
المجلس الانتقالي الجنوبي يطرد قوات المجلس الرئاسي اليمني من حضرموت… ورئيس المجلس يهاجم الإمارات ويعلن إنهاء تحالف دعم الشرعية في اليمن…
دون مبررات منطقية، باتت منطقة ما يسمى القرن الإفريقي الاستراتيجية، التي تفصل بين آسيا وأفريقيا عبر مضيق باب المندب، تشهد على جنباتها ثلاثة حروب: في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وفي الصومال بين الحكومة الصومالية وما يسمى أرض الصومال التي أعلنت الانفصال واعترفت بها دولة إسرائيل نهاية العام 2025 ليتم استخدامها لاحقاً في مشروع التقسيم الذي تعدّه للمنطقة… وأما ثالثة الأثافي فهي الحرب المتجددة في اليمن بين الإخوة الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى أعداء في جنوب البلاد في حضرموت والمهرة والمكلا، بعد أن خاضوا معاً ضمن التحالف الدولي أو تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية والإمارات حرباً استمرت ست سنوات ضد الحوثيين (حركة أنصار الله) التي سيطرت على العاصمة صنعاء في العام 2015…
هكذا فجأة، دون سابق إنذار ودون مقدمات ودون مؤشرات، تحول الصراع الدامي في اليمن من حرب بين الحوثيين الذين تمثلهم حركة أنصار الله في صنعاء وهي حكومة لا تحظى حتى الآن بأي اعتراف دولي، وبين مجلس القيادة الرئاسي اليمني المدعوم من التحالف الدولي بقيادة السعودية، ويرأسه رشاد العليمي الذي حمل الإمارات المسؤولية عن تجدد الحرب في جنوب اليمن، واتهمها بأنها تعمل على فصل الجنوب عن الشمال من خلال دعمها للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي تشكل من رحم المجلس الرئاسي بعد أن بلغت الخلافات مع رئيس المجلس العليمي نفسه حد الذروة…
ورغم التنسيق والعلاقات الأخوية بين السعودية والإمارات، إلا أن الدولتين الكبيرتين في مجلس التعاون الخليجي تقفان اليوم على طرفي نقيض في خنادق متقابلة في جنوب اليمن، بعد تحالف استمر منذ العام 2015 ضد حركة أنصار الله التي سيطرت على العاصمة صنعاء وخاضت حرباً طويلة مع السعودية بشكل خاص.
ومع انتهاء العام 2025 وبداية العام 2026، حصل تطور خطير ومفاجئ عندما انشقت قوات كبيرة بقوام لواءين من أصل ستة ألوية كانت تشكل قوات الشرعية في اليمن والتي تسيطر على مدن كبيرة مثل تعز وحضرموت، وقامت بالانفصال وشكلت المجلس الانتقالي في الجنوب، وأعلنت الانفصال والاستقلال عن الشمال، تاركة وراءها قوات دعم الشرعية في مواجهة أنصار الله في الشمال.
ومع أن الحرب بين أنصار الله (الحوثيين) متوقفة منذ العام 2020، إلا أن احتمالات تجدد الحرب أصبحت ممكنة بسبب الأجندات الخارجية، وبخاصة الإسرائيلية التي تسعى إلى تقسيم اليمن والسودان والصومال بعد أن فشل تحالف دعم الشرعية في تغيير الواقع الجيوسياسي والعسكري، وبات أنصار الله يشكلون خطراً على مشروع إسرائيل الذي يتمدد في المنطقة بكل الاتجاهات.
ومع انتهاء تحالف دعم الشرعية في اليمن عملياً بانسحاب الإمارات، بعد أن سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي على حضرموت والمهرة في الجنوب، فإن النار باتت تحيط بالمناطق المائية من كل جانب، وبات اليمن مركز هذه النيران في ظل حالة من الانفلات الأمني، حيث أن الجنوب في اليمن بات بأيدي المجلس الانتقالي الجنوبي الذي انشق عن المجلس الرئاسي بقيادة العليمي الذي أصدر بدوره، بعد أن خسر حضرموت والمهرة ومناطق الجنوب، بياناً نارياً حرص خلاله على اتهام الإمارات العربية المتحدة بتحميلها المسؤولية عن انفصال الجنوب، وأكد أن قواته ستقاتل حتى استعادة حضرموت والمهرة، وطالب أبناء المنطقة بالانتفاضة ضد المجلس الانتقالي الجنوبي الذي خرج من رحم الحكومة الشرعية وانفصل عنها، الأمر الذي أثار حفيظة الرياض أيضاً.
وكشف العليمي عن عمق الخلافات داخل المجلس، مع أن السعودية كانت تحرص على إخفاء هذه الخلافات بين التيارات الإسلامية والقبائل المتنوعة وعدم إظهارها للعلن، غير أن تصنيف الإخوان المسلمين ضمن لوائح الإرهاب شجع الإمارات على فصل وتحييد نفسها عن كل التيارات الإخوانية المتطرفة، بالاعتماد على أبناء الجنوب والقبائل التي حاربت داعش والقاعدة منذ العام 2015… وكشف رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن العليمي أن الإمارات أرسلت عبر سفينتين كبيرتين انطلقتا من ميناء الفجيرة الإماراتي أسلحة إلى ميناء المكلا اليمني، الذي قامت السعودية بقصفه وتدمير مستودع الأسلحة داخله دون وقوع ضحايا… وهدد العليمي بأنه لا مجال للمفاوضات، وحدد مهلة لانسحاب قوات المجلس الانتقالي الجنوبي من مواقعها. وبينما استمرت المعارك طوال أعياد الميلاد ورأس السنة بعد أن رفض أبناء حضرموت والمهرة إلقاء أسلحتهم، ولا تزال الاشتباكات رغم التعتيم الإعلامي عليها، خاصة أن الإمارات تعتمد على العشائر في حضرموت وتدعمها منذ سنوات…
ومع أن أبوظبي التزمت الصمت، إلا أن ردها على الاتهامات الموجهة إليها جاء عبر المجلس الانتقالي الجنوبي الذي اتهم العليمي وفريقه بأنه لجأ إلى خطة الإسقاط من الداخل تستند إلى بث الإشاعات وخلخلة الصفوف، ودشن البارحة بهجمة منظمة تصدرها المحافظ سالم الخنبشي الذي قال إن الإمارات تنسحب وأن عشائر المهرة وحضرموت تريد مواصلة الحرب حتى استعادة السيطرة على كامل الجنوب.
