
روسيا ترحب بالاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة وأوروبا غاضبة…
مقاربة أمريكية جديدة للأمن القومي… إدارة ترامب تعتبر الصين وروسيا دول عظمى حقيقية، أما أوروبا فلا قيمة لها…
لم يكن إعلان إدارة ترامب عن استراتيجيتها الأمنية الوطنية في هذا التوقيت، بالتزامن مع اجتماعات ميامي في ولاية فلوريدا بين إدارة ترامب ووفد أوكراني بهدف إنهاء الحرب في أوكرانيا، موجهة إلى الدول العظمى كالصين وروسيا فحسب، بل رسالة مبطنة إلى أوكرانيا ورئيسها وإلى أوروبا بعد أن رفض نظام كييف خطة السلام الأمريكية لإنهاء الحرب مع روسيا…
ولم يكن أحد يتوقع أن يبلغ حجم التغيير في مقاربة إدارة ترامب للأمن القومي حدا بلغ درجة التناقض مع مقاربات الإدارات السابقة، ذلك أن الصورة الكلية التي ترسخت منذ عقود عن نظرية الأمن القومي الأمريكية أنها ثابتة ونابعة من الدولة الأمريكية العميقة والتي يتوافق حولها كل الأمريكيين من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مع الإشارة إلى أن جميع تصرفات ترامب في ولايته الثانية مختلفة حتى عن إدارته في ولايته الأولى، عدا عن اختلافها الجذري والواضح مع إدارة بايدن.
وما يعنينا في هذا الإطار أن إدارة ترامب قدمت رؤية جديدة وغير نمطية بشأن نظرتها لدول العالم، وبخاصة الصين وروسيا وأوروبا…. فقد أقرت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة بروسيا والصين والولايات المتحدة كقوى عظمى عالمية…..
وهذه إشارة إلى أن الوثيقة الأمنية الأمريكية تنظر إلى الدول العظمى من ناحية قدراتها العسكرية، ولهذا اعتبرت الوثيقة الأمريكية السنوية بشأن الأمن القومي أن القوى العظمى هي الولايات المتحدة وروسيا والصين. أما أوروبا، فإن إدارة ترامب باتت تنظر إليها بعد أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا كدول تابعة لها وليس كقوى عظمى بالمعنى الحقيقي للكلمة، ذلك أن الأسلحة في أوروبا لم يعد لها أهمية بالنظر إلى الأسلحة التي تمتلكها الدول الثلاث أمريكا وروسيا والصين، والتي قدمت كل منها أنواعاً من الطائرات الحربية المقاتلة مثل الطائرة الروسية السو-57، والأمريكية إف-35 (التي عرضت أمريكا نسخة منها بدون طيار)، وطائرة الشبح الصينية التي لا تكتشفها الرادارات..
ومع أن الوثيقة الأمريكية السنوية كانت تعتبر أن روسيا والصين تشكلان خطراً على الأمن القومي الأمريكي، إلا أن إدارة ترامب اكتفت في تقييمها للوضع هذا العام بالإشارة إلى أن الصين وروسيا قوى عظمى حقيقية، وقللت من شأن أوروبا التي يمر تحالفها مع واشنطن هذه الأيام بمحنة حقيقية، حيث إن إدارة ترامب درجت على احتقار أوروبا ومنعتها من المشاركة في المفاوضات حول وقف القتال في أوكرانيا، وقدمت خطة سلام لإنهاء الحرب بدون استشارتها أو إشراكها فيها.
وعبر الرئيس ترامب عن خيبة أمله تجاه نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لعدم انخراط الأخير في الدفع قدماً بمقترح خطة السلام لإنهاء الحرب مع روسيا.
وقال ترامب للصحافيين رداً على سؤال خلال حفل جوائز تكريم سنوي ينظمه مركز كينيدي: “تحدثت مع الرئيس بوتين ومع القادة الأوكرانيين بمن فيهم زيلينسكي (…) ويجب أن أقول إنني أشعر بخيبة أمل بعض الشيء لأن الرئيس زيلينسكي لم يقرأ المقترح بعد…”
وفور الإعلان عن الاستراتيجية الأمريكية الأمنية، سارعت روسيا للترحيب بهذه الوثيقة ووصفتها بأنها “متسقة إلى حد كبير” مع رؤية موسكو.
واعتبر الكرملين أن رفع اسم روسيا من قائمة التهديدات المباشرة في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة أمر إيجابي…
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف في مقابلة بثتها محطة “روسيا” الرسمية، إن الإدارة الأمريكية الحالية “مختلفة بشكل جوهري عن الإدارات السابقة”.
وقال معلقاً على الإستراتيجية الجديدة إن “التعديلات التي نراها… تتماشى إلى حد بعيد مع رؤيتنا”..
وأعرب عن أمله في أن تشكل الإستراتيجية “ضمانة متواضعة بأننا سنتمكن من مواصلة عملنا المشترك بصورة بناءة لإيجاد تسوية سلمية في أوكرانيا”.
الصين من جانبها علقت على الوثيقة الأمريكية الأمنية بما ينسجم مع سياساتها التقليدية المتزنة وغير الصدامية.
وأكدت الخارجية الصينية بشأن استراتيجية الدفاع الأمريكية الجديدة أن الصين تدافع عن سياستها. ولكن الناطق الرسمي باسم الخارجية الصينية قال في بيانه: نعتقد أن بكين وواشنطن تستفيدان من التعاون، وشددت الخارجية الصينية بأن بكين جاهزة للعمل مع واشنطن لتحسين العلاقات الثنائية، في وقت شهدت العلاقات الصينية اليابانية توترات خلال الفترة الماضية على خلفية التعاون الياباني مع تايوان التي تعتبرها الصين جزءاً لا يتجزأ من الوطن الأم وتطالب بإعادتها إلى الصين.
وهكذا كشفت إدارة ترامب دفعة واحدة، من خلال وثيقة الأمن القومي الأمريكية، أنها باتت أبعَد من أي وقت مضى عن أوروبا التي تريدها أن تتفكك وتعود إلى عهدها القديم. وقد أعرب الرئيس ترامب بصراحة أن روسيا تعاملت بإيجابية مع خطته لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وأعرب عن قلقه وخيبة أمله من موقف زيلينسكي الذي رفض المقترحات الأمريكية، مع أن التسريبات والأجواء تشير إلى أن الحرب في أوكرانيا أصبح احتمال استمرارها ضئيلاً بعد الموقف الأمريكي الحاسم من موضوع تزويد نظام كييف بالأسلحة والأموال، فيما وصلت أوروبا إلى مرحلة الإحباط بعد أن فرغت مخازن أسلحتها بسبب الحرب، وباتت عاجزة ومنقسمة. وجاء تقييم إدارة ترامب للحال في أوروبا بمثابة نعوة للاتحاد الأوروبي الذي يعيش بعد أربع سنوات من الحرب في أوكرانيا آخر أيامه، بعد أن تحول إلى تابع لا قيمة له للولايات المتحدة، وفي أحسن الأحوال تصنفه الاستراتيجية الأمنية الوطنية الأمريكية “حديقة خلفية للبيت الأبيض” في أحسن الأحوال.

