
بوتين يكشف المستور… ويضع الكرة في ملعب أوكرانيا والأوروبيين… ويصف محاولة الاستيلاء على الأصول الروسية المجمدة بالسرقة الموصوفة…
في مؤتمره الصحفي السنوي الكبير قبيل أعياد الميلاد ورأس السنة، وضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين روسيا الوطن والإنسان والتاريخ والحضارة والأدب والثقافة في قلبه وعقله، في قاعة فسيحة حُفر على أحد جدرانها خارطة روسيا الاتحادية الممتدة بين أوروبا وآسيا، والتي تعادل مساحة الولايات المتحدة والصين معاً. ومن أمام هذه الخارطة… خاطب الرئيس بوتين الروس وعبرهم شعوب العالم بحضور المئات من الصحفيين والإعلاميين من مختلف الأرجاء والبلدان، وأجاب على آلاف الأسئلة التي تَنهال عليه من مواطنين وحضور على مدى ثلاث ساعات ونصف.
الخارطة التي وضعت بلونها السماوي في القاعة الفسيحة ضمت الأقاليم الأربعة الروسية الجديدة: دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزاباروجيا، ومعهم بطبيعة الحال جزيرة القرم… ولم يكن المقصود من هذا المشهد وتلك الصورة الاستعراض وتوجيه الرسائل والتفاخر بمساحة روسيا المهيبة، وإنما هو مشهد عادي واقعي يعبر عن عين اليقين والحقيقة التي بات العالم يدركها ويعيشها.. فروسيا بعد حرب أوكرانيا ليست روسيا قبلها…
في مؤتمره الصحفي السنوي، يقدم الرئيس بوتين للجمهور الروسي وللرأي العام العالمي وجبة سياسية سنوية كاملة عن الأحداث التي مرت خلال العام المنصرم، وعن الأحداث والتوقعات التي يمكن أن تحدث في العام ٢٠٢٦، ليس من منطلق التخمين والتوقعات، بل من واقع الحال والمعطيات التي يملكها الرئيس بوتين الذي التقى خلال الأشهر الأخيرة من العام ٢٠٢٥ قادة الهند والصين والولايات المتحدة وعشرات الزعماء الذين زاروا الكرملين. وقد بدأ مؤتمره بأوكرانيا وأنهاه بأوكرانيا، التي قال عنها إنها ليست مجرد دولة مجاورة أبداً، فهي جزء لا يتجزأ من تاريخنا وثقافتنا وفضائنا المعنوي…
ومع أن الرئيس بوتين يحرص في هذا المؤتمر السنوي، الذي يتلقى فيه مئات آلاف الأسئلة من مواطنيه، فتظهر فيه ثقافته الغزيرة والعميقة بكل تفاصيل الحياة الروسية اليومية وتاريخ روسيا وشعبها، وتاريخ نشوء أوكرانيا التي بقيت حتى الأمس القريب جزءاً لا يتجزأ من الاتحاد السوفييتي حتى سقوط جدار برلين عام ١٩٩٠…
ومع أن القوات الروسية منذ بداية العام ٢٠٢٥ باتت تملك زمام المبادرة وتتقدم على جميع الجبهات، فقد أكد الرئيس بوتين أن القوات الروسية تحاصر ٣٥٠٠ جندي أوكراني في كوبيانسك، وأشار إلى أن الجيش يواصل تطوير قدراته العسكرية الرادعة.
وحول العلاقة مع أوروبا والناتو والتسوية الأوكرانية، أكد بوتين أن موسكو تنتظر الاطلاع على نتائج المحادثات التي جرت في ميامي، مبدياً انفتاحاً كاملاً للمفاوضات مع أوكرانيا، كما أبدى انفتاحاً لمواصلة الحوار مع الولايات المتحدة ومع الأوروبيين… ولكن بوتين الذي التقى قبل مؤتمره الصحفي قيادة الجيش الروسي، اعتبر أن نظام كييف والأوروبيين لا يفهمون اللغة الدبلوماسية، وعاد وأكد أمام ملايين الروس الذين تابعوا مؤتمره الصحفي السنوي أن الناتو يستعد للحرب مع روسيا، وأن تمدده شرقاً يمثل تهديداً لروسيا. ووجه الرئيس بوتين رسالة اطمئنان إلى الغرب وقال: “لن تكون هناك أي عملية عسكرية خاصة أخرى في حال احترم الغرب روسيا ومصالحها”. وأضاف: “إننا مصرون على التزام الغرب بتعهداته مع روسيا”.. وشدد على أن روسيا لا تحارب أوروبا، ولكن أوروبا تحارب روسيا بأيدي أوكرانيا..
واعتبر بوتين أن قادة أوروبا يحاولون التعتيم على أخطائهم السياسية والاقتصادية بعدائهم لروسيا… وشدد على أن روسيا مستعدة لحرب واسعة النطاق لمواجهة أي تهديدات ضدها، وتوعد أوروبا وقال إنها ستختفي بالتدريج إذا لم تتعاون مع روسيا…. وأكد بوتين أن روسيا وافقت على المقترحات الأمريكية لإنهاء الحرب في أوكرانيا خلال قمة ألاسكا بينه وبين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب…
واعتبر أن الكرة اليوم في الملعب الأوكراني والأوروبيين، مشيراً إلى أنه لا يرى أي استعداد لدى نظام زيلينسكي للتسوية…
ووصف بوتين محاولات استيلاء أوروبا على الأصول الروسية المجمدة بأنها سرقة موصوفة، وقال إن روسيا ستدافع عن مصالحها أمام المحاكم في المقام الأول..
