
العالم يدين وإسرائيل تهنئ.. وفنزويلا ونفطها أصبحا لإدارة ترامب. باتت لإدارة ترامب.
·
فيما العالم يتابع من فنزويلا ونيويورك والبيت الأبيض في واشنطن أحداث هذا الفيلم التلفزيوني الهوليودي من بطولة وإخراج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعملية اعتقال الرئيس مادورو وهو على المسرح يتبختر مختالاً منتفخاً وقد حقق لأمريكا العظيمة -كما يسميها- السلام عبر القوة. فيما المشاهدون يضحكون كما لو أنهم يحضرون أحد أفلام شارلي شابلن. في خضم المعاناة والقهر واستمرار حالهم.. شر البلية ما يضحك…
وفيما كان العالم يحتفل بأعياد الميلاد، كان ترامب يخطط للاحتفال باعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته ويتباهى أمام العالم بهذا الإنجاز الذي يظهر أمريكا على حقيقتها: بأنها خارج التاريخ الإنساني، تنتصر بالقوة، تفتخر بنحر وتشويه هذا التاريخ الذي شهدته الأمم عبر العقود، بالإساءة المباشرة والعميقة لكل ما هو إنساني وقانوني. تحت عناوين ومبررات السياسة الميكافيلية التي تقول: الغاية تبرر الوسيلة. وطالما أن غاية أمريكا النفط الفنزويلي والثروات الوطنية لفنزويلا، فإن الرئيس ترامب لا يبالي بأي اعتبارات أخرى وهو يدوس بأقدامه كل التاريخ البشري وقوانينه ويتجاهلها، بل ويحقرها.
ومع الأسف، فإنه يقدم كل هذا المشهد المشين المليء بالعار والخزي والمذلة والعيب كما لو أنه قائد عسكري لا يضاهيه أحد في التاريخ، لا نابليون ولا هانيبعل، ويلعب دور البطولة الكاملة دون أن يسمح لأحد بمشاركته، ويوزع الشهادات للآخرين. فلا يترك شاردة أو واردة تفوته ليظهر للعالم كل جبروت وقوة أمريكا وكيف أنها تحتفل بالشر كما تحتفل بالخير، وهي تحيي اعتقال مادورو وقهر شعب فنزويلا.. وكأنه عبد وطني لأمريكا…
ويا لسخرية القدر، كيف يتابع العالم فصول هذه المسرحية التراجيدية المثيرة ولسان حاله يقول لترامب، بطل هذه المسرحية بلا منازع: “إذا لم تستحِ فافعل ما شئت”… فالقضية ليست اعتقال رئيس شرعي لدولة مستقلة، وإنما العالم يتساءل كيف سيتم التكيف مع هذا النوع من الرؤساء الذين يقودون أمريكا، القوة الغاشمة الأكبر في العالم.
وقد كشفت بيانات الإدانة التي صدرت من رفاق الرئيس المعتقل مادورو في كاراكاس ومن عواصم العالم ومنظماته الحقوقية والإنسانية مشاعر القلق، وقد حملت هذه البيانات تساؤلات أكثر مما تتضمنه من إجابات. ولا تقتصر الأسئلة على: كيف يحدث هذا؟ وكيف يسعى ترامب لنيل نوبل وفي نفس الوقت يظهر كل هذه الاستهانة والمقت للقانون الدولي؟ ثم على الطرف المقابل في فنزويلا: أين الجيش في فنزويلا؟ وأين الأمن؟ وكيف يمكن اعتقال رئيس دولة بهذه السهولة؟ وكأننا أمام مسرحية تعرض للجمهور. وكيف تعرف المخابرات الأمريكية مكان وجود الرئيس الذي أعلن الطوارئ في البلاد قبل ذلك؟ هي أسئلة لا إجابات عليها سوى ما يعلنه بطل المسرحية ترامب، الذي أعطى العالم نموذجاً في الحكم يختلف عن كل الأنواع التي عرفتها البشرية، وهو اليوم يمثل أعلى سلطة مادية لا وجود فيها لأي اعتبارات إنسانية، ولا وجود للخير والفضيلة والشجاعة والقيم النبيلة أبداً، وإنما هو تكريس للعدوان والظلم وللقيم الشريرة السيئة، وإبشعها كيف يمكن لإنسان أن يفتخر بالعيب الذي يقوم به، كما رفعه ترامب ويحوله إلى “انتصار”!
