مضت أربعة شهور تقريبا على سقوط النظام الأسد، كان يتوقع الشعب السوري أن عصر الظلم والاضطهاد والحرب قد ولى، وأن سوريا ستتحول إلى لوس أنجلوس خلال فترة وجيزة ، غرتهم تدفق البعثات الدبلوماسية إلى بلادهم،وهذا طبيعي فـ أربعة عشر عاماً من الحرب لم تطحن فقط الشجر والحجر والاقتصاد بل طحنت ثقافة المجتمع السياسية أيضاً، والمشهد المركب والمعقد في سوريا أصبحت قراءته بسطحية فالشعب يقول : أمنوا لنا الخدمات الأساسية وسبل الحياة اليومية ونحن سنكون بخير… لكن رغم بساطة هذه المتطلبات إلا أن السلطة الجديدة عاجزة تمامًاً عن تأمين أي منها، المؤسسات الحكومية مشلولة متوقفة عن العمل منذ سقوط النظام، والرواتب متوقفة عن الصرف، والشعب بكافة مكوناته بدأ يتململ من تقييد حرياته والمظاهر الغريبة المنتشرة التي لم تعبر عن سوريا يوماً. عدا عن أن مستوى الأمان في كافة أنحاء البلاد ” صفر”.
أما الغرب الذي تأمل الشعب السوري بمساندتهم له، فإنه ينظر إلى سوريا “اليوم” على أنها وحدة جغرافية نامية منهكة متشرذمة غير آمنة ، ليسوا مستعدين للدفاع عن مكوناتها أو تأمين الحماية لهم ومن يعتقد عكس ذلك يكون في غاية السذاجة فهم يرونها بقعة بلا حدود ولا دولة، يتنافسون على السيطرة عليها واحتلالها بعد أن تم بعونهم سحق اقتصادها وجيشها ومقاومتها وتشريد شعبها وقتله تحت مسميات ومعارك ” بلا عنوان” لا أحد يعلم من كان الظالم فيها ومن المظلوم.
اليوم أمريكا قرعت جرس الإنذار لمواطنيها في سوريا لمغادرتها فوراً وصنفت وزارة الخارجية هذا التحذير بالمستوى الـ4: “لا تسافر”،
فيما ألغى وفد أوروبي زيارة “سريّة” لبحث سبل عودة اللاجئين مع السلطات السورية الجديدة، التي لا تزال ترزح تحت وطأة تبعات المجازر التي شهدها الساحل السوري، في وقت تتابع فيه إسرائيل اعتداءاتها على الأراضي السورية، عبر تقدّم بري وحملات عسكرية في الجنوب، وغارات واستهدافات جوية تطال مختلف المناطق، وآخرها استهداف لنقطة ساحلية في اللاذقية، تسبّب بانفجارات كبيرة، من دون أن تفصح السلطات عن نتائج هذا العدوان.
وأعلنت وزارة الداخلية الألمانية إلغاء الزيارة التي كان من المُفترض أن تقوم بها وزيرة الداخلية الألمانية، نانسي فيزر، ونظيرها النمسَاوي غيرهارد كارنر، لإجراء مشاورات مع السلطات السورية الانتقالية،وذلك بسبب “مخاطر أمنية لا يمكن تجاهلها”. وجاء، في بيان، أن “الرحلة لم تُعلن مسبقاً لأسباب أمنية، لكنّ المعلومات الواردة من الأجهزة الاستخباراتية كانت كافية لاعتبار تنفيذها مخاطرة غير مبرّرة”، لافتة إلى أن “التهديد المحتمل تجاه الوفد الأمني الألماني والنمسَاوي لم يكن من الممكن تجاهله أو التعامل معه بمستوى أمان كاف”، وهذا أكبر دليل أن أفعال الغرب تعاكس أقواله وتكشف عن ارتفاع مستوى المخاوف الأمنية حيال الأوضاع في سوريا على نحو غير مسبوق.
ووفق هذه المعطيات، لا بد لنا ألا ننسى أن سياسة الغرب والكيان الصهيوني في السلم وفي الحرب، على حد سواء هي افتعال حروب بين الشعوب، وإسقاط دول لنهبها وسرقتها ليبقوا هم أصحاب القرار فيها وبيدهم ترياق الحياة والإنقاذ لها، وهذا الترياق بمنظورهم هو احتلال الأراضي وتقسيمها بينهم لأنهم يرون أن الشعوب العربية مجرد أفراد جهلة ضعفاء حد العجز عن إدارة شؤونهم بنفسهم حسب قاموس الغرب واسرائيل وهذا ما يفسر انفتاحهم خلال الفترة الأولى من سقوط النظام.
أمريكا وإسرائيل وفرنسا وألمانيا وتركيا..الخ ، الجميع اليوم يتصارع على حصة له في سوريا، وتل أبيب لوحدها ترفض تثبيت حدودها النهائية ” فالفرصة سانحة الآن” وبسهولة لتوسيع هذه الحدود وقضم المزيد من الأراضي العربية المفككة “سوريا ولبنان”، وعلى سيرة العربية، يعيش الحكام العرب كعادتهم مرحلة سبات عميق ويتبارون من منهم مخلص أكثر للاستعمار وليس وارد في قاموسهم مفهوم الكرامة والعروبة والوطنية والأمن القومي. فهم يعبدون الطريق أمامه للتوسع ويتنكرون لواقعهم الاستعماري ولواقع سوريا الأسود القادم بكل الوسائل، دول استعمارية بلا حدود بأدواتها المتطرفة تمرر مخططها في التطهير العرقي والاستيطان والإبادة والتوسع ، وحدود سورية بلا دولة يسودها التناحر الطائفي والحكم القمعي والاستبدادي باسم الدين وسط اقتصاد تبعي تحت مسمى ” حر” وإذلال معيشي وثروات مهدورة.
طريق السلم والعيش الآمن في سوريا ” مع الأسف” غير سالك بسبب تراكم المشاريع الاستعمارية ،نحن السوريون الآن نعيش هدنة بين حربين ، حتى تأتي لحظة الصحوة الشعبية المفاجئة لهروب جديد أو هجوم جديد وتذخير العقل بالفكر المستنير واليد بالسلاح على أمل أن يكون هذا السلاح في وجه مشاريع التقسيم والتفكيك لا بوجه السوريين بين بعضهم.