
في خضم الفوضى التي تعصف بالشرق الأوسط، وفي لحظة تبدو فيها واشنطن منشغلة بإخراج جيشها من مستنقع إيراني، بينما تتخبط أوروبا بين أزماتها الداخلية، برزت سوريا فجأة على شاشات الرادار الاقتصادي العالمي ليس كساحة حرب، بل كسوق إعادة إعمار هو الأكبر في التاريخ الحديث. فبعد أكثر من عقد ونصف من الصراع المدمر، الذي حول مدناً بأكملها إلى أنقاض، وقتل أكثر من نصف مليون شخص، وشرد أكثر من 13 مليوناً داخل البلاد وخارجها، يقدر خبراء الاقتصاد أن كلفة إعادة بناء ما دمرته الحرب تتراوح بين 300 و400 مليار دولار. لكن الأرقام الأكثر طموحاً، التي تتحدث عنها مراكز الأبحاث الدولية، تشير إلى أن حجم الاستثمارات المطلوبة لتحويل سوريا إلى دولة حديثة ومستقرة قد يتجاوز 4000 مليار دولار على مدى العقدين المقبلين، وهو رقم يضاهي الناتج المحلي الإجمالي لاقتصادات كبيرة، ويجعل من سوريا الجديدة واحدة من أكبر أسواق إعادة الإعمار في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
هذا الحجم الهائل من الاستثمارات لم يمر دون أن يلفت أنظار القوى الكبرى، التي رأت في سوريا الجديدة فرصة تاريخية لترسيخ نفوذها الاقتصادي والسياسي في قلب الشرق الأوسط. فما كان يُعتبر حتى الأمس القريب أرضاً محروقة، أصبح اليوم ساحة تنافس محمومة بين الشرق والغرب، حيث تتسابق أكثر من 27 دولة على اقتسام كعكة إعادة الإعمار، كل منها يريد أن يكون الشريك الأول لدمشق في هذه المرحلة الحرجة. هذا السباق، الذي وصفته مجلة “الإيكونوميست” البريطانية بأنه “أكبر مزاد اقتصادي في التاريخ المعاصر”، لم يعد مجرد منافسة على عقود البناء والبنية التحتية، بل تحول إلى معركة جيوسياسية شاملة، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية بالطموحات السياسية، والاستثمارات بالتحالفات، والعقود بالنفوذ.
في قلب هذا السباق المحموم، تقف روسيا كأحد أبرز اللاعبين، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع دمشق، ومن دورها المحوري في دعم الحكومة السورية الجديدة بعد سقوط نظام الأسد. فموسكو، التي كانت حليفاً استراتيجياً لنظام الأسد لعقود، تمكنت ببراعة من تحويل هذا الإرث إلى موقع قوة في مرحلة ما بعد الحرب. فمن خلال مذكرة التفاهم التاريخية التي وقعتها مع دمشق في أغسطس 2026، والتي حولت قواعدها العسكرية إلى مراكز تدريب مشتركة، ضمنت روسيا استمرار وجودها العسكري في سوريا بشكل قانوني ومؤسسي، مع الحفاظ على نفوذها السياسي في العاصمة السورية. لكن الوجود العسكري لم يكن سوى غطاء لطموحات اقتصادية أكبر، حيث تسعى الشركات الروسية، وفي مقدمتها شركات الطاقة والبناء، إلى الحصول على حصة الأسد في عقود إعادة الإعمار، خاصة في قطاعات النفط والغاز والكهرباء والسكك الحديدية. فشركة “غازبروم” الروسية تعمل بالفعل على تطوير حقول الغاز في المنطقة الوسطى، بينما تتفاوض شركات بناء روسية كبرى على مشاريع إعادة تأهيل المصافي ومحطات الطاقة وميناء طرطوس التجاري.
لكن روسيا ليست وحدها في هذا السباق. فالصين، التي رأت في سوريا بوابة استراتيجية لتعزيز وجودها في الشرق الأوسط، أطلقت ما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية الاقتصادية” المكثفة تجاه دمشق. فمنذ مطلع عام 2026، زار وفود صينية رفيعة المستوى دمشق عدة مرات، وعقدت لقاءات مع كبار المسؤولين السوريين، وأبدت استعداداً للمشاركة في مشاريع البنية التحتية الكبرى ضمن مبادرة “الحزام والطريق”. الصين، التي تمتلك خبرة هائلة في بناء المدن والمطارات والجسور والطرق السريعة، ترى في سوريا موقعاً استراتيجياً على طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، وتسعى إلى ربط موانئها السورية بشبكة النقل الآسيوية. كما أن بكين، التي تعاني من فائض في الطاقة الإنتاجية في قطاعات البناء والصلب والإسمنت، تجد في سوق إعادة الإعمار السورية منفذاً مثالياً لتصريف هذه القدرات، وتحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة، مع تعزيز نفوذها السياسي في منطقة كانت لعقود حكراً على النفوذ الغربي.