وشدد الناطق باسم المجلس الانتقالي اليمني أنور التميمي أنه لا خيار أمامنا إلا الصمود والثبات وإسناد قواتنا الحكومية الجنوبية…
ردود الفعل الخليجية والدولية على الأزمة الناشبة في اليمن بين السعودية والإمارات أكثر مما هي بين قوات المجلس الرئاسي اليمني والمنشقين عن هذا المجلس من أبناء الجنوب، وتباينت الردود التي اتصفت بالحذر وأكدت دعمها للشرعية في اليمن دون أن توجه الإدانة إلى الإمارات كما فعل العليمي، ودعت دول الخليج إلى المحافظة على وحدة الخليج وحل الأزمة سلمياً. فيما أجرى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اتصالات مع نظيريه الإماراتي والسعودي في محاولة للوقوف على ما يحدث دون أن يعلن أي موقف محدد مع هذا الطرف أو ذاك…
القوات الجنوبية، أو ما يسمى قوات المجلس الانتقالي، باتت تسيطر على الجنوب، فيما يسيطر الحوثيون منذ العام 2015 على الشمال… ولم يبقَ للحكومة اليمنية أو ما يعرف بمجلس القيادة الرئاسي اليمني الذي انفرط عقده بعد أن انضم أربعة من أعضائه إلى الحراك الجنوبي الجديد ورفضوا بيان رئيس المجلس التصعيدي…
وبذلك يبدأ اليمن مع بداية العام 2026 مرحلة جديدة وبخارطة جديدة، مع وجود ثلاثة حكومات في صنعاء وتعز وحضرموت، ولن تستطيع السعودية والإمارات، رغم حرصهما على إدارة خلافاتهما، إخفائها خاصة بعد أن أصبحت إسرائيل على أبواب اليمن بعد اعترافها باستقلال أرض الصومال التي تريد استخدامها كقاعدة لها لشن الحرب القادمة ضد أنصار الله في اليمن وضد إيران…
ويرى محللون إن هذه الحروب الناشبة على تخوم القرن الإفريقي في السودان والصومال واليمن، والحرب في منطقة الشرق الأوسط في سورية والعراق ولبنان وفلسطين وسورية، مترابطة تقف وراءها إسرائيل التي تريد رسم خارطة جديدة، وتعمل على خلط الأوراق وتقسيم المنطقة عبر تقسيم المقسم منذ سايكس بيكو قبل مائة عام. وهي تريد السيطرة على حركة التجارة في باب المندب والبحر الأحمر وذلك بعد تجربة حرب غزة والحصار الذي فرضه الحوثيون في اليمن على السفن التجارية المتجهة إلى إسرائيل…
ورغم محاولات إخفاء الخلافات بين حلفاء الأمس السعودية والإمارات، غير أن أصوات الرصاص والمدافع والقصف بالطائرات على ميناء المكلا لا يمكن إخفاؤها، وقد وصلت إلى أقصاع الأرض عبر وسائل الإعلام التي رصدت التوترات الحادة بين أعضاء التحالف في اليمن…
وفي محاولة من الإمارات لتخفيف الاحتقان بينها وبين السعودية والمجلس الرئاسي بقيادة العليمي، فقد تم الحديث عن انسحاب الوحدات الإماراتية من بعض المواقع في حضرموت والمهرة، فيما بقيت قوات المجلس الانتقالي الجنوبية في حضرموت، وهي قوات محلية لا يتجاوز تعدادها 15 ألف مقاتل من أبناء المنطقة، تعمل على حماية السكان. وهذه القوات المدعومة من الإمارات أعلنت سيطرتها على المنطقة الجنوبية منذ العام 2015 بعد أن طردت داعش والقاعدة والحوثيين منها، وانضمت في مرحلة لاحقة إلى ألوية الجيش اليمني، لكن لواء حضرموت والمهرة أعلن الانفصال عن قوات المجلس الرئاسي وسيطر على مناطقه الجنوبية، الأمر الذي رفضته السعودية…
كما انتهى العام 2025 بالنار في اليمن، بدأ العام 2026 بالنار أيضاً. فاليمن السعيد لم يعد كذلك، وأصبح جبهة قتال مستمرة بعد أن وضع الحوثيون أنفسهم بنصرتهم لغزة أمام الخطر الإسرائيلي الداهم، حيث تؤدي الحروب الثلاثة في اليمن والسودان وأرض الصومال إلى نتيجة واحدة وهدف واحد هو خدمة الأجندات الإسرائيلية، مع العلم أن إسرائيل فيما لا يفعل العرب ما يكفي لحماية مصالحهم ودولهم وأمنهم القومي الذي يتعرض لخطر حقيقي وكبير هذه المرة…