وكيف يمكن للرئيس الأمريكي، الذي يسعى لتغيير قواعد اللعبة السياسية الدولية لصالح أمريكا من خلال أسلوبه، وهو يخلط بين الصالح والطالح ولا يفرق بين خير وشر، على اعتبار أن السياسة فن ودهاء… ويقدم نفسه كما كان فرعون في الأزمان الغابرة. وهو الرئيس الذي يحلم بجائزة نوبل ربما للتمويه فقط وإعطاء إحساس بأنه رجل طيب ويحب السلام. ولكن الرئيس ترامب يفتخر بنفسه وهو يمارس كل أنواع العربدة والقرصنة والظلم والعدوان، ويفتخر بكل الأعمال السيئة التي يقوم بها، كما وينسف كل التاريخ الأمريكي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان دفعة واحدة، ويواصل نشر التغريدات وعقد المؤتمرات الصحفية، ويطلع الجمهور على آخر أحداث هذا الفيلم المثير، والذي استقطب ملايين المتابعين في العالم، وهو يعرض قيام قوات “دلتا” الأمريكية بعمليات الاعتقال وما رافقها من عمليات حصار وقصف لمقر مادورو. فيما كان ترامب يتابع الأحداث على الهواء، وبعد إتمام العملية أعلن ترامب اعتقال مادورو وزوجته فيما كان الشعب الأمريكي يغط في نومه.
وبعد ذلك، تم نقل مادورو إلى سفينة في البحر ليتم بعدها نقله بطائرة إلى نيويورك، وكما لو أن الرئيس المعتقل عنصر من عناصر المسرح يؤدي دوره بإتقان بإشراف المخرج ترامب، الذي ظهر بفعلته الشنيعة كطفل صغير وقد جلب له والداه كل الهدايا دفعة واحدة! فالهدف بالنسبة إليه كبير، بالنظر إلى موقع الثورة البوليفارية في أمريكا اللاتينية وسمعتها وهيبتها في العالم، وبالنظر إلى موقع فنزويلا وشعبها، وهي تتحدى مع كوبا وعدد من الدول في أمريكا اللاتينية كل محاولات الهيمنة الأمريكية، بالإضافة إلى أنها تمتلك هذه الثروة النفطية الهائلة التي جعلت ترامب يحلم بالسيطرة عليها تحت ذريعة محاربة المخدرات. حيث ستتم محاكمة مادورو بتهمة ترويج المخدرات، وسيواجه هو وزوجته تهم تشمل الإرهاب والمخدرات. وأعلنت أمريكا أنها ستتولى إدارة فنزويلا، وسنجعل شركات النفط الأمريكية الضخمة تدخل لإصلاح البنية التحتية كما قال ترامب، الذي يروج لغزو فنزويلا واعتقال مادورو والتي أدت لمقتل أربعين شخصاً، في أكبر كذبة يديرها ترامب بحجة الإرهاب، وهو يهدد كل دول الكاريبي ويرفع العصا بوجه كوبا لتطويعها.. ويقول إن على كوبا أن تكون قلقة…
الخوف يسيطر على الكثيرين من أن التدخل في فنزويلا هو مقدمة لحروب أمريكية واسعة. فما جعل ترامب، كفرعون هذا العصر، يقول ويعتز ويوزع الشهادات لمن يشاء، ويدوس القوانين والأعراف دون قيود ودون أدنى احترام للقانون الدولي، كما لو أن شريعة الغاب هي التي تسود في هذا العالم، حيث لا أحد يضع حداً لترامب الذي يتصرف وكأن العالم ملكه، ولا وجود فيه لمجلس أمن ولا أمم متحدة ولا قانون ولا هم يحزنون…
تخجل معظم الدول صغيرها وكبيرها وتحجم عن إصدار بيانات تعلن فيها موقفها من حدث كبير له تداعياته على العالم كله وعلى مستقبل البشرية، ويلوذ الجميع بالصمت. والساكت عن الشر شيطان أخرس. ولكن إسرائيل وحدها، وبريطانيا معها، تريدان إعلان ترامب السنيعة. ويبدو أنه في حالة ترامب فإن السكوت علامة الرضى، لأن ترامب يريد أن يوزع الثروات الفنزويلية ويشتري سكوت من يسكت، كما أنه سيعاقب من لا يسكت، كما ظهر من إطلاق التهديدات ضد كوبا المحاصرة منذ سبعين عاماً لمجرد إدانتها للقرصنة الأمريكية ضد مادورو، الذي عرضت وسائل الإعلام الأمريكية وصول الطائرة التي كان على متنها إلى نيويورك…