في المقابل، لا يزال الغرب، رغم تراجع نفوذه السياسي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، يسعى إلى العودة إلى الساحة السورية من بوابة إعادة الإعمار. فالاتحاد الأوروبي، الذي فرض عقوبات قاسية على دمشق طوال سنوات الحرب، بدأ يدرس تخفيف هذه العقوبات تدريجياً، بهدف فتح المجال أمام الشركات الأوروبية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار. لكن هذه المحاولات تصطدم بعقبات كبيرة، أبرزها عدم ثقة دمشق في النوايا الأوروبية، التي كانت تدعم المعارضة المسلحة وتطالب برحيل الأسد. كما أن واشنطن، التي انسحبت عسكرياً من سوريا، لا تزال تحتفظ بعقوبات اقتصادية صارمة، وتواصل دعمها لإسرائيل في ضرباتها المتكررة على الأراضي السورية، مما يجعل من الصعب على الشركات الغربية أن تنافس نظيراتها الروسية والصينية في هذا السوق الواعد.
هذا التراجع الغربي، الذي وصفه أحد الدبلوماسيين الأوروبيين بأنه “خسارة استراتيجية مؤلمة”، ترك الساحة السورية مفتوحة أمام روسيا والصين ودول إقليمية مثل تركيا والسعودية والإمارات، التي تتسابق جميعها على كسب ود دمشق.
هذا التنافس المحموم على إعادة إعمار سوريا ليس مجرد منافسة اقتصادية بحتة، بل هو في جوهره صراع على النفوذ السياسي في مرحلة ما بعد الحرب. فمن يشارك في إعادة بناء سوريا، سيكون له صوت مسموع في رسم سياساتها المستقبلية، وسيضمن مصالحه الاستراتيجية لعقود قادمة. وهذا ما يفسر الإصرار الروسي على الحفاظ على وجودها العسكري في سوريا، والصيني على تعزيز وجودها الاقتصادي، والتركي على بناء علاقات وثيقة مع دمشق، والسعودي والإماراتي على إعادة فتح سفاراتهما وضخ استثمارات في قطاعات الطاقة والزراعة. إنها لعبة كبرى، حيث تتداخل المصالح وتتصارع الأطماع، وتبحث كل قوة عن موقع متقدم في سوريا الجديدة، التي قد تصبح مركز ثقل جديداً في الشرق الأوسط، أو ساحة صراع جديدة بين القوى الكبرى.
في خضم هذا السباق، يبرز الموقف الروسي كصخرة صلبة، يثبت مرة أخرى أن موسكو، رغم انشغالها بالحرب الأوكرانية والضغوط الغربية، لا تزال قادرة على لعب دور محوري في مناطق حيوية. فالكرملين، الذي كان يحذر منذ البداية من مغبة ترك سوريا فريسة للفوضى، يرى اليوم في مشاريع إعادة الإعمار فرصة ذهبية لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي، وترسيخ وجودها العسكري في شرق المتوسط، وتحويل سوريا إلى بوابة نفوذ دائم في الشرق الأوسط. روسيا، التي تمتلك خبرة هائلة في بناء البنية التحتية، وتعاني من عقوبات غربية تحد من وصولها إلى الأسواق الأوروبية، تجد في السوق السورية منفذاً مثالياً لشركاتها، وتأكيداً على أن العقوبات الغربية لم تنجح في عزلها عن محيطها الإقليمي والدولي.
في المحصلة، فإن سباق إعادة الإعمار السوري ليس مجرد قصة اقتصادية، بل هو فصل جديد في الصراع العالمي على النفوذ في مرحلة ما بعد الحروب. فبعد أن وضعت الحرب أوزارها، بدأت معركة جديدة، هذه المرة بالجرافات والشاحنات والعقود، وليس بالدبابات والطائرات. وفي هذه المعركة، يبدو أن روسيا والصين، بتحالفهما الاستراتيجي وعلاقاتهما التاريخية مع دمشق، هما الأقرب إلى الفوز بالجائزة الكبرى: إعادة بناء سوريا الجديدة. أما الغرب، الذي راهن على إسقاط النظام السوري وتقسيم البلاد، فيجد نفسه اليوم خارج اللعبة، يتفرج على خصومه وهم يقتسمون كعكة إعادة الإعمار، بينما هو غارق في أزماته الداخلية، ومشغول بحروب لا تنتهي في أوكرانيا وإيران. والسؤال الذي يبقى مفتوحاً اليوم: هل سينجح الغرب في العودة إلى الساحة السورية من بوابة إعادة الإعمار، أم أن سوريا قد أصبحت بالفعل جزءاً من الشرق الجديد، حيث روسيا والصين هما اللاعبان الرئيسيان، بينما الغرب مجرد متفرج؟ موسكو حذرت، والأدلة تتحدث، والقادم سيكون أكثر إيلاماً للغرب مما يتصور.

