
واشنطن تشارك في المفاوضات وتمارس الضغط لاستمرارها لتطبيق اتفاق العاشر من آذار. وتركيا تهدد يومياً بأن صبرها ينفذ ضد قسد….
لم ينتظر السوريون طويلاً لمعرفة نتائج جولة المفاوضات التي عقدها مظلوم عبدي، قائد سورية الديمقراطية، مع ممثلين عن الحكومة السورية في دمشق في الرابع من الشهر الجاري. فالاجتماع عقد دون مشاركة الرئيس أحمد الشرع، كما جرت العادة، وكان ذلك بحد ذاته رسالة واضحة إلى أن المفاوضات لم تحقق أي نتائج ملموسة، ولم تحقق أي تقدم على صعيد دمج قوات سورية الديمقراطية في وزارة الدفاع السورية، وهي المشكلة الأساسية التي لا تزال تعطل تنفيذ اتفاق العاشر من آذار لعام 2025 بين الشرع وعبدي…
الحكومة السورية سارعت إلى إعلان فشل المفاوضات بشكل صريح في بيان رسمي جاء فيه: “الاجتماعات التي عُقدت في دمشق مع قسد بحضور مظلوم عبدي في إطار متابعة تنفيذ اتفاق 10 آذار لم تُسفر عن نتائج ملموسة من شأنها التسريع في تنفيذ الاتفاق على الأرض”.
أما قسد، فإنها اعتمدت أسلوب المواربة والمماطلة والضبابية في بيانها الذي أكدت فيه أن “اللقاء الذي جمع قياداتها مع مسؤولي الحكومة في دمشق، وشارك فيه العميد كيفن لامبرت، قائد «قوات العزم الصلب» لمحاربة «داعش»، ضمن مباحثات تتعلق بالاندماج العسكري، سيتم الإعلان عن نتائجه بشكل رسمي عند استكمال المشاورات”. واعتبر البيان أن ما يتم تداوله حالياً خارج هذا الإطار لا يعكس مجريات الاجتماع. وأكد بيان قسد أن “النقاشات تُدار وفق أسس مهنية ومسؤولة، وبما يضمن نتائج مدروسة، وتضع السلام والاستقرار في مقدمة الأولويات”…..
ومن الواضح من البيانات أن الاجتماعات لها طابع أمني وعسكري، فيما لا يزال المسار السياسي غائباً بشكل كامل، مع العلم أن الحكومة السورية قبلت على مضض -رغم كل الضغوط التركية- انضمام قسد إلى الجيش كتلة واحدة بثلاث فرق عسكرية في المنطقة الشرقية التي تسيطر عليها، شريطة أن تدخل قوات الجيش العربي السوري والقوى الأمنية إلى المنطقة. غير أن قوات سورية الديمقراطية رفضت بشكل قاطع السماح لعناصر الجيش السوري بالدخول إلى مناطق سيطرتها، وهي تعتبرهم عناصر جهادية خطرة، وتطالب بتحديد هوية وعقيدة الجيش السوري قبل أن تتم أي عملية اندماج…
ومع أن الحكومة السورية تبحث عن مشتركات وتمتص الضغوط التركية التي تمارس عليها، لأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يهدد منذ سنوات أنه سيدفن عناصر قسد مع أسلحتهم، غير أن حكومة الشرع تعطي نفسها الوقت وتراهن بشكل كبير على الموقف الأمريكي الذي بدأ في الأشهر الأخيرة -بعد زيارة الشرع إلى واشنطن- بالميل إلى صالحها، ويدعو إلى وحدة سورية… غير أن واشنطن لا تمارس حتى الآن الضغط الكافي على قسد، وتكتفي بإعلان دعمها للحكومة السورية. مع العلم أن قسد تحارب منذ العام 2015 جنباً إلى جنب مع التحالف الدولي ضد داعش.