ورغم أن روسيا والصين والدول الكبيرة في أمريكا اللاتينية كالبرازيل أدانوا عبثية عملية الاعتقال، إلا أن الجميع يريد أن ينتهي هذا الفصل الناقص من المسرحية بأقل الخسائر. وقد وعد الرئيس ترامب الصين بأنها ستحصل على حصتها من النفط الفنزويلي الغزير، رغم أن موسكو وبكين أدانتا قبل أسابيع الهجوم الأمريكي المسلح على منطقة الكاريبي وحصار فنزويلا بتهمة ترويج وبيع المخدرات…
ومع أن أمريكا باتت تتحكم بالقرار في فنزويلا، رغم التظاهرات الصاخبة والاحتجاجات الشعبية التي ملأت الساحات في كاراكاس وغيرها من المدن الفنزويلية، إلا أن ذلك لن يغير من مطامع وغرور ترامب، الذي سيعمل على الاستثمار بالنفط الفنزويلي لصالح الشركات الأمريكية. وربما يتم إعطاء فرصة لنائبة الرئيس المعتقل مادورو لاستلام السلطة، رغم أن رئيسة المعارضة (المقصود غوايدو) التي اقتنصت جائزة نوبل للسلام من فم ترامب العام الماضي بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى منه، تريد أن تستغل اللحظة وتقوم بعملية انقضاض على السلطة، ولكن ذلك لم يحدث. فالرئيس ترامب لا ينسى الماضي، ولهذا فإنه ربما يترك الوضع للبرلمان لتثبيت نائبة مادورو لتتولى مهام الرئيس، ويكتفي بالسيطرة على النفط لحين إجراء انتخابات ربما بعد عدة سنوات… ويكون عند ذاك نهب النفط، ومن ضُرِبَ ضُرِبَ ومن هَرَبَ هَرَبَ…
التساؤلات أكثر من الإجابات، رغم أن ترامب يضع نفسه في تصرف الجمهور الأمريكي والعالمي، وهو يتفاخر وهو يدوس القانون الدولي، ويتباهى بما يعتبره إنجازاً، ويعرض أولاً بأول أحداث ليلة الثالث من كانون الثاني دون خجل أو وجل، ويتباهى بها كما فعل سلفه جورج بوش أثناء غزو العراق عام 2003.
هو مسار أمريكي طويل يحتقر القانون الدولي ويستهتر بإرادة الشعوب المستضعفة، لا تزال أمريكا تعتمده مساراً لها وهو يتصاعد عاماً بعد آخر، وهي تريد استخدام قوتها العسكرية لقهر إرادة الآخرين وسلبهم حقوقهم بالقوة، لتجمع الثروة وتنهب البلدان دون أن يقف أحد في وجهها. فالرئيس ترامب لديه من التاريخ ومن الأفكار التي نسميها شعبوية ما يكفي ليمنع السلام والأمن طوال فترة حكمه، مع العلم أنه يستخدم شعارات السلام من أجل تغطية أهدافه الشريرة التي لن تتوقف عند فنزويلا وإنما ستطال بلداناً أخرى في أمريكا اللاتينية. فيما يعجز العالم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً عن إيقاف هذا المسار الأمريكي الخطير الذي يهدد بحرب عالمية ثالثة.
… فالجميع اليوم بات يشعر بالخطر يقترب منه، ما يضع البشرية والساحة السياسية الدولية أمام امتحان صعب وخطير… خاصة وأن نجاح ترامب في فنزويلا سيعيد من جديد صياغة قواعد النظام العالمي، وسيشجعه على المزيد من المغامرات التي لن تنتهي ما دام ترامب في البيت الأبيض.

