقة لعقود، تجد اليوم منافساً شرساً في تركيا، التي تمتلك قدرات عسكرية متطورة، وطموحات سياسية لا حدود لها، وتستطيع تحدي التفوق الجوي الإسرائيلي. والأكثر إثارة للقلق من وجهة نظر تل أبيب، هو احتمال حصول تركيا على مقاتلات “إف-35” الشبحية الأمريكية، وهو ما وصفه نتنياهو بأنه “سيخل بتوازن القوى” في المنطقة. نتنياهو شن هجوماً واسعاً على هذه الصفقة المحتملة، واتهم أردوغان بالدعوة إلى “إبادة إسرائيل” والعمل على “احتلال نصف قبرص”، في محاولة يائسة لإجهاض أي تقارب أمريكي-تركي قد يمنح أنقرة تفوقاً عسكرياً.
في خضم هذا المشهد، يقف الموقف الأمريكي كعنصر التوازن الأكثر غموضاً وتناقضاً. فمن ناحية، تدرك واشنطن أن تركيا حليف استراتيجي في الناتو، وأن أي مواجهة بينها وبين إسرائيل قد تمزق الحلف من الداخل، وتلحق ضرراً كبيراً بالمصالح الأمريكية في المنطقة. ومن ناحية أخرى، تتعرض الإدارة الأمريكية لضغوط هائلة من اللوبي الإسرائيلي والكونغرس لوقف أي تقارب مع أنقرة، ومنع تزويدها بأسلحة متطورة قد تهدد التفوق الإسرائيلي. هذا التناقض انعكس في موقف البيت الأبيض من طلب إسرائيل بقصف أهداف تركية في سوريا، حيث استخدمت واشنطن حق النقض ضد هذا الطلب، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة. لكن هذا الرفض، الذي وصفته المصادر الإسرائيلية بأنه “غير مسبوق”، أثار موجة من القلق في تل أبيب، وأظهر أن واشنطن قد لا تكون إلى جانبها في كل الأحوال، خاصة عندما تتعارض مصالحها مع مصالح حليف آخر في الناتو.
في الجانب الآخر، يبرز الموقف الروسي كصخرة صلبة في مواجهة هذه الفوضى الغربية. فموسكو، التي كانت قد حذرت مراراً من مغبة تحويل سوريا إلى ساحة صراع إقليمي، ترى اليوم في التنافس التركي-الإسرائيلي تأكيداً على صحة تحليلاتها. الكرملين، الذي استثمر في بناء علاقات متوازنة مع كل من أنقرة وتل أبيب، يقدم نفسه كوسيط محايد، وكقوة عاقلة في عالم مجنون. وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف كان قد صرح سابقاً بأن “الاستقرار في سوريا يتطلب تضافر جهود جميع القوى الإقليمية”، واليوم، ها هو الصراع التركي-الإسرائيلي يثبت أن غياب التنسيق بين القوى الإقليمية هو العائق الأكبر أمام أي حل دائم. موسكو، التي تحتفظ بقواعدها العسكرية في سوريا، وتوقع اتفاقيات تدريب مع الحكومة السورية الجديدة، هي المستفيد الأكبر من هذا الانقسام، حيث تقدم نفسها كحامية للسيادة السورية، وكوسيط لا غنى عنه لأي تسوية مستقبلية. وبينما تتخبط واشنطن بين حليفيها المتنازعين، تواصل موسكو بناء جسور نفوذها، وتثبت مرة أخرى أن من يملك الرؤية الاستراتيجية والصبر هو من ينتصر في النهاية، وليس من يمتلك القوة العسكرية وحدها.
في المحصلة، فإن التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل في سوريا ليس مجرد خلاف عابر بين قوتين إقليميتين، بل هو انعكاس لتحولات جيوسياسية عميقة تعيد تشكيل خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. سوريا، التي كانت حتى الأمس القريب ساحة لصراع بالوكالة بين إيران والغرب، أصبحت اليوم ساحة لصراع جديد بين حليفين أمريكيين، في مشهد يعيد إلى الأذهان أيام الحرب الباردة، حيث تتصارع القوى الإقليمية تحت أنظار القوى العظمى. والأكثر خطورة، أن هذا الصراع قد يتحول من تنافس على النفوذ إلى مواجهة عسكرية مباشرة، خاصة في ظل غياب قنوات اتصال فعالة بين أنقرة وتل أبيب، وارتفاع منسوب الخطاب العدائي، واستمرار الاحتكاك الميداني في جنوب سوريا وشمالها. وكما حذر المحللون، فإن “خطر المواجهة بين تركيا وإسرائيل أعلى من أي وقت مضى”، وأن الطرفين قد ينزلقان إلى حرب لا يريدانها، لكنهما غير قادرين على تجنبها. وفي هذا السياق، تبرز روسيا كصوت العقل والحكمة، وكدولة تملك رؤية واضحة لمستقبل المنطقة، وتستطيع لعب دور الوسيط النزيه بين الأطراف المتنازعة. فموسكو، التي حافظت على علاقات متوازنة مع كل من أنقرة وتل أبيب، واستثمرت في تعزيز وجودها العسكري في سوريا، هي اللاعب الوحيد القادر على تقديم حلول عملية تخرج المنطقة من هذا المأزق.