وبالتزامن مع الاجتماع بين قسد والحكومة السورية، شنت قوات بريطانية وفرنسية غارات على موقع لداعش في صحراء تدمر في البادية السورية، في رسالة دعم إلى قسد أكثر منها إلى الحكومة التي انضمت إلى التحالف مؤخراً. ذلك لأن قسد وواشنطن والغرب يعتبرون أن محاربة داعش أولوية اليوم في سورية، وبعد ذلك تأتي بقية القضايا. وهذا يتناسب مع أسلوب المماطلة والتأييف الذي تستخدمه قسد بإتقان، وهي تشد وترخي في المفاوضات مع حكومة الشرع ما بين مد وجزر منذ قرابة العام دون أن تحرك ساكناً، وتواصل حفر الخنادق والتحصينات في مناطق سيطرتها، وتطالب بتنقية الجيش السوري من العناصر الأجنبية، وتصدر البيانات بالنيابة عن أبناء الساحل العلويين تطالب فيها بإشراكهم في الحكم، وبتشكيل جيش وطني، وتدعم الدروز بالمال والسلاح ضد الحكومة في دمشق. واللافت أن قسد تتوسع جغرافياً منذ التوقيع على اتفاق العاشر من آذار في مناطق شمال حلب، وهي تسعى إلى ترسيخ الإدارة الذاتية القائمة حالياً، فيما تصر الحكومة السورية على وحدة الأراضي السورية وترفض نظام الفيدرالية…
ومع أن الأوراق التي لدى الحكومة السورية لا تبدو قوية بما فيه الكفاية لفرض واقع على الأرض واعتماد الحل العسكري الذي تدفع إليه تركيا للقضاء على قسد، غير أن حكومة الشرع لا تفاوض وهي خالية الوفاض، بل إنها تعتمد الدبلوماسية الهادئة وفي جعبتها ورقة القبائل العربية شرق الفرات، وهي تراهن على استخدامها لزعزعة قسد من الداخل. مع العلم أن بعض القبائل منخرطة مع مشروع قسد حتى الآن لأنها تجد مصالحها معها، وليس مع حكومة دمشق التي تضم عناصر جهادية متطرفة لا تنسجم مع تاريخ ونمط تفكير القبائل العربية في الجزيرة السورية ومنطقة شرق الفرات، التي تضم مكونات مختلفة طائفية ومذهبية وعربية متجانسة منذ مئات السنين. عدا عن أن القبائل العربية كانت خلال فترة الحرب، قبل سقوط النظام السابق، متحالفة مع الولايات المتحدة، وكانت تستفيد من عائدات النفط والثروات السورية. وكان ذلك من الأسباب التي جعلت أمريكا تحتفظ بقواعدها العسكرية في المنطقة وترفض الانسحاب، لأنها لا تخسر شيئاً ولم يُقتل لها أي جندي في سوريا باستثناء ثلاثة جنود قتلوا في تدمر بنهاية العام الماضي برصاص أحد عناصر الأمن السورية الجهادية…
ويبقى الموقف الأمريكي، بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة وانضمام الحكومة السورية للتحالف الدولي، هو الموقف الذي يُعوَّل عليه في مسألة نجاح أو فشل المفاوضات بشأن تطبيق اتفاق العاشر من آذار. بالنظر إلى العلاقات التي تربط واشنطن مع قسد، فالجميع بات على قناعة أكيدة أن إدارة ترامب تستطيع -متى أرادت- أن ترغم قسد على الاندماج مع الجيش السوري. ولكن واشنطن لا تزال تستخدم سياسة غامضة نوعاً ما في سورية، رغم دعمها لحكومة الشرع؛ فهي تريد أن تحسن علاقاتها مع سورية وتريد المحافظة على وحدتها واستقرارها، وفي نفس الوقت تدعم قسد ومشروعها منذ العام 2015، وهذا نفاق مكشوف. فلا يمكن أن تكون واشنطن مع وحدة سورية ومع مشروع قسد في نفس الوقت……
وفي كل الأحوال، تضيق المساحة الزمنية أمام الجميع: أمام حكومة دمشق، وأمام حكومة أردوغان في تركيا، وأمام قسد نفسها. وتدخل سورية بعد اجتماع دمشق مرحلة جديدة حرجة وغير واضحة المعالم. فلا أحد يرغب بالحرب، ولكن لا أحد يعمل جدياً على تجنبها… وعلى قوات سورية الديمقراطية أن تختار في نهاية المطاف: إما الانضمام طواعية وبشروطها -التي وافقت عليها حكومة دمشق- بالانضمام كتلة واحدة والرضى بدخول الجيش إلى المناطق التي تسيطر عليها قسد شرق الفرات، أو أن عليها مواجهة التحديات التي لا تُحمَد عقباها، والتي خبرها الأكراد خلال العمليتين العسكريتين اللتين قامت بهما تركيا أمام عيني واشنطن في عفرين وتل أبيض، عندما اعتبرت الوجود الكردي تهديداً مباشراً لأمنها القومي خلال عامي 2016 و2019. ويرى المراقبون أن فشل اجتماعات دمشق ربما سيدفع باتجاه الحل العسكري بلا أدنى شك، لأن حكومة دمشق طالما بقيت القضية الكردية شرق البلاد دون حل، فإنها ستظل رهينة هذه القضية ولن تستطيع أن تثبت أقدامها وشرعيتها في حكم سورية، ذلك أن مستقبل سورية يتوقف على نتائج اتفاق العاشر من آذار.
خاصة وأن حال الأكراد في شرق سورية بعد التحرير أصبح يتكامل مع حال الدروز في السويداء المدعومين من إسرائيل.. كما يتكامل مع حال أبناء الساحل الذين ينتظرون نتائج المفاوضات بين قسد والحكومة ليبني كل على الشيء مقتضاه…
ولا ننسى أن العامل الخارجي أصبح على الأرض السورية فاعلاً وضرورياً بحكم الأمر الواقع، مع وجود أربعة جيوش (بعد خروج إيران) على الأراضي السورية، حيث تقف تركيا اليوم -وهي تستعجل القضاء على قسد- على طرفي نقيض مع واشنطن وموسكو وحكومة الكابان الصهيونية، التي تتمهل وتعطي حكومة الشرع الوقت الكافي لحل عقدة قسد وفق قواعد ومبادئ سورية داخلية، دون أي تدخل تركي…..