ويبدو أن المواقف التي أعلنها الرئيس بوتين خلال مؤتمره الصحفي السنوي، الذي تزامن مع تحركات ونشاط روسي مكثف قبل عطلة الأعياد، حيث زار الوزير لافروف إيران ومصر، وهما أكبر دولتين إقليميتين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيما كانت أوروبا تعيد حساباتها من جديد بعد الكلام الذي سمعته من الرئيس بوتين. حتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عاد إلى حساباته القديمة يراجعها، وإن تأخر بعض الشيء فإن التأخير خير من أن لا يأتي، وذلك بعد أن استمع إلى ما قاله الرئيس بوتين لأول مرة عن اتفاقه مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال قمة ألاسكا وقبوله بخطته لإنهاء النزاع في أوكرانيا… وربما سرع إفصاح بوتين عن أجواء قمة ألاسكا الإيجابية من إعلان ماكرون استعداده للحوار مع الرئيس بوتين بعد أشهر من التحريض والمناكفات الأوروبية التي لا طائل منها ضد روسيا…
كما كان توقيت المؤتمر الصحفي السنوي الكبير مناسباً للرئيس بوتين ليعلن بأريحية وحماسة وثقة كل ما يجول في خاطره. فأوروبا كانت تخرج من اجتماع بروكسل منهكة ومنقسمة بعد أن رفضت بلجيكا في عقر دارها تمرير قرار أوروبي حول تحويل الأصول الروسية المجمدة إلى نظام كييف. ولكن بلجيكا، ومعها دول أخرى مثل إيطاليا وصربيا ومالطا وسلوفينيا، عارضت محاولة الاستيلاء على الأصول الروسية المجمدة والبالغة ٢١٠ مليار دولار. وتحتفظ بلجيكا بـ ٨٠ بالمئة من هذه الأموال المجمدة، وقد رفضت أن تمنح ولو دولاراً واحداً لأوكرانيا من الأموال الروسية المجمدة، فسقط القرار ولم يستطع أحد أن يقنع بلجيكا بمصادرة الأموال الروسية وهي الحاضنة لهذه الأموال. وراحت أوروبا بقضها وقضيضها تقلع سُوقها بيديها وتجمع الأموال لزيلينسكي لتقدم له مساعدة هي آخر ما في جعبتها بعد أربع سنوات من الحرب دفعت خلالها لنظام كييف لمواصلة الحرب ما كانت توفره منذ عشرات السنين. فالجميع بات يعلم أن أحداً لن يحمل السلاح للدفاع عن أوكرانيا التي عليها أن تحارب حتى آخر أوكراني، رغم كل التصريحات التي كانت نتيجتها استياء في الشارع الأوروبي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وانخفاض الخدمات العامة، لأن الأموال التي كانت أوروبا تخصصها لتحسين الخدمات باتت تذهب منذ أربع سنوات لتزويد أوكرانيا ونظام كييف بالأسلحة والمرتزقة…
كما كان توقيت المؤتمر الصحفي السنوي للرئيس بوتين مناسباً للمفاوضات الأوكرانية الأمريكية في ميامي في فلوريدا، فقد وضع الرئيس بوتين الكرة في الملعب الأوكراني، وأكد إنه وافق على الخطة الأمريكية وعلى التنازلات المقترحة. وفي هذه اللحظة كان الجانبان الأمريكي والأوكراني بحاجة إلى الاستماع إلى الكلمة الأخيرة التي يقولها الرئيس بوتين، والتي لا تختلف كثيراً عن كلمته الأولى منذ اندلاع الحرب عام ٢٠٢٢، وهو يختصرها بضرورة أن تحقق روسيا أهداف العملية العسكرية الروسية الخاصة في الدونباس.
ويبدو أن أجواء المباحثات في ميامي إيجابية، كما أعلن كيريل دميترييف المبعوث الرئاسي الروسي الخاص إلى مدينة ميامي الأمريكية بعد محادثاته مع مسؤولين أمريكيين حول تسوية أزمة أوكرانيا. وكان يوري أوشاكوف مساعد الرئيس الروسي قد أشار إلى أن دميترييف سيقدم تقريراً إلى الرئيس فلاديمير بوتين يوم الاثنين في ٢٢ من كانون الأول لعام ٢٠٢٥ حول نتائج المباحثات التي أجراها في ميامي في فلوريدا.
وهكذا فإن روسيا تربح عسكرياً وسياسياً وتكسب الرهان، خاصة بعد المواقف التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والتي تتوافق مع المواقف الروسية حول انزعاجه من أوروبا وسعيه لاستبعادها من المفاوضات الجارية حول التسوية الأوكرانية، والتي تلوح بوادر نهايتها قريباً بسبب عجز أوروبا لوحدها، بدون مشاركة الولايات المتحدة، عن تأمين التموين اللازم لاستمرارها. وهي الحرب التي يخوضها رجلان، أحدهما يسجل اسمه في التاريخ الروسي، والآخر يمثل دوراً ناجحاً على مسرح الأحداث بالنيابة عن أوروبا المنقسمة والخائفة…

